تواجه دول الاسيان (رابطة دول جنوب شرق آسيا) سنوات حرجة منذ الازمة الآسيوية من ثلاث سنوات مع تقاعس الاصلاحات الاقتصادية وعدم وضوح المصير السياسي وتزايد الشعور بأن قطار التكنولوجيا الفائقة قد فاتها. ولم تستطع المنطقة استعادة جاذبيتها السابقة بين المستثمرين الاجانب مرة اخرى خلال تلك الفترة, ودخول الصين القريب في منظمة التجارة العالمية يسبب نوعا من القلق لدول الآسيان. يقول سويا شاي بانتشباكري نائب رئيس وزراء تايلاند ان الآسيان لابد ان تعترف ان دخول الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية سوف يعني مزيدا من المنافسة المكثفة في الصناعات ذات العمالة الكثيفة والالكترونيات. وقد طالب وزراء الآسيان بإعداد تقرير عن اثر عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية على بلادهم في اجتماعهم السابق فيما يعكس القلق الذي يشعرون به. غير ان المسئولين يعترفون بأن الاثر بات واضحا على الاقل من ناحية حجم الاستثمارات الاجنبية. واوضح تقرير حديث ان دول الاسيان تلقت 17% فقط من حجم الاستثمارات الاجنبية المتدفقة على الدول النامية الاسيوية خلال العام الجاري, مقابل 61% في بداية التسعينات. وحصلت الصين على نسبة 61% من اجمالي الاستثمارات الاجنبية المباشرة المتوجهة الى دول اسيا خلال العام الجاري مقابل 18% من عقد مضى. وقال احد مسئولي التجارة في الآسيان ان هناك علاقة عكسية تقريبا في حجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة بين الصين ودول الاسيان, فقد خسرت الاسيان الكثير وفازت به الصين. غير انه خلال هذه المرحلة الحرجة, مع وجود حتمية زيادة التعاون اكثر من اي وقت مضى, هناك مخاوف في ان تتعثر دول الآسيان في خطواتها نحو تكوين سوق متكاملة وهي لا تزال تعاني من اثار الازمة الاسيوية المالية لعام 1997, حيث بدأت اثار التحرير التجاري تؤلم وتؤثر. وقد توصلت دول الاسيان في اجتماعها السابق الى اتفاق يسمح لها بتأجيل تنفيذ التزاماتها بخفض الرسوم الجمركية اذا واجهت صعوبات خطيرة. وجاء ذلك عقب اعلان ماليزيا في وقت سابق من العام الجاري بأنها لن تنفذ التزامها بخفض التعريفات الجمركية على السيارات المستوردة مع دول جنوب شرق اسيا خشية عدم قدره سيارة بروتون التي تنتجها على المنافسة امام سيل الواردات. وتقول دول الآسيان ان التوصل الى هذا الاتفاق الذي يتيح الفرصة لدول منطقة التجارة الحرة الاسيوية لطلب التعويض من اي دولة تخفق في تنفيذ التزاماتها هو اشارة على تزايد تصبح المجموعة واسلوبها العملي, ولا يضعف التزامها تجاه منطقة التجارة الحرة الآسيوية. وقال المسئول التايلاندي لابد ان نكون واقعيين لان كل هذه الالتزامات قد قطعت في فترة كانت تختلف ظروفها عن الظروف الحالية. وقال ان 85% من السلع المصنعة لا تزيد الجمارك المفروضة عليها على 5%. لكن المستثمرين المحتملين يخشون الآن ان تكون ماليزيا اسست سابقة في هذا المجال وان تطلب دول اخرى اعضاء في الآسيان تأجيل خفض ا لرسوم الجمركية على سلع ذات حساسية سياسية خاصة. وقال كين ريتشسون المدير التنفيذي للمجلس التجاري للآسيان من الواضح ان هذا نوع من التراجع. ومن المؤكد ان تستغل الفلبين هذا الاتفاق لتأجيل تنفيذ خفض الرسوم الجمركية قطاع البتروكيماويات حيث هي حريصة على حماية مشروعات مجموعة شركات متعددة الجنسية لانشاء كسارة نفثا بالقرب من مانيلا. ويقول مانويل روكساز وزير التجارة والصناعة انه يحاول اقناع دول اخرى اعضاء في الآسيان بالسماح للفلبين بتأجيل تنفيذ خفض الجمارك وعلى البتروكيماويات حتى ما بعد 2003. وقال احد مساعدي الوزير انه يرى في هذا الاتفاق فرصة جيدة. ومن المتوقع ان يوفر مصنع البتروكيماويات الجديد مواد خام لصناعة البلاستيك, التي تعتمد حاليا على خامات مستوردة. وقال مساعد الوزير ان الحكومة ملتزمة بدعم هذه المجموعة من الشركات. وينص الاتفاق الذي توصلت اليه الآسيان على ان الدولة التي تريد تأجيل تنفيذ خفض التعريفة الجمركية لابد ان تتفاوض على تعويضات للدولة الاكثر تضررا بهذا التأجيل. غير ان التعديلات سوف تمتد الى بقية الدول الاعضاء في منطقة التجارة الحرة الآسيوية مهما كانت المفاوضات. واذا لم يتم التوصل الى اتفاق حول التعويض خلال فترة اقصاها 180 يوما يكون من حق الدولة المتضررة ان تتخذ اجراء مشابها او بالمثل. بما في ذلك تأجيل تنفيذ خفض الرسوم الجمركية على منتجات ذات اهمية بالنسبة للدولة الاخرى. وقد يؤدي ذلك حتى الى رفع الرسوم الجمركية بحد اقصى يكون مقبولا لدى منظمة التجارة العالمية. وسوف تبذل تايلاند جهودا مضنية في التفاوض مع ماليزيا حول صيغة مقبولة للطرفين لتعويض الأولى لانها ستكون الاكثر تضررا بقرار ماليزيا تأجيل خفض الجمارك لحماية سياراتها, وسوف يشكل هذا الاتفاق بين البلدين سابقة تسير عليها بقية الدول التي قد تواجه نفس الموقف. ويقول كثير من المسئولين في الاسيان ومراقبون من خارجها ان الدول في المنطقة يجب ان تواجه على الفور مشكلة الحواجز غير الجمركية التي تعوق التجارة بما في ذلك عدم وجود معايير موحدة وبطء اجراءات الافراج الجمركي وقوانين الاستثمار المتضاربة. ولابد من اعطاء الأولوية لجهود تنشيط انتشار وتطوير تكنولوجيا المعلومات في منطقة دول الآسيان. وقال جورج يو وزير التجارة والصناعة في سنغافورة ان العالم يتحرك بسرعة كبيرة ولا نستطيع ان نقف مكتوفي الايدي ازاء هذه السرعة المذهلة, ولابد ان نسايرها. غير ان سنغافورة اكبر المؤيدين والمطالبين بتحرير التجارة في منطقة الآسيان, تنظر الى ما بعد منطقة التجارة الحرة الآسيوية وتبرم اتفاقيات تجارية ثنائىة من أجل تخفيف القيود والحواجز الجمركية والتنظيمية. وهي تعمل على الدخول في اتفاقيات تجارة حرة مع نيوزيلاند واليابان وبدأت مفاوضات حول ذلك مع المكسيك وشيلي. وقال باري دسكر رئيس مجلس تنشيط وتنمية التجارة في سنغافورة في وقت سابق العام الجاري ان الاتجاه نحو اتفاقيات تجارة حرة ثنائىة ليس بديلا عن تحرير التجارة جماعيا وان ما تفعله سنغافورة هو الدفع نحو تحرير التجارة في كل الاتجاهات.