وصف احد الحكماء قبل مئات السنين القلم بأنه اكثر حدة وقوة من السيف.. وعلى الرغم من ان مقولته قوبلت آنذاك بردود فعل تتراوح بين الاستغراب وعدم الاكتراث الا انه كان يتمتع في الواقع بقدر كبير من الحكمة ، وبعد النظر, لادراكه وفي وقت مبكر ان تطور الانسان لا يتوقف على حدة السيف وإنما على قوة الافكار. وقدرتها على الانتقال من إنسان لآخر عبر الدول والقارات والمحيطات والصحاري والجبال. فقد ادرك ان انتقال الافكار كتابة وقولاً وسماعا يحفز متلقيها على التفكير ويؤدي بالتالي لتحولها إلى افعال. كما ادرك ان انتقال الافكار والافعال بشكل صحيح يحولها إلى معرفة. والمعرفة كما نعلم جميعاً هي مصدرة القوة. ومع دخولنا عصر الانترنت والاعلام العابر للحدود تزايدت اهمية المعرفة في الوقت الذي تنوعت فيه وسائل نقل هذه المعرفة لتشمل التلفزيون والراديو والمطبوعات والكمبيوتر وحتى الهاتف النقال. ولكن فلنفكر قليلا فمادامت المعرفة هي القوة فإن وسائل الاعلام التي تنقل هذه المعرفة الينا هي بلا شك مصدر هذه القوة, والعامل الاكثر اهمية في تحديد نطاقها وفعاليتها. وعندما ننظر من حولنا اليوم ونرى الاعلام الحيوي المتغير باستمرار, ندرك اكثر فأكثر قوة الاعلام. فالتطورات التقنية المتسارعة اخذت تبث حياة جديدة في وسائل الاعلام التقليدية كالتلفزيون والراديو والمطبوعات. في الوقت الذي فتحت فيه الوسائل غير التقليدية مثل الكمبيوتر والهاتف النقال, آفاقا هائلة لانتقال المعرفة واتاحت للانسان التواصل مع اخيه الانسان عبر قنوات جديدة ليتحول العالم بذلك إلى ما يشبه قرية صغيرة. ومع ترسخ معالم نظام عالمي جديد للاعلام ارى خمسة توجهات رئيسية ترسم خطوط المستقبل بوضوح اولها بروز مؤسسات اعلامية عملاقة ومنها على سبيل المثال امريكا اون لاين تايم وارنر التي توسعت امبراطوريتها الاعلامية لتشمل كافة المجالات. وهناك ايضا شركة (فياكوم) الذي ابلغني رئيسها التنفيذي ريدستون لدى زيارته دبي مؤخرا بناء على دعوة خاصة مني, بأن هدفه الحالي يتمثل في الوصول إلى حوالي 700 مليون شخص في منطقة جنوب شرق آسيا والصين وحدها. وعلى المستوى الاقليمي لطالما كانت وستكون هناك مؤسسات اقليمية قوية مثل (ستار), (زي نتوركس), (ام بي سي) (اوربت), Show Time_ وهي مؤسسات رائدة تحظى بقدرات تنافسية عالية, وهو ما يؤكده تمتعها بنسبة عالية من المشاهدين مما يذكرني بالتوجه الثاني وهو المنافسة المتزايدة حيث تخوض المؤسسات الاعلامية العالمية والاقليمية منافسة لم يسبق لها مثيل للاستئثار بالمشاهدين. ويتعلق التوجه الثالث بالدور الذي لعبته المنافسة في تعزيز التنوع الفريد للخيارات المتاحة في البرامج والمعلومات للوصول إلى شعوب العالم ببرامج اعلامية متنوعة وهو امر من شأنه ان يخلق المزيد من التحديات الجديدة في استقطاب الجماهير. اما التوجه الرابع فهو يتمثل في اندماج القنوات الاعلامية المختلفة ضمن جيل جديد من الاجهزة حيث ستتيح التقنيات المتسارعة في قطاعي الكمبيوتر والاتصالات اندماج الكمبيوتر والهاتف ضمن جهاز واحد, ليكتشف العالم بذلك اساليب جديدة للعيش والتعلم والترفيه. وحتى التسوق. واصل هنا إلى التوجه الاخير والذي لا يقل اهمية عن سابقيه, والمتمثل في انتهاء العصر الذي يجد فيه الناس انفسهم مضطرين للقبول بما يقدم لهم فمع اتساع نطاق الخيارات المتاحة لتلقي المعرفة إلى اعلى مستوى له على الاطلاق, اصبح نجاح واستمرار المؤسسات الاعلامية رهن بقدرتها على تلبية اذواق ومتطلبات الناس كافة. وبينما نتطلع حولنا يمكننا ملاحظة وجود تماثل كبير بين ما يجري في ساحة الاعلام الدولية وبعض الخصائص والتطورات التي تنفرد بها المنطقة واعنى هنا بالمنطقة الشرق الاوسط وافريقيا وشبه القارة الهندية. فحتى سنوات قليلة مضت لم يكن لدينا الا بعض المحطات التلفزيونية الارضية واليوم تمتلىء السماء من فوقنا بالاقمار الصناعية وبات بإمكاننا استقبال اكثر من 200 قناة في منازلنا. واصبح اصحاب الوسائل الاعلامية يتمتعون اليوم بآفاق ضخمة للنجاح ويسعون لاستغلال المزيد ضمن سوق تتمتع باحد اعلى معدلات النمو عالميا في الوقت الذي يستعدون فيه لمواجهة التحديات التي ستجلبها هذه التطورات. وتمثل الحاجة إلى التوسع والتنويع ابرز عنصرين في هذه التحديات ونعنى هنا التوسع في اسواق ومفاهيم ووسائل اعلامية جديدة والتنويع بهدف خلق المزيد من الخيارات وبالتالي تعزيز القدرات التنافسية. فكما هو الحال في بقية انحاء العالم اصبحت شعوب المنطقة تحظى بعالم من الخيارات فيما تشاهد وتقرأ واصبحت الخيارات الاعلامية تتطور وتتبدل في ظل استمرار وجود العديد من القوانين التجارية والممارسات التي مازالت تعرقل نمو هذه الاعمال في المراكز الاقليمية القائمة ولهذا فقد تطلع اصحاب وسائل الاعلام طويلا لإيجاد موقع مناسب للاعمال يوفر لهم بيئة مثالية للعمل والنمو والتوسع, بيئة تتسم بالحرية وتخلو من القيود التي يواجهونها في مواقع اخرى. ونحن نؤكد بأن الامارات تعد مركزا مثاليا لهذه التوجهات فقد ادركت الامارات قوة الفكر والمعرفة والاعلام انطلاقا من ايمانها بان تحقيق الازدهار يتطلب تحرير الاعلام من القيود والقوانين والممارسات لينطلق بمزيد من الحرية والاستقلالية والابداع. وقد ساهم هذا الادراك وممارسته العملية على ارض الواقع في تعزيز ودعم توجهنا لاستحداث مدينة دبي للاعلام. فإلى جانب ما توفره مدينة دبي للاعلام للشركات العالمية والاقليمية فهي تتيح لها حرية الابداع في خلق المضمون وبنية تحتية فائقة التطور تشمل كل المجالات. كما يمثل كون دبي مركزا اقليميا رئيسيا يجتذب الكفاءات من مختلف انحاء العالم عامل جذب اضافي في هذا المجال, بحيث يتاح للشركات الحصول على حاجتها من الكفاءات والعمالة الماهرة بسهولة في الوقت الذي تعزز فيه المؤسسات التعليمية والتدريبية العاملة بالدولة من زخم الكفاءات المتاحة, ونحن نتطلع لأن نرى اعلاميين متخصصين من الامارات يلتحقون بفريق مدينة دبي للاعلام الغني بالكفاءات في السنتين المقبلتين. ونؤكد لكم هنا بأن مدينة دبي للاعلام ستقوم بتسهيل كل الاجراءات وضمان عدم وجود أي عوائق. ونود هنا الانتقال الى قضية محورية هامة تتمثل في الحرية حيث تشكل حرية التعبير جزءا لا يتجزأ من الاعلام وهي ترتبط مباشرة بما يسمى بالرقابة الاعلامية ومضمون البرامج ونحن ندرك أهمية هذا الموضوع. إننا نضمن حرية التعبير للجميع, ونمنحهم حق التعبير عن آرائهم بشكل موضوعي فلنتصرف بمسئولية ووعي وبشكل يتماشى مع الاطار الاجتماعي والثقافي الذي نعيش فيه ويهمني ان تدركوا اننا نعتمد على احساسكم بالمسئولية في استخدام هذه الحرية. إن حرية التعبير كما نراها هي أمانة ومسئولية, وهي لا تعني بأي حال من الاحوال انفلاتا اخلاقيا وسلبية وانتهاكا لحياة الافراد. إننا نريد لهذه المدينة ان تنقل الكلمة الحرة وان تكون عاملا مساعدا لاعادة الاعلام العربي المهاجر ليعبر عن الكلمة العربية بحرية على الأرض العربية, وان تساهم في صناعة رسالة اعلامية متفتحة وواعية وان تتحول الى ملتقى العقول الاعلامية. لقد وضعنا اسس نمو وازدهار مدينة دبي للاعلام من خلال بنية أساسية متطورة وبيئة مناسبة لنمو الاعمال والتشريعات تتسم بالشفافية والمرونة, وقد استثمرنا مئات الملايين من الدولارات حتى الآن, وسنستمر في ضخ المزيد من الاستثمارات الاستراتيجية عند الحاجة. وإننا اذ نعبر عن ثقتنا بتميز فريق ادارة مدينة دبي للاعلام فإن نجاحها يعتمد على مشاركة ودعم المؤسسات الاعلامية في مختلف القطاعات. لقد كان ذلك الحكيم الذي تحدثت عنه في بداية كلمتي على حق, فالمعرفة أقوى من السيف, وتذكروا دائما انه عندما تساهم الافكار في تطور عقل الانسان فمن المستحيل ان يعود العقل الى انغلاقه السابق, وإنما سيزداد انفتاحا وتطورا, فقوة الاعلام مرتبطة بقدرته على احداث التغيير. ومن اجل المشاركة بفعالية احداث هذا التغيير, نعلن هنا عن اطلاق مدينة دبي للاعلام ويسرنا ان تشاركونا في هذه المناسبة ذات الآفاق والابعاد المستقبلية المهمة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نص كلمة سمو ولي عهد دبي ، الإمارات باتت المركز المثالي للإعلام الحر بعد أن ادركت قوة الفكر والمعرفة ، الحرية جزء لا يتجزأ من الإعلام ونحن نضمن حرية التعبير للجميع
