المؤسسات المالية الإسلامية تواجه تحديات التشتت المعرفي والإداري والعزلة

تتزايد الدعوات في الوقت الحاضر إلى اعداد الدول الإسلامية لمواجهة القرن الحادي والعشرين وذلك بالاستفادة من مواردها المختلفة واستثمارها في ترسيخ قيمها الإنسانية عالميا, وللقطاع المالى وخاصة البنوك الإسلامية، دور في إيصال ودعم الرسالة الإنسانية للدول الإسلامية إلى العالم وذلك باستثمار تواجدها المالى والمصرفي في كافة أنحاء العالم يدعمها ما تمتلكه من نقاط قوة تتمثل في أنها تضم 23% من سكان العالم, وتسيطر على 30% من الموارد الاقتصادية الأساسية للعالم وهو ما يؤهلها لتكون قوة فاعلة اقتصاديا. لقد شهدت البنوك الإسلامية تطورا ملحوظا في أنشطتها حيث تم افتتاح أول جيل حديث من المصارف الإسلامية في مصر في الستينات, اختفى هذا المصرف قبل نهاية ذلك العقد لأسباب سياسية ثم تلى ذلك افتتاح البنك الإسلامي للتنمية في جدة عام 1975م تحت رعاية منظمة الدول الإسلامية, وتم في نفس العام تأسيس أول بنك تجاري إسلامي خاص في دبي وهو بنك دبي الإسلامي ثم تسارعت خطى تطور سوق المصارف الإسلامية بعد عام 75 باعتماد العديد من المصارف الإسلامية الجديدة في النصف الأخير من السبعينات وما تلا ذلك من أسلمة النظام المالى في باكستان مع بداية ,79 وتطبيق الاجراءات المصرفية الإسلامية التي بدأت في إيران في مارس ,84 وتحول الحكومة السودانية إلى نظام مصرفي إسلامي في نفس العام ولقد حققت المصارف الإسلامية وما يماثلها من المؤسسات المالية الإسلامية معدلات نمو مميزة خلال السنوات الماضية من حيث تحقق نموا بالأصول بمعدل 15 من السنة وتوجد حاليا أكثر من 190 مؤسسة مالية إسلامية في أنحاء العالم, ويتراوح حجم الأموال المتوفرة للاستثمار في السوق الإسلامية ما بين ,150 200 مليار دولار أمريكي ومن المتوقع حصول مزيد من التوسع في سوق الصيرفة الإسلامية حيث يقدر معتنقو الدين الإسلامي ما يربو على مليار شخص في جميع أنحاء العالم والمسلمون هم أغلبية الشعوب ولهم وجود مهم في أكثر من 40 دولة, وبالرغم من ذلك لم تصل أي من المؤسسات المالية الإسلامية في حجمها عشر حجم أكبر البنوك التجارية التقليدية في العصر الحاضر. وتتوزع خريطة المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في دول العالم على أربع مناطق أولها منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي حيث تشمل 43 مؤسسة مالية إسلامية تشكل 70% من الحجم المالى لكافة المصارف الإسلامية وتصل قيمة ودائعها إلى نحو 70 مليار دولار وقيمة أصولها إلى 85 مليار دولار, وإجمالى رؤوس أموالها 3.5 مليارات دولار, وأرباحها السنوية تصل لأكثر من مليار دولار. المنطقة الأسيوية تلي منطقة أسيا منطقة الشرق الأوسط والخليج التي تضم 80 مؤسسة مالية إسلامية قيمة أصولها تصل إلى 8.3 مليارات دولار وودائعها 5.1 مليار دولار وأرباحها حوالى 531 مليور دولار, ثم افريقيا التي تقع بها 35 مؤسسة مالية إسلامية, وقيمة أصولها 9.1 مليار دولار وتحقق أربا ح تصل إلى 39مليون دولار, وأخيرا أوروبا وأمريكا التي تضم 8 مؤسسات ماليه إسلامية, بقيمة أصول 952 مليون دولار, وباحتياطي 93 مليون دولار وتصل أرباحها نحو 53 مليون دولار.. وتبرز الصيرفة الإسلامية كعمل مهم ومميز عن النشاطات المصرفية التقليدية حتى أن المؤسسات المالية غير الإسلامية اعترفت بأن هناك طلبا كبيرا على الخدمات المصرفية الإسلامية ويدل على ذلك تأسيس العديد من البنوك وشركات الاستثمار الإسلامية في البحرين, والكويت, والامارات مثل بنك المستثمرين, والبنك الإسلامي الأول, وبنك أبو ظبي الإسلامي ويدل ذلك على الاقبال الشديد للتواجد في هذا السوق.. وبرغم ذلك تواجه البنوك الإسلامية عدداً من التحديات العالمية وهو ما يؤكده د. حسن العال من بنك المؤسسة العربية المصرفية الإسلامي بالبحرين بأن البنوك الإسلامية مازال أمامها الكثير لتنجزه لمواجهة التحديات والمتغيرات التي ستظل تتعايش معها خلال الألفية المقبلة. ويضيف بأنه على الدول الإسلامية أن توحد جهودها من أجل دعم هذه البنوك ويتم ذلك على ثلاثة مستويات أولها ما يتوجب على البنوك الإسلامية أن تنجزه بشأن تطوير منتجاتها وخدماتها ومعايير أدائها وكوادرها البشرية, الثاني ما يجب عليها أن تنجزه في مجال تنسيق وتوحيد جهودها كتكتيك مصرفي إسلامي, والأخير يتعلق بالمقارنة على لعب دور عالمي. ويوضح د. العال أن هناك عدة مهام داخلية أمام البنوك تتمثل في احتياجات السوق المصرفية وهي أن المصارف الإسلامية لا توجد أمامها معضلة في الحصول على التمويل إلا أن القلق الذي يساورها بشأن التمويل له اتجاهان الأول أن المصارف الإسلامية لديها أموال أكثر مما يمكن استثماره إسلاميا نتيجة لمحدودية فرص الاستثمارات الإسلامية, وثانيها أن الودائع التي تحصل عليها المصارف الإسلامية غالبا ما تكون قصيرة الأجل وبالتالى فإن التحديات الرئيسية شأنها شأن الفرص المتاحة للمصارف الإسلامية تتمثل في إدارة ما لديها من سيوله. ويضيف د.العال أن الفائض في الأموال السائلة تعتبر مشكلة أساسية أمام البنوك حيث لا تستطيع استثمار الودائع الفائضة لمدة قصيرة في عمليات سائلة بفوائد أو في شهادات ريعية مربحة, وفي حالة ربطها لهذه الأموال لمدة طويلة فهناك خطر محتمل يتمثل في عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها القصيرة الأمد تجاه عملائها, لذلك تضطر البنوك إلى قصر عملياتها على أنواع محددة مثل التمويل التجاري والتأجير, أما المشاركة في مشاريع التنمية الطويلة الأمد تظل صعبة. تحديات ومنافسات من بين التحديات الأخرى التي تواجه المصارف الإسلامية تغير تشكيلة المنتجات والخدمات المصرفية الإسلامية باستمرار نظرا لأن المصارف تسعى للوفاء باحتياجات عملائها ضمن قواعد الشريعة, ويقتضي التطوير إيجاد حوار بين المؤسسات المالية الإسلامية وعملائها للتأكد من أن هذه المنتجات ليست حلالا فحسب وإنما تفي باحتياجات العملاء.. من بين التحديات أيضا المنافسة التي تواجهها البنوك الإسلامية من البنوك التجارية التقليدية في توفير الخدمات المصرفية الإسلامية ففي العالم العربي توجد بنوك محلية وعالمية مشهورة أعادت تنظيم خدماتها المصرفية الإسلامية وأعلنت عن تأسيس مؤسسات مصرفية إسلامية تابعة لها وهي ذات ربحية عالية وتستحوذ على اهتمام عملاء البنوك.. بينما يتمثل التحدى الأكبر الذي يواجه البنوك لاثبات وجودها في البحث عن أنسب الأساليب لاعداد وتطبيق معايير المحاسبة المالية والمراجعة بالتعاون مع المهتمين من ذوي الاختصاص في الشريعة الإسلامية من جهة وفي المراجعة والمحاسبة من جهة أخرى للتمكن من تقديم معلومات كافية عن القوائم المالية للمستثمرين. ويؤكد الدكتور العال بأن التعاون والتكامل فيما بين الدول والمجتمعات الإسلامية يكتسب أهمية كبرى في مواجهة المتغيرات الاقتصادية الدولية ويشير إلى أهمية استراتيجية منظمة المؤتمر الإسلامي الرامية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإسلامية في الوقت الذي يجب أن تقوم فيه منظمات مثل مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الاقتصادي واتحاد المغرب العربي بتنفيذ البرامج ذات الصلة بخطة العمل وإنشاء المنظمات الجديدة المناسبة على نطاق الأمة الإسلامية بكاملها. مستثمر وسيط وعن الصناعة المالية الإسلامية بشكلها الموسع ــ يؤكد الدكتور حاتم القرنشاوي عميد كلية التجارة جامعة الأزهر أنها صناعة تدور حول المستثمر الوسيط الذي يقوم بدور فاعل في تعبئة المصادر المتاحة لدى الراغبين في استثمار الأموال واتاحتها للمنظمين ومشغلى الأموال موضحا أن الدائرة الخاصة بهذه الصناعة تتسع لتشمل المصارف الإسلامية, وبيوت التمويل, ومؤسسات التكافل, والسوق الأول والثانوي للأوراق المالية المشروعة, والمؤسسات شبه المصرفية الأخرى, ولا تقتصر كما يحاول البعض على البنوك بلا فوائد, ويضيف أن استمرارية الصناعة المالية الإسلامية يعني نموها بمعدلات تتوائم مع معدلات نمو الصناعة المالية التقليدية, مشيرا إلى أن الحديث عن المصاعب التي تواجه هذه الصناعة مرتبط بحداثة نشأتها كمبرر للقدرة المحدودة في كثير من الأحيان على تجاوز المصاعب واقتحام العقبات. ويتحدث الدكتور القرنشاوي عن أهم خصائص الصناعة المالية الإسلامية التي تتضمن عدم اكتمال بنياتها حيث تسيطر المصارف على الجانب الأكبر من كيان هذه الصناعة حاليا وتغيب عنها بدرجة واضحة المؤسسات التي تكفل التفاعل بين مختلف مكوناتها كمؤسسات مرجعية مشيرا إلى غياب اتحاد للمصارف الإسلامية ذو فاعلية أو سوق مال إسلامية أو التزام كامل بمعايير الرقابة والأداء والشفافية, وبالاضافة إلى تميز هذه الصناعة بدرجة عالية من التشتت المصرفي والإداري, التنظيمي كنتيجة لظروف النشأة من ناحية, ولطبيعة القائمين على الصناعة من ناحية أخرى, والظروف الإقليمية السائدة من ناحية ثالثة, ويؤكد أنه برغم وجود مجموعات مالية تسيطر على جانب لا بأس به من مكونات هذه الصناعة مثل فيصل, والبركة, ورغم وجود البنك الإسلامي للتنمية وهيئة المحاسبة إلا أن الأمر مازال بعيدا عن تقديم صورة الصناعة المالية المتكاملة سواء للفرد أو لعالم المال والأعمال في العالم.. بينما يشير عميد كلية التجارة إلى الخاصية الثالثة لهذه الصناعة ضبابية الرؤية في عيون أسواق ا لمال بل وفي أذهان بعض المتعاملين مع الصناعة من داخلها أو خارجها, وقد تولدت هذه الضبابية من سعي بعض المؤسسات العاملة في الصناعة المالية الإسلامية للاقتراب ما أمكن من الصيغ التقليدية السائدة في أسواق المال الأخرى مما أفقدها واحدا من أهم أسلحتها وهو التميز, وفتح الباب لسهولة التشكيك في حقيقة التعامل مع تزايد درجات التشابة في الشكل وصعوبة التفرقة في المضمون لغير المتخصصين, وأضاف بأن فقدان القدرة على المبادأة والتطوير, والابتكار ومفاجأة السوق الجديد يمثل الخاصة الرابعة للصناعة المالية الإسلامية بجانب الجنوح إلى صيغ محددة وحصر النشاط في مجالات ضيقة, والتقوقع العمدي عن المجالات الأرحب والأوسع والأكثر فاعلية, وأصبح عمل كثير من المصارف الإسلامية يدور في فلك المرابحه للأمر بالشراء من خلال صياغات تسهم في اثارة المزيد من التساؤلات حول المشروعية. عزله نسبية ويشير الدكتور القرنشاوي إلى العزلة النسبية التي فرضتها المصارف الإسلامية حول نفسها وأبعدتها عن التفاعل المنتج مع المجتمع الاقتصادي محليا وعالميا من خلال حرصها المبالغ فيه على قضية الضمانات واطمئنانها الشديد لصيغة رئيسية في التعامل يمثل تجاوزها واحدا من التحديات والعقبات الرئيسية في سبيل انطلاق المصارف الإسلامية, وهي صيغة المرابحة للأمر بالشراء ويوضح بأن التغيرات الاقتصادية والاتجاه نحو تفعيل دور القطاع الخاص قد أفرز تزايدا في اعداد الفقراء في مختلف أنحاء العالم ورغم أن صيغة المصارف الإسلامية وصيغ المقاربة والمشاركة المتناقضة قد قدمت حلولا عملية لمواجهة مشكلة الفقر إلا أن جهد المصارف دار حول الصدقات وليس توفير التمويل الصغير في نفس السياق يؤكد الدكتور القرنشاوي غياب المصارف عن مجال تمويل أنشطة صناعة المعلومات والتي تصلح الصيغ الإسلامية أكثر ما تصلح لها حيث مجال الابداع الفكري والابتكار هو الأساس وليس الضمانات العقارية أو الأوراق المالية. ويري أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصناعة المالية الإسلامية هو في تطوير القدرات التنافسية لهذه الصناعة وأولها التميز الواضع وأخذ زمام المبادرة والابتكار والديناميكية والقدرة على الاستجابة بمرونة وكفاءة وسرعة لاحتياجات الأسواق دونما الخروج عن الشرعية, واعادة تقييم نفسها للسوق الإسلامي وللعالم ككل. مآخذ وعمليات بينما يرى الدكتور إسماعيل شلبي رئيس قسم الاقتصاد بكلية الحقوق جامعة الزقازيق أن هناك بعض المآخذ التي تحدث في بعض البنوك الإسلامية مثل قيام بعض العمليات والممارسات التي لا علاقة لها بالعملية التنموية أو العملية الإنتاجية مثل التعامل في العملات الأجنبية بيعا وشراء وهو ما أدى إلى اهدار الملايين من الدولارات, وكذلك التجارة في الذهب والمعادن النفيسة والمضاربة عليها, إلى جانب اهتمام البنوك الإسلامية بتمويل المشروعات الكبيرة, واهمال توجيه التمويل لصغار الحرفيين وصغار رجال الأعمال, ويضيف الدكتور شلبي بأن من بين المآخذ افتقار البنوك إلى وجود قيادات إسلامية حقيقية علما وعملا, وكذلك الكوادر الفنية الإسلامية, ولكنها تستعين ببعض العاملين الذين لم يتح لها أن تتربي في المدرسة الإسلامية, ومن ثم فقد غاب عن البعض من هذه القيادات الفهم الصحيح والإدراك للمعاملات الإسلامية الحقيقية ولأهمية انتقاء العناصر البشرية الطيبة, ويرى أن العلاج يكمن في العمل على تهيئة المناخ السياسي والاقتصادي لدى دول العالم الإسلامي لدعم ورعاية البنوك الإسلامية وأن تعمل البنوك على تصحيح الممارسات التي تثور حولها الشكوك, وأن تهتم بإيجاد صيغ متوازنة لتوجيه الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تخدم التنمية الاقتصادية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات