قد يجري البترول مرة اخرى في خط الانابيب بين العراق وسوريا. وقد يحقق هذا الخط عائدات تصل إلى مليار دولار للحكومة السورية سنوياً. وسوف يساعد ذلك في تعزيز تحسين الاقتصاد السوري ويدعم القاعدة السياسية للرئيس السوري بشار الاسد. غير ان هذا من جانب آخر قد يؤجل بعض الاصلاحات الاقتصادية التي تعتزم الحكومة اجراءها. وقد اتفقت سوريا والعراق على اعادة تشغيل خط انابيب البترول بين البلدين خلال الشهر الجاري. وقالت مجلة ميدل ايست ايكونوميك سيرفاي ان الخط المغلق منذ عام 1992 سوف يفتح خلال الشهر الجاري ويقوم بنقل 200 الف برميل من البترول العراقي الخام يومياً. يصل الخط بين كركوك في حقول بترول شمال العراق وميناء بنياس السوري وطاقته تزيد على مليون برميل يومياً. غير ان سوريا اغلقت الخط في عام 1982 عند بداية الحرب العراقية الايرانية, حيث كانت سوريا في صف ايران. لكن التطور الكبير الذي حدث بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية هو فتح قسم لرعاية المصالح العراقية في سوريا في فبراير العام الجاري, وهو اول نوع من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من 19 عاماً. ولن تقوم سوريا بالفعل بتصدير البترول العراقي, لكنها سوف تكرره في مصافيها المحلية, ثم تقوم بتصدير كمية معادلة من انتاجها من البترول. والسبب في هذا التبادل هو شراء البترول العراقي بسعر رخيص, مع تصدير البترول السوري للسوق العالمية بالسعر السائد العادي. والمكسب الذي يحققه العراق من ذلك هو فتح طريق تصدير جديد فقط. لكن العقوبات المفروضة على العراق تمنع فتح الخط الا انه ليس من المحتمل ان يعاقب مجلس الامن الدولي سوريا. وليس من الواضح تماماً السعر الذي تشتري به سوريا البترول العراقي, غير ان بغداد تصدر بترولاً بنفس الطريقة إلى الاردن التي لا يوجد لديها موارد بترولية, وتستورد البترول العراقي بسعر 5.9 دولارات للبرميل فقط )94 الف برميل(, في الوقت الذي يتراوح فيه سعر البرميل حالياً حول 30 دولاراً. وقد يصل سعر شراء سوريا للبترول العراقي إلى 15دولاراً للبرميل على اقصى تقرير, بما يعني ان تكسب الحكومة السورية نحو 15 دولاراً في البرميل الواحد وفقاً للاسعار المالية, وهذا يعني عائدات مقدارها 1.1 مليار دولار سنوياً للخزانة السورية. يمثل هذا الرقم نحو 5% من اجمالي الناتج المحلي السوري, وفق احصائيات البنك الدولي. ومن المتوقع ان يستخدم الرئيس بشار الاسد عائدات هذا البترول في تمويل مشروع توفير فرص العمل الذي اعلن عنه في مطلع الشهر الماضي. ويتكلف هذا البرنامج مليار دولار ويستمر لمدة خمس سنوات ويهدف إلى توفير 440 الف وظيفة للشباب العاطل في عمر بين 18 و24 عاماً. عندما اعلنت هذه الخطة كان يبدو انها غير معقولة, لان سوريا ليس لديها المال الكافي لتمويلها. لكن المال قد يتوفر عندما يتم تشغيل خط الانابيب البترولي العراقي السوري, ويعد هذا نبأ جيداً بالنسبة للشباب السوري ويثبت ايضاً اقدام الرئيس السوري في السلطة. الاقتصاد السوري ومن المؤكد ان الاقتصاد السوري في حاجة إلى عون ومساعدة. فقد انخفض اجمالي الناتج المحلي بنسبة تزيد على 20 % منذ عام 1995 وعانت سوريا من كساد لمدة عامين متتاليين بسبب انخفاض اسعار البترول والجفاف الشديد الذي اصاب البلاد. واستأنف اجمالي الناتج المحلي النمو في العام الجاري لكن بنسبة تزيد قليلاً عن 2% فقط. الا ان النمو السكاني السريع تصل نسبته إلى 4% سنوياً. ويقدر خبراء الاقتصاد ان سوريا في حاجة لان يصل معدل نموها الاقتصادي إلى 5% سنوياً حتى تستطيع تحقيق تقدم. لقد تأثر الاقتصاد بشدة بسبب عدة عوامل منها انخفاض الاستثمارات والنقص في العملات الصعبة اضافة إلى الدعم الذي تقدمه الحكومة السورية. ولا تزال مؤسسات القطاع العام الضخمة تسيطر على 40% من اجمالي الثروة الوطنية والقطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد بما فيها البترول والكهرباء والبنوك. وتقول الحكومة السورية ان معدل البطالة هو 5% لكن بعض المصادر الغربية تقدره بأربعة اضعاف هذا الرقم. الصادرات البترولية يعتمد الاقتصاد السوري حاليا على صادرات البترول التي تمثل 55 ـ 60% من اجمالي عائدات الصادرات السورية وثلث اجمالي الناتج المحلي, وفق تقديرات وكالة الطاقة الامريكية. غير ان انتاج البترول انخفض خلال السنوات الخمس الماضية, وبلغ كثير من الحقول درجة الاستنفاد عملية التنقيب والكشف عن مصادر بترولية جديدة تسير ببطء شديد. ويتوقع البعض ان تحتاج سوريا الى استيراد البترول في خلال عشر سنوات من الآن. مصادر اخرى للدخل تدعى تقارير غربية ان احد مصادر الدخل المهمة في سوريا هو تهريب المخدرات عبر سوريا وعبر المنطقة اللبنانية التي تسيطر عليها القوات السورية وأن هذه الاراضي هي نقطة عبور المخدرات المهربة من وسط آسيا الى أوروبا والى مصر وشمال افريقيا. وقدرت مصادر مخابراتية ان عائدات عبور هذه المخدرات تصل الى مليار دولار سنويا. واذا كان اعادة فتح خط الانابيب البترولي بين العراق وسوريا هو تطور محمود من اجل الاقتصاد السوري, ومنفذ لتصدير البترول العراقي الواقع تحت السيطرة الدولية للأمم المتحدة, ناهيك عن انعكاسات ذلك على تحسن العلاقات العراقية السورية, الذي يصب ايضا في تحسن العلاقات العربية في هذا الوقت بالذات, يضيف الى الرصيد والزخم العربي على الصعيد العالمي. غير ان ما يلفت النظر هو توقعات المصادر الغربية بألا يعاقب مجلس الأمن سوريا من أجل كسرها جدار العقوبات المفروضة على العراق واستيراد بترولها الذي يستخدم لاغراض انسانية فقط حسب لوائح لجنة العقوبات الدولية. هذه التوقعات, مجرد صدورها, ناهيك عن تحققها, تعكس حالة أخرى من حالات كيل النظام الدولي بمكيالين فهذا النظام الدولي والشرعية الدولية, مستعدان لغض الطرف عما يراه مجلس الأمن انتهاكا لقراراته اذا ما كان هذا الانتهاك يعود بفائدة ما على الدول الغربية المستوردة والمستهلكة للبترول, في الوقت الذي ترتفع فيه اسعار البترول الى مستويات تكاد تكون قياسية وما يسببه ذلك من مشكلات للاقتصاديات الغربية. ولا مانع ايضا من التسامح مع سوريا من جانب مجلس الأمن الدولي, الذي تسيطر عليه القوى الغربية, اذا كانت لا تزال قيادتها تتمسك بخيار السلام, ولابد من ترك هذه القيادة ترسخ اقدامها ببعض الفوائد الاقتصادية التي ستجنيها من وراء اعادة تشغيل خط الانابيب البترولي بين العراق وسوريا.