تشهد دبي مساء اليوم حدثا تاريخيا هاماً حيث يقوم الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بافتتاح المبنى الجديد لاقدم دائرة حكومية في دبي وهي دائرة الموانىء والجمارك التي تحتفل في الوقت، نفسه بمرور مائة عام على قيامها شهدت خلالها اهتماماً خاصاً من حكام د بي. ومن شدة هذا الاهتمام وهذه الرعاية الخاصة للجمارك فإن مكتبها كان قد اصبح مرادفا لمكتب المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم فإذا قال احد المواطنين: انني ذاهب إلى الجمارك فإن هذا كان يعني في اغلب الاحيان انه ذاهب إلى مجلس المغفور له حاكم دبي وليس إلى ادارة الجمارك التي كانت تعرف في ذلك الوقت بـ (الفرضة) بل انه رحمة الله كان يتخذ منها مقراً له في كثير من الاحيان. ويقع المبنى الجديد الذي يجري افتتاحه اليوم في مدخل ميناء راشد على شاطىء الخليج العربي ويتخذ شكل سفينتين بما يرمز إلى ارتباط الجمارك بالبحر وقد اعد بتصميم انيق يلفت نظر من يمر امامه واستغرقت عمليات انشائه اثنين وعشرين شهراً بتكلفة اجمالية بلغت 60 مليون درهم. وقد اقيم على مساحة 000.14 متر مربع ويجمع بين الاصالة والحداثة واصبح نموذجاً سواء من حيث الشكل او تقديم الخدمات للجمهور ومختلف القطاعات التجارية والاقتصادية التي اسست الدائرة معها شراكة نموذجية. ويضم مكاتب المدير العام ومساعديه ومركز جمارك ميناء راشد ومركز التدريب الجمركي ومركز تقنية المعلومات وادارات الموارد البشرية وتقنية المعلومات والموارد البشرية والعلاقات العامة والمالية والخدمات والتفتيش والامن الجمركي والبحوث والدراسات ومكاتب التدقيق والمراجعة وتطوير الاداء المؤسسي والمشاريع والتسويق والريلو والمستشارين. وقد شهدت الدائرة خلال سنواتها الاخيرة ادخال الحاسب الآلي في انجازها لمعاملاتها مع التجار والجمهور واستحدثت انظمة وبرامج تقنية فائقة تربطها مع شركات الشحن لتخليص المعاملات وخروج البضائع عبر المنافذ الجمركية المختلفة سواء البرية او البحرية او الجوية, هذه البرامج اشادت بها جميع الدوائر والفعاليات التجارية والاستثمارية بالدولة كما استعانت ببعضها دول اخرى وطبقتها في منافذها الجمركية ومنها على سبيل المثال لا الحصر نظام مرسال الذي يربط الجهات الجمركية بشركات ووكلاء الشحن ونظام آخر ابتكرته الدائرة لانجاز معاملات التخليص للبضائع القادمة عبر الجو حيث يجري العمل وينتهي قبل هبوط الطائرة للمطار الامر الذي يختصر تخليص البضائع في اقل من نصف ساعة واستعان به مطار مومباي وتحدثت بشأنه مطارات اخرى دولية للاستعانة به في عملياتها الجمركية. هذه الانظمة التقنية المتقدمة استحدثتها الدائرة في اطار خطتها الاستراتيجية الشاملة في الانطلاق نحو العالمية واستطاعت من خلالها ان تحقق لدبي سمعة دولية طيبة في المجال الجمركي انعكست في انتخاب الدكتور عبيد صقر بوست مدير عام الدائرة رئيسا لمنظمة الجمارك العالمية قبل اربعة اشهر بما يضيف إلى الامارات نجاحاً آخر ويؤكد الاعتراف الدولي بما حققته اقتصاديا. وللجمارك مفهوم خاص في رأي الدكتور عبيد صقر بوست مفهوم يختلف كثيراً عن مفاهيم جهات جمركية في دول اخرى عديدة, فهي ـ اي الجمارك ـ في رأيه ـ لم تعد في وقتنا الراهن مجرد دائرة للجباية والتفتيش لكنها ركن اساسي من اركان اقتصاد الدول المتطورة ومن الصعب ان تضع اية دولة خططها الاقتصادية دون اشراك هذه الدائرة نظرا لدورها البارز في برامج تطوير ونهضة الدول. ويضيف مدير عام جمارك دبي رئيس منظمة الجمارك العالمية ان اتساع حركة التجارة الدولية وترابط الاسواق العالمية مع بعضها البعض اكسب الجمارك اهمية كبيرة وجعل لها أهدافا متعددة تتجاوز في أبعادها الجوانب الاقتصادية الصرفة لتطال أهدافا اخرى ذات صلة مباشرة برفاهية المجتمعات وحمايتها من الظواهر الاجتماعية السلبية الضارة بأمنها واستقرارها. لقد تطورت مهام الجمارك في عصرنا الراهن واتسعت تبعا لتطور أساليب التبادل التجاري واتساعه. الأمر الذي جعل منها احدى أهم الدوائر الاقتصادية في الدولة, فهى الجهة التي تحافظ على نظام التبادل التجاري مع الخارج وفي نفس الوقت هي الطرف الذي يحصل الرسوم المقررة على الواردات عبر المنافذالجمركية كما انها تلعب دوراً أساسياً في ضبط المبادلات التجارية وأنواع السلع الصادرة والواردة. واذا عدنا بالوراء الى الدور الذي لعبته جمارك دبي نجد ان لهذا الدور مكانة كبيرة فقد عرفت الامارة ومنذ القدم بطابعها التجاري المميز واستطاعت عبر السنين ان تحافظ على هذا الطابع وتطوره. فحتى عام 1969 عندما تم انتاج أول شحنة نفط في دبي, كانت الجمارك تحصل أكبر جزء من الدخل الوطني لدبي, وكانت جمارك دبي تعرف باسم (الفرضة). وهذه الكلمة تعنى جميع الضرائب والرسوم التي تفرض وتحصل على السلع المستوردة. ولفترة طويلة من تاريخ هذه الدائرة تركزت معظم عمليات الجمارك على خور دبي وهو الميناء الطبيعي الذي حبا الله به مدينة دبي. وفي المراحل الأولى من تاريخ الدائرة كانت الجمارك تقوم بمجموعة من الوظائف انحصرت في تحصيل الدخل للحكومة. وكان تحصيل هذا الدخل يتم من فرض الرسوم الجمركية على السلع الواردة الى الخور على متن السفن الخشبية ومن الضرائب التجارية التي تفرض على التجار ومن ايجارات المبانى الحكومية. وتمحور دور الجمارك لفترة طويلة حول الخور, حتى البضائع التي تصل عن طريق البر كان يتم نقل معظمها عبر هذا الخور لما يتمتع به من مرافق طبيعية لرسو السفن. ولهذا السبب تركزت معظم الحركة التجارية فيه وازدهرت على ضفتيه حيث استمر هذا التقليد قائما حتى يومنا هذا. وقد استخدم حاكم دبي الطابق الأول من مبنى الجمارك مكتباً رسمياً له يدير من خلاله شئون البلاد. وكان يقع بالقرب من بيته الشتوي. وهكذا لعبت الجمارك دوراً هاماً كجزء لايتجزأ من مكتب الحاكم واستمرت في القيام بمهام تفوق فرض وتحصيل الرسوم الجمركية. اذ قامت بمهام (خزينة الدولة) وذلك بناء على سند صرف (بروة) يصدره حاكم دبي لمدير الجمارك الذي يقوم بدوره بتغطية بعض المشاريع والمصروفات العامة. وعلى الرغم من ان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم قد خلف والده المغفور له الشيخ سعيد في الحكم عام 1958 إلا انه كان يؤهل نفسه للحكم منذ الثلاثينات من هذا القرن. وفي الاربعينات وضع اهتمامه في استغلال وتطوير مصادر الاقتصاد في دبي خاصة اعادة تنظيم الجمارك التي كانت مصدراً هاماً للدخل المحلي. وقد أوضح المندوب البريطاني بي دي شوبارت الذي أوكلت له مهمة التحقيق في الشئون المالية لامارة دبي عام 1950 ان كرم المغفور له الشيخ سعيد وعدم تدخله في شئون السوق بالاضافة الى معدل الرسوم المعتدلة المفروضة تعتبر من أهم أسباب تدفق التجار الوافدين للاستثمار في دبي. وقدر المندوب البريطاني انه نظراً لفرض رسوم جمركية بمعدل 5.4% فإن الجمارك قامت بتحصيل دخل بمقدار 000.312.1 روبية هندية, بينما اوضح مدير الجمارك راشد بن احمد بن عبدالرحمن ان الدخل السنوي للامارة بلغ 000.440.1 روبية. واستمر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم على خطى والده التقليدية في ادارة شئون البلاد من مكتبه المتواضع الواقع في مبنى الجمارك المطل على خور دبي. ولايزال الناس اليوم يتذكرون أسلوبه شبه الرسمي في ادارة شئون البلاد وسياسة الباب المفتوح التي كان يتبعها بحيث كان من السهل على أي موظف جمركي الوصول اليه مباشرة. وهكذا استمر اهتمام ورعاية حكام دبي بدائرة الجمارك وامتد الى وقتنا الراهن حيث يوليها صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي جل اهتمامه ورعايته. وقد استطاعت الدائرة من خلال الدعم الدائم والتوجيهات المستمرة لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع رئيس دائرة الموانىء والجمارك تحقيق نجاحات كبيرة محليا واقليميا وعالميا, واشادت بها جميع الدوائر الجمركية العالمية, كما استطاعت الدائرة من خلال توجيهات سموه إقامة علاقة شراكة طيبة مع التجار والمستثمرين في دبي وشاركت الدائرة المجتمع في جميع مناسباته ولم تكن بمنأى عنه أو متقوقعة على جباية الجمارك ولا أدل على ذلك من شراكتها مع مايكروسوفت وشركات الشحن العالمية وكبار التجار في دبي ومشاركتها بنجاح في مهرجان دبي للتسوق من خلال واحة السجاد التي تضم ارقى واجمل أنواع السجاد اليدوي وإقامتها ايضا للعديد من المعارض التجارية التي تخلق تفاعلاً وتواصلاً مستمراً مع الجمهور. واحتفالاً بهاتين المناسبتين افتتاح المبنى ومرور مائة عام على انشائها فإن الدائرة ستعقد ندوة كبرى يشارك فيها مسئولون وخبراء من احدى وعشرين دولة وستقام صباح اليوم بمبنى غرفة تجارة وصناعة دبي تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وستتركز أوراق أعمالها حول دخول الجمارك للعمل الالكتروني وتهدف الى تعميق دورها في دفع عجلة الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الازدهار وتحديث الادارات الجمركية وخلق بيئة عمل الكترونة بدون أوراق وتعميق صلات الدوائر الجمركية بعضها مع بعض وخلق ارضية مشتركة لتبادل المعلومات والخبرات كجزء من استراتيجية منظمة الجمارك العالمية وتحت مظلتها. وسوف تبدأ أعمال الندوة ابتداء من الثامنة والنصف صباحاً وتمتد حتى الثانية ظهراً تتخللها ثلاث جلسات عمل يناقش كل منها ثلاث أوراق هامة وسيكون من ابرز المحاضرين والمتحدثين فيها مسئولون من الجمارك الامريكية والبريطانية واليابانية والهولندية والباكستانية والهندية والايرانية والصينية بالاضافة الى مسئولين من جمارك دبي ومصر والاردن.