سقط أول ضحايا الانتخابات الامريكية حتى قبل ان يبدأ التصويت العام, وقبل ان يعرف أحد من سيفوز بهذه الانتخابات فقد قام جويل كلاين رئيس مكتب مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الامريكية, وعدو مايكروسوفت رقم (1) استقالته من منصبه في خطوة لها أكثر من مغزى. لم يشعر أحد بهذا الرجل خلال سنوات قيادته لغرفة (الكوماندوز) التي تصدت لعمالقة عالم الأعمال في الولايات المتحدة, وألقت الرعب في قلوب أعتى الشركات وأكثرها ضخامة. فقد ظل كلاين صامتا دائما رغم ان ما كان يفعله ــ خلف ستار الصمت السميك هذا ــ كان يسبب ضجيجا يصم الآذان في العالم كله.. فمن لم يسمع عن قضية مايكروسوفت وحكم المحكمة بتفتيتها, ومن لم يسمع عن قرار وزارة العدل رفض اندماج شركتي لوكهيد مارتن ونورثروب جرومان, ورفض اندماج رينولدز وآلكوا, ورفض اندماج وورلد وسبرنت, ورفض اندماج ماكيسون وكاردينال هيلث, ورفض اندماج كروجر ووين ديكسي, ورفض اندماج بيل هليكوبتر وبوينج.. وعشرات من الأمثلة الأخرى. كان جويل كلاين يقف خلف كل هذه القرارات, صامتا, يبتسم بهدوء, ويدير معركته على أسس قانونية بالغة التعقيد, ولكنها بالغة الصرامة في الوقت نفسه, وحين دقت ساعة مايكروسوفت, تدخل (الجزار) جويل كلاين فنسج اطراف الحبل ووضعه بهدوء حول رقبة بيل جيتس. وحين ربح جويل في الجولة الأولى من المعركة القضائية, أسفر عن هزة كلفت شركات التقنية المتطورة في الولايات المتحدة 200 مليار دولار. كان كلاين يطبق القوانين بنصها الحرفي, فالارقام تقول ان هناك نحو 5 آلاف طلب بالاندماج كل عام في الولايات المتحدة, أي ما يزيد على ضعف عدد طلبات الاندماج قبل عقد واحد. والمشكلة ان الحدود التي تحتم الحصول على تصريح بالاندماج ــ أي حدود ان تزيد قيمته على 15 مليون دولار ــ قد وضعت عام ,1976 حين كان هذا المبلغ كبيرا, أما الآن فإن أي اندماج تبلغ قيمته 15 مليون دولار لا يعني شيئا ولا يمثل تهديدا احتكاريا, بل ان نحو اربعة آلاف طلب من التي تقدم سنويا كل عام (أي من الخمسة آلاف طلب) تبلغ قيمتها 100 مليون دولار او ما يزيد.. رغم هذا فإن الكونجرس لم يغير التشريع, وهكذا كان لدى جويل كلاين اساس قانوني يستند عليه. ثم ان (بعبع) الشركات هذا, أي جويل كلاين, فرض ــ خلال 1999 وحده ــ غرامات بلغت قيمتها 1.1 مليار دولار على شركات متباينة لانها (نسقت) الاسعار فيما بينها, اي حاولت ان تبطل مفعول قانون المنافسة. وتبدي ذلك بصفة خاصة في حالة شركات الطيران. ويكفي ان نقارن رقم الـ1.1 مليار دولار هذا بمجموع الغرامات المماثلة التي فرضتها وزارة العدل على الشركات في العام 1996 والتي لم تتجاوز 27 مليون دولار! كان جويل كلاين مختبئا في كهفه بوزارة العدل, مع طاقم من 800 موظف ــ اغلبهم من المحامين الشباب ـ لا يزج الا لينغص على هذه الشركة او تلك, فيحيلها الى القضاء بالدلائل والبراهين, وكان الرجل يربح دائما ـ بل ان ذراعه الطويلة لم تقتصر على الشركات الامريكية. فهناك 6 مدراء لشركات اوروبية يقضون فترات حبس متفاوتة الان في الولايات المتحدة بعد وقوعهم في فخ كلاين الذي اشتبه في البداية انهم نسقوا اسعار الفيتامينات التي يبيعونها في السوق الامريكية, ثم (جر رجل) بعض موظفيهم, واوضح لهم ان صمتهم سيعد بمثابة المشاركة في الجريمة, فقدم هؤلاء الموظفون ادلة قانونية على صحة ظنون كلاين. وبعد حصوله على الادلة استدار كلاين الى المديرين, فاستصدر امرا بالقبض عليهم ومحاكمتهم.. ثم ان هناك مديرين آخرين يواجهون امرا بالقبض عليهم ومحاكمتهم, الا انهم يعيشون الان في بلدان لم توقع اتفاقيات تبادل مع الولايات المتحدة في جرائم مكافحة الكارتلات وتثبيت الاسعار. وبعد هذا كله فإن الاحصائيات تقول ان مكتب كلاين كان يعد قضية كبيرة كل شهر وذلك بالاستناد على تشجيع مصادر داخل الشركات بكشف ممارسات التنسيق مع شركات اخرى حول تثبيت الاسعار. كانت الشركات الكبرى تكن حقدا عميقا لجويل كلاين.. فهو مفرق الجماعات وهادم اللذات. ايام رونالد ريجان صدر قرار من البيت الابيض بخفض عدد موظفي مكتب مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الى النصف, وايام جورج بوش الاب كان الخط القادم (من فوق) هو ان قضايا مكافحة الاحتكار يجب ان تحل وديا مع الشركات.. اما بيل كلينتون فقد جاء بجويل, واوصاه خيرا بالشركات, وطلب منه ـ فحسب ـ التقيد بنصوص القانون حرفيا, والحرص على ألا يفلت احد, خصوصا من الكبار. اما الآن, فإن بيل كلينتون يتهيأ للذهاب, ويعني ذلك ان من يطمحون لخلافته عليهم طرق ابواب الشركات الكبيرة للحصول على دعمها.. وكانت هذه الشركات مستعدة للدعم بسخاء.. شرط الحصول على رأس جويل كلاين.. وقد حصلت بالفعل على ما طلبته.. فقد قدم جويل كلاين استقالته. ويحسب المرء ان بيل جيتس قد انتقم لما حدث له, وان مديري كل الشركات الكبرى قرروا الاحتفال بهذا النبأ السعيد, فقد فازوا بالانتخابات الرئاسية قبل اجرائها, وقبل اعلان نتائجها, وهو امر يستحق الاحتفال. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز