يتابع العالم الآن دراما الانتخابات الامريكية وسط ضجيج تكاد نتيجته ان تكون معروفة سلفا, إذ سوف يسلم آل جور ــ أغلب الظن ــ بنتيجة (الكلية الانتخابية) التي تمنح جورج بوش البيت الأبيض, ولكن بعد ان يلحق بالادارة الجمهورية اصابات قد لا تبرأ منها طيلة الأعوام الاربعة المقبلة, حيث يريد الديمقراطيون ألا يكف الجميع عن التساؤل عن مدى احقية جورج بوش في الرئاسة, تمهيدا لعودة آل جور للانتخابات الرئاسية عام 2004. وفيما يعرف لجميع ان آل جور يسعى ــ مما يحدث الآن ــ الى اضعاف الادارة الجديدة والى افساح الطريق أمام عودة الديمقراطيين ــ بل وعودته هو شخصيا ــ الى البيت الأبيض, فإن تشكيل هذه الادارة الجديدة بات معروفا ايضا من حيث مكوناته الأساسية. كولن باول للخارجية, كاندليزا رايس للأمن القومي.. ولكن من للمالية؟ الشائعات كثيرة ولكن وول ستريت لا يحب الشائعات, ثم انه يكره أي وضع مغلق لا يتسم بالوضوح, خصوصا لو كان يتعلق بالبيت الأبيض, ولذا فإن سوق الاوراق المالية في نيويورك يعاني من حالة دوار واضح. (البيان) استطلعت آراء من خبراء السوق, نك سارجان من جيه.بي مورجان, وليون تشورسكي من (ليهان براذرز) وجيري اوكونر من (جلوبال انفستمنت) وتيموثي شاين من (اس.بي ايكوتي) حول مسألة واحدة تضاربت حولها الآراء: ماذا سيحدث لو جلس جورج بوش في المكتب البيضاوي؟ ما هي انعكاسات هذا على (وول ستريت)؟ والاجابات الآن تتفق حول نقطة واحدة وتختلف حول كل النقاط الأخرى. نقطة الاتفاق هي ان العام الأول من رئاسة جورج بوش سيشهد ارتفاعا ملحوظا في أسعار الأسهم في سوق الاوراق المالية الأمريكية, وسوف يشهد استمرارا للسعر المرتفع للعملة الأمريكية ازاء العملات الدولية الأخرى. أما بعد ذلك فإن كل شيء قابل للنقاش. الأسباب الرئيسية لنقطة الاتفاق المشتركة هذه تكاد تكون متشابهة ايضا, إذ يمضي منطق الخبراء الأربعة في الاتجاه التالي: حيث ان أية ادارة جمهورية ستمنح الشركات ــ والأفراد ــ تخفيضات ضريبية ملموسة, وذلك طبقا لبرنامج جورج بوش الضريبي, فإن ذلك لابد ان يسفر عن توسعة هامش الربح الذي تحققه هذه الشركات, وعن ارتفاع مؤشري الاستهلاك والادخار في السوق. ويعني ذلك توجيه المزيد من الاستثمارات الى سوق الاوراق المالية التي ستصبح ـ في اللحظة ذاتها ـ اكثر جاذبية بسبب تحسن ارباح الشركات. جيري اوكونر مثلا يقول ان برنامج جورج بوش بتحويل جزء من ميزانية الضمان الاجتماعي الى وول ستريت لابد ان يؤدي الى فترة من الرواج الكبير في تعاملات الاوراق المالية. وكان جورج بوش قد وضع برنامجه على اساس استثمار جزء من فائض ميزانية الضمان الاجتماعي في سوق الاوراق المالية التي تحقق عائدا متوسطا مقداره نحو 13 % سنويا, وذلك بدلا من ايداعها في البنوك, او وضعها في (الصندوق المغلق) الذي تحدث عنه آل جور كثيرا. اما تيموثي شين فإنه يلفت الانظار الى ان اية ادارة جمهورية تكون عادة اقل صرامة في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار. ويعني ذلك ان اغلب الاندماجات ــ بين الشركات الكبرى ـ التي تحفظت عليها ادارة بيل كلينتون سوف تصبح قابلة للتنفيذ في ظل وزارة العدل الجديدة التي يقودها مدعي عام جمهوري. ويقول شين ان هذه الاندماجات تؤدي الى رفع اسعار اسهم الشركات المندمجة ومن ثم زيادة هامش الربحية المتاحة امام الاستثمارات في وول ستريت, اي ــ باختصار ــ جذب المزيد من الاستثمارات. ويقول ليون تشورسكي ان برنامج بوش الانتخابي تضمن تخفيف القيود المفروضة على اسعار الدواء وعلى شركات التأمين العاملة في مجال الضمان الصحي. ويعني هذا ـ في تقديره ـ انعاش قطاع الكيمياء البيولوجية بأكمله, وهو امر سيؤدي الى زيادة اسعار اسهم شركات هذا القطاع. فضلا عن هذا ــ في رأي تشورسكي ــ فإن شركات النفط ستحصل على حوافز ضريبية على