تشير احدث احصاءات صندوق النقد الدولي إلى ان الاسواق الصاعدة تلقت خلال العام الماضي ما قيمتهه 5.80 مليارات دولار من تدفقات رؤوس اموال القطاع الخاص اي بارتفاع بنسبة 7% مقارنة بالعام السابق له. ويؤكد كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على ان رؤوس اموال القطاع الخاص احتلت مكانة الاموال الحكومية بوصفها المصدر الاول لرأس المال بالنسبة للدول النامية وتمثل حالياً الاموال الخاصة نسبة 80% من اجمالي التدفقات المالية على الدول النامية. ويقدر البنك الدولي ان مصادر رأس المال الصافية تضاعفت تقريباً في الشرق الاوسط وشمال افريقيا خلال عام 1999 وبلغت تدفقاتها 20 مليار دولار على هذه البلدان. في الوقت نفسه بلغت هذه التدفقات 3 مليارات دولار عام 1995 وما كان متوسطه 7.8 مليارات دولار خلال الفترