في الوقت الذي حطمت فيه ثورة الاتصالات العالمية الحدود السياسية بين الدول, بدأت الأعمال التجارية الكبيرة ايضا تغزو حدود الدول والحدود اللغوية والثقافية, وهكذا تحولت مدينة دبلن عاصمة ايرلندا من ظل الهامش الاقتصادي لأوروبا الى مركز رئيسي على طريق التجارة الدولية السريع, خاصة في أوروبا وجذبت شركات عالمية مثل آي. بي. إم ولوفتهانزا وكومباك للحاسب الآلي بسبب انخفاض الضرائب والانخفاض النسبي في الأجور والعمالة الماهرة التي تتحدث الانجليزية ومساهمة الحكومة في تمويل وانشاء مراكز التجارة الهاتفية التي توفر آلافاً من فرص العمل للمواطنين الايرلنديين والاجانب على السواء. لقد اكتشفت الشركات العالمية أيضا انه من الارخص جمع عمليات التجارة الهاتفية للمبيعات والتسويق تحت سقف واحد يوفر انخفاض التكلفة والكفاءة المرتفة. وقامت بعض الشركات بتوظيف اعداد تصل الى ثلاثة الاف من الأوروبيين المهاجرين الى ايرلندا في الوقت الذي كانوا فيما سبق يرسلون أولادهم الى الوطن الأم بحثاً عن وظائف فميا سبق. وانعكس حالياً هذا الاتجاه وأصبح كثيرون من أوروبا يأتون الى ايرلندا بحثاً عن فرص العمل وأصبح الايرلنديون يمكثون داخل البلاد بسبب توافر هذه الفرص. ويصل متوسط اعمار المهاجرين من أوروبا الى ايرلندا نحو 23 عاماً ويصل متوسط دخولهم قبل دفع الضرائب نحو 15 الف دولار سنوياً كما يقول جيسون كنيدى رئيس مؤسسة مالبورو للتوظيف التي تجذب كثيراً من الأوروبيين الشباب. وقد سجل الاقتصاد الايرلندي نمواً بنسبة 9% سنوياً طوال ست سنوات متتالية, أي بارتفاع أكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بمتوسط النمو في دول الاتحاد الأوروبي, وانخفض معدل البطالة الى 8.3%, وهو أقل معدل في القارة الأوروبية, بعد أن كان 16% في منتصف التسعينات. وادت الطفرة الاقتصادية خلال السنوات العشر الماضية الى ارتفاع حجم العمالة الى 7.1 مليون مقابل مليون واحد فقط وتعتبر ايرلندا أمة شابة حيث 40% من السكان البالغ عددهم 7.3 ملايين نسمة, أقل من 25 عاماً ويصل متوسط العمر لجميع السكان الى 31 عاماً, وفق احصاءات وكالة التنمية الصناعية, وهي هيئة حكومية تعمل على جذب المستثمرين الاجانب. لكن انخفاض نسبة البطالة يعني ايضا النقص في العمالة الماهرة في الوظائف الهامة. وهذه هي طبيعة الاقتصاد الايرلندي الذي تدفع عجلاته الخدمات والتكنولوجيا الفائقة وهذان العاملان من شأنهما دفع واستمرار عجلة النمو الاقتصادي. هكذا أصبحت ايرلندا بوتقة اختيار وسط منطقة اليورو ويساهم في نموها الاقتصادي تدفق الاستثمارات الامريكية عن طريق المهاجرين من الاتحاد الأوروبي والشباب الايرلندى. منذ يناير العام الماضي عندما أصبحت ايرلندا الدولة الوحيدة الناطقة بالانجليزية العضو في الاتحاد النقدي الأوروبي (دول اليورو) ارتفع فيها معدل التضخم الى 2.6% مقابل 9.1%, وهذا المعدل يصل الى ثلاثة أضعاف المتوسط في الدول الأوروبية الاخرى. وأثار ذلك سؤالاً يواجه السلطات الايرلندية مفاده كيف ان أية دولة تسير اقتصادها دون ان تستخدم أداة أسعار الفائدة لأن البنك المركزي الأوروبي هو الذي يحددها؟ كانت اسعار الفائدة الأساسية في ايرلندا قبل عام من دخولها في الاتحاد النقدي الأوروبي 19.6%, لكن عضويتها في الاتحاد خفضت سعر الفائدة آليا الى 3%, وبلغ سعر الفائدة لدول الاتحاد حالياً 75.4%, وتضافر عاملي انخفاض سعر الفائدة وارتفاع الطلب من العاملين العائدين وطبقة الاغنياء الجدد, جعلت اسعار المنازل ترتفع بنسبة 20% سنوياً. ويقول دان مكلوجلن الخبير الاقتصادي في البنك الهولندي العام ان 80% من واردات ايرلندا من خارج منطقة اليورو, غالباً من الولايات المتحدة وبريطانيا, وانخفاض سعر اليورو وسعر الجنيه الاسترليني أمام الدولار الأمريكي قد دفع بمعدل التضخم الى مستويات أعلى ايضا. وقال كونور برادي مدير تحرير ايريش تايمز ان هناك فارقاً بين من تسير أموره على ما يرام ومن هو غير ذلك وهناك شعور منتشر بين الذين يعملون في الوظائف التقليدية بأن قطار الطفرة الاقتصادية قد فاتهم. لكن مستقبل الازدهار الاقتصادي الايرلندي ليس في ايدى البلاد, فهناك دائماً خطر انسحاب الاستثمارات الاجنبية. فهؤلاء الذين اندفعوا الى ايرلندا بفعل انخفاض الضرائب والتكلفة قد يعيدون النظر في استثماراتهم اذا تغيرت هذه الأوضاع. وينطبق ذلك على شركات التكنولوجيا الفائقة الامريكية التي منيت بانخفاضات في العائدات وتذبذب أسعار الاسهم. ويبدو ان المسئولين الايرلنديين يعون هذه الاخطار ويقول جيم والين من وكالة التنمية الصناعية ان وضع البلاد يتوقف على التجارة الدولية للسلع والخدمات. ويقول انها اذا لم توفر مناخاً جذاباً لانتاج السلع والخدمات التي يحتاجها العالم, سوف يكون مصير البلاد السقوط. عن صحيفة (هيرالد تريبيون)