استثماراتها في عمليات الحفر والتنقيب ذات معدلات المخاطرة الاستثمارية العالية, وهو امر سيفضي الى جعل اسهم هذه الشركات ذات جاذبية عالية ــ اعلى كثيرا مما هي عليه الآن ـ امام المستثمرين. وتمضي اراء نك سارجان في ذات الاتجاه. فهو يقول ان جورج بوش أسس موقفه الاقتصادي على معارضة الافراط في تدخل الحكومة, وتحرير السوق من كثير من القيود, ورفض المبالغة في فرض غرامات ورسوم على الشركات بدعوى حماية البيئة. ومثل هذه الامور ـ في رأي سارجان ـ تشكل جوهر برنامج قطاع الشركات الامريكية, ويعني هذا ان تطبيقها سيحقق لهذه الشركات ما تريد, اي سيتيح أمامها هامشا اوسع للحركة, ولزيادة معدلات الارباح, على نحو ينعش وول ستريت. كل هذا طيب.. ولكن ماذا عن الفترة التي ستلي العام الأول؟ المخاطر الاساسية التي يخشاها الجميع تتلخص جميعا في نقطة واحدة: التضخم. فحيث ان برنامج جورج بوش سيحرر قدرا كبيرا من السيولة من قبضة البرامج الفيدرالية ـ الحكومية ـ ويعيدها إلى السوق, وحيث ان ذلك يعني توسعاً مضطرداً لعمليات الشركات, اي زيادة معدلات النمو وزيادة معدلات التوظيف, ثم ـ فضلاً عن هذا كله ـ زيادة معدلات الانفاق الاستهلاكي, فلابد ان ذلك كله سيؤدي إلى ارتفاع مقلق في نسبة التضخم. المشكلة هنا ان اية محاولة لكبح جماح التضخم تستدعي رفع سعر الفائدة. ورفع سعر الفائدة يؤدي إلى هجرة الاموال من وول ستريت إلى دفء اوعية استثمارية اخرى مضمونة وذات عائدات مجزية, بدلاً من المخاطرة ووجع الرأس في سوق الاوراق المالية.. اذن, خطة بوش ـ كما يقول البعض ـ ستؤدي إلى الاضرار بوول ستريت في المرحلة التالية للانتعاش المتوقع خلال العام الاول. هل هذا افتراض صحيح اذن؟ يقول تشورسكي ( نعم. انه صحيح تماماً) ويقول اوكوز (رغم ان الافتراض صحيح في الجزء الاول منه, الا انه لا يصيب الهدف في جزئه الثاني. ذلك ان ارتفاع سعر الفائدة سيواكبه ارتفاع في ارباح الاستثمار في سوق الاوراق المالية. نسبة الفائدة الآن اقل بـ 8 نقاط مئوية من العائد من وول ستريت. واعتقد ان هذا الفارق سيبقى كذلك.. سترتفع نسبة الفائدة, وسيرتفع معها العائد من استثمارات الاوراق المالية, ويعني هذا ان الوضع ـ من الناحية النسبية ـ سيبقى على ما هو عليه). اما نك سارجان فإنه يقول ان اية طريقة للتكهن بما سيحدث بعد عام لابد ان تعتمد على ما سيدحث خلال هذا العام. ويضيف سارجان (علينا ان ننتظر, اذ من المحتمل ان تعدل الادارة الجديدة من برنامجها بسبب معارضة الكونجرس أو بسبب ضعف هذه الادارة ذاتها. ان محاولات التكهن بما سيحدث في وول ستريت, في ظل ادارة جديدة, هي مجرد تخمينات لا تستند على اي اساس واقعي.. اذ من اين سيأتي هذا الاساس اذا كانت الادارة الجديدة لم تتسلم مهام عملها بعد). ويبقى تيموثي الذي حين ابلغناه باراء الآخرين, قال ساخراً (انهم لا يزالون يفكرون بمنطق الامس. ان 47 سنتاً من كل دولار يدخل جيب المواطن الامريكي يأتي الآن من خارج البلاد. فإذا فكرت في ان خفض الضرائب وزيادة معدلات الاستهلاك في السوق الامريكية, وتوسع الشركات الامريكية محلياً, وما سيؤدي اليه هذا من ضغوط في سوق العمل, ومن زيادة في الاجور, ومن ثم رفع تكلفة الانتاج, وزيادة الاستهلاك اي زيادة معدلات التضخم, فإن كل ما تقوله صحيح, ولكن قبل عامين او ثلاثة اعوام. وليس الآن, ذلك ان الخطأ السياسي في كل هذا هو انه يتناول السوق المحلية ومؤشراتها. وعلي ان اقول لهم: ايها السادة.. السوق لم تعد محلية. ما تقوله صحيح في حالة السوق المحلية وضمن قوانينها الداخلية فحسب, ولكن الامور قد تغيرت.. استيقظواً). ويخلص شاين من منطقه هذا إلى ان وول ستريت مقبل على فترة انتعاش (لم يسبق لها مثيل), وان المستثمر الذكي هو من يشتري الآن.. فالثمار مؤكدة اذا ما جاء جورج بوش, وهذا هو الاحتمال الارجح حتى الآن.