تحليل اخباري

احتمالات تأثر الاستثمارات العربية في وول ستريت بنتيجة الانتخابات الأمريكية للعرب حصة لا بأس بها ــ ان حسبناها كنسبة من الناتج القومي الاجمالي لدول المنطقة ــ في وول ستريت. فالمصارف العربية, من مصر الى الخليج الى شمال أفريقيا ــ توظف قدراً من ودائعها في سوق الأوراق المالية الأمريكية. والهيئات المالية العربية تفعل الامر نفسه, والمستثمرون الفرادى ايضاً. ويعني هذا ان ما يؤثر على وول ستريت ينعكس علينا ايضاً بصورة أو اخرى. كيف يمكن اذن ان تؤثر انتخابات الرئاسة الحالية على هذه السوق؟ ان المرشحين يمكن ان يؤدي الى انتعاشها؟ ثم ايهما يمكن ان يؤدي الى تراجعها؟ باختصار: لمن ستصوت وول ستريت؟ الارجع ان هذه السوق تفضل مرشحاً ثالثاً غير جور أو بوش. ولكن المشكلة ان هذا المرشح لايخوض انتخابات هذا العام. انه ــ بيل كلينتون ــ ذلك ان كلينتون وضع (حزمة) من السياسات المترابطة التي ادت ــ في تأثيرها الكلي ــ الى انتعاش لم يسبق له مثيل في سوق الاوراق المالية, وفي الاقتصاد الامريكي بصفة عامة. فها نحن نرى الشهر رقم 116 الذي تتحقق فيه ارقام نمو ايجابية. انه امر لم يتحقق من قبل في تاريخ الولايات المتحدة. فالمألوف ان نرى فترة من النمو قد تمتد ما بين 5 الى 7 سنوات يتبعها فترة من الركود.. ولكن الجميع انتظروا ان يطرق هذا الركود أبواب الاقتصاد الأمريكي في موعده المعتاد. إلا انهم لايزالون ينتظرون, منذ العام 1991. تتحول المسألة اذن الى من سيحافظ على سياسات بيل كلينتون؟ هل هو آل جور؟ ام هو جورج بوش؟ وقد اجاب المرشحان على السؤال في (نفس واحد) بأن احداً منهما لن يحافظ على سياسات كلينتون.. وهذا هو على وجه الحق ما يجعل وول ستريت عصبياً بعض الشىء هذه الأيام. وواقع الحال ان اياً من المرشحين لم يقل صراحة انه سيطبق سياسات مختلفة عما طُبق خلال هذه الشهور الـ 116 الاخيرة. ولكن برامجهما الاقتصادية تعني ذلك على نمو غير مباشر. مثلاً, جورج بوش يعد بتخفيضات ضريبية كبيرة, ويعني ذلك فتح الطريق امام نمو متزايد للسيولة المتداولة, اي توليد ضغوط تضخمية هي أكثر ما يخشاه المتعاملون في سوق الأوراق المالية. ثم ان جورج بوش لا يركز كثيرا على ضرورة استخدام فائض الميزانية لتسديد ديون الحكومة الاتحادية. والمؤكد ان تسديد هذه الديون ـ على نحو ما يعد به ال جور ـ سيعد عاملا جوهريا في تشجيع المزيد من الاستثمارات الاجنبية على التدفق الى سوق الاوراق المالية الأمريكية بدلا من هذا يرغب بوش في خفض الضرائب, اي خفض فائض الميزانية, اي الحد من قدرة الحكومة على تسديد ديونها. ولكن بوش يقول ان خفض الضرائب سيزيد من معدلات النمو الاقتصادي, وان من شأن ذلك زياد الضرائب في نهاية المطاف وليس خفضها. ولتوضيح ما يعنيه المرشح الجمهوري بذلك يمكن ان نعطي مثالاً كالتالي: اذا كان عائد شركة معينة هو 100 دولار تدفع منها 40 دولاراً للضرائب العامة, فإن ذلك يترك لها 60 دولاراً للارباح والتوسع. فإذا خفضنا الضرائب من 40 دولار الى 20 دولارا فقط ـ مثلا ـ فإن الشركة ستحصل على 80 دولارا, ومن ثم توسع من عملياتها اكثر, فيصبح عائدها عند نقطة ما في المستقبل 300 دولار. ما ستدفعه من ضرائب آنذاك ـ بعد تخفيضات بوش ـ سيصل الى 60 دولاراً, فيما كان ما تدفعه من ضرائب ايام كلينتون ـ اي الآن ـ هو 40 دولارا فقط. انه مثال بالغ التبسيط ولكنه يوضح فحسب الآلية التي تفسر موقف المرشح الجمهوري. ولكن هذا المنطق بالذات هو ما يقلق وول ستريت. ذلك ان نمو هذه الشركة وتوسعها يعني المزيد من الوظائف, والمزيد من الرواتب, والمزيد من الانفاق.. ثم بعد ذلك المزيد من التضخم. والنتيجة الآلية لهذا التضخم هي رفع نسبة الفائدة. ورفع نسبة الفائدة يعني انصراف الاستثمارات عن وول ستريت الى اوعية مصرفية او الى سندات الخزينة او ما شابه من ادوات حيث انها باتت تمنح فائدة مرتفعة. آل جور ـ في المقابل ـ يبدو مصرا على زيادة دور الحكومة الاتحادية في كل شيء, بما في ذلك السياسات المالية المتبعة. فضلا عن ذلك فإنه قد حصل على دعم اتحادات العمال. ويعني ذلك انه لابد ان يرد الجميل بتحقيق ولو قدر ما تريده هذه الاتحادات. واهم ما تريده هذه الاتحادات هو سياسة حمائية على الصعيد التجاري. اي وقف هجرة المصانع والشركات الأمريكية عن طريق عرقلة صادراتها ـ من الخارج ـ الى (السوق الام), اي الى السوق الامريكية. فاتحادات العمال قلقة على وظائف اعضائها, ويعني ذلك انها لابد قد حصلت من جور على وعد ما بالنظر في موضوع حرية التجارة على نحو ما. فضلا عن هذا فإن تدخل الحكومة الفيدرالية قد يصل ايضاً الى اسوار الاحتياطي الفيدرالي.. اي الى اسوار المصرف المركزي. لقد حافظ بيل كلينتون على استقلالية آلان جرينسبان وذلك بعد ان استوعب درسا مهما من دروس ادارة جورج بوش الاب. فحينما تطلب الحكومة من الاحتياطي الفيدرالي رفع نسبة الفائدة ـ مثلا ـ فان الاحتياطي يرفض الاستجابة.. إلا ان السوق تستجيب. اذ تبقى اسعار الفائدة لفترات الايداع او الاقتراض القصيرة منخفضة بسبب رفض الاحتياطي الفيدرالي, ولكن اسعار الفائدة على المدى الطويل ترتفع. وول ستريت تخشى اذن من نزعة جور للتدخل, وهي نزعة واضحة في برنامجه الانتخابي. ورغم انه تعهد باستمرار الخط المتبع الآن الا ان بنود برنامجه ترشح بهذه النزعة التدخلية المقلقة.. وهكذا سعى (كبار) وول ستريت الى معرفة انعكاسات هذه البنود على مجموعة من المؤشرات الجوهرية. مثلا.. اذا ظلت الديون على حجمها الفلكي الراهن فمن الضروري الحفاظ على قوة الدولار وذلك بسبب بسيط: المستثمرون ينظرون الى الديون فيتجمهون, وينظرون الى الدولار فيبتسمون, والمفترض ان تكون الابتسامة قادرة على احتواء التجهم حتى يظل تدفق استثمارات الاجانب على ما عليه.. ذلك انه عنصر رئيسي من عناصر الانتعاش الاقتصادي الحالي في الولايات المتحدة. في هذا الأمر يقول بوش انه سيحافظ على قوة الدولار. ولكن وول ستريت تدري ان الحفاظ على قوة الدولار لا يتحقق بقرار يصدر من المكتب البيضاوي, انه نتاج مجموعة مترابطة من السياسات. وفيما يصدق الجميع اخلاص بوش واقتناعه بما يقول, الا ان القلق لايزال قائما, إذ قد ينخفض الدولار ليس بسبب ان بوش ــ كرئيس ــ يريد ذلك, إذ لا علاقة للموضوع بارادة الرئيس كما أوضحنا, ولكن لأن سياساته قد تؤدي الى ذلك مهما تمنى العكس. فضلا عن هذا, فإن جورج بوش ــ والعسكر الجمهوري على وجه العمومي ــ لايبدو متحمسا لتدخل الحكومة الامريكية ماليا بهدف انقاذ اقتصادات دول اخرى من الانهيار نظرا لما يكلفه ذلك من اموال باهظة. لقد عارض الجمهوريون تدخل بوش لانقاذ اقتصاد المكسيك, ومن المحتمل ان يعارض بوش ــ كرئيس ــ مثل هذه الخطوة في حالات مقبلة. ولكن محللي وول ستريت يقولون ان الانتعاش الأمريكي يرجع لسبب رئيسي هو العولمة, فنصف ما يحصل عليه أي امريكي عادي من الدخل الآن يأتي من الخارج )الواقع انه أقل من النصف قليلا(, ويعني ذلك ان ضرورة مواصلة سياسة تنظر الى الاقتصاد الامريكي كجزء من الاقتصاد العالمي, وتنظر الى الاقتصاد العالمي كرئة يتنفس منها الامريكيون, كان بيل كلينتون مدركا لذلك, وحين قرر هذا الرئيس التدخل لانقاذ المكسيك فإنه كان يعكس فهمه مدى تقارب مكونات الاقتصاد العالمي, وول ستريت لا يثق ان بوش أو حتى جور يدركان حساسية هذه المسألة كما ادركها بيل كلينتون. هناك إذن قلق في وول ستريت تجاه (الرئيس) جورج بوش, وهناك ايضا قلق ــ وإن بنسبة أقل ــ من (الرئيس) آل جور. الا ان الصورة العامة ترجح ان وول ستريت ستصوت لآل جور, على أساس المبدأ القائل بأن (من تعرفه خير ممن لا تعرفه). فهل يؤدي ذلك الى الاضرار بجورج بوش؟ كثيرون لا يدركون ان وزن وول ستريت في معادل الاقتصاد الامريكي ليست بالثقل الذي يتصوره من هم خارج الولايات المتحدة, فالسوق المالي مكون يقل وزنا عن الشركات المساهمة الكبرى التي تمثل موقع العمود الفقري للاقتصاد الامريكي. وهذه الشركات (ولعة) بجورج بوش, انه يقدم لها كل ما تريد, فإن كان وول ستريت يميل قليلا الى آل جور, فإن الشركات تميل كثيرا الى جورج بوش.. لقد تكلفت هذه الحملة الرئاسية ــ على الأقل حسب الاوراق الرسمية وبدون حساب (الهدايا) غير المدرجة في الحساب ــ نحو 5.522 مليون دولار توزعت على النحو التالي: جورج بوش ــ 255 مليون دولار. آل جور ــ 210 ملايين دولار. بات بوكانن ــ 46 مليون دولار. رالف نادر ــ 5.5 ملايين دولار. ولكن المهم في هذه الأرقام ليس هو مجموعها النهائي, بل تحليلها من الداخل, إذ سنجد مثلا ان بوش جمع من مؤيديه 187 مليون دولار, فيما جمع آل جور 132 مليون دولار فقط. وأغلب ما وصل اليه بوش جاء من الشركات الامريكية العملاقة, فيما كان أغلب المتبرعين لآل جور من هوليوود والشركات المالية. وفيما يبدو وول ستريت ــ كما أسلفنا ــ أكثر ميلا تجاه جور, فإن ذلك لا يعني بالضرورة ان جورج بوش قد يؤثر سلبا على سوق الاوراق المالية. لقد تصورت هذا السوق ــ عام 1992 ــ ان رحيل جورج بوش الأب ومجيء بيل كلينتون يعد خبرا سيئا, ولكنها الآن تعلق صورة كلينتون في كل أركانها.. لا يستطيع بوش ان يهز وول ستريت, إذ ان ذلك يعني ايضا هز الرئاسة الامريكية نفسها, أي يعني الاضرار بفرصة أي رئيس لترشيح نفسه مرة اخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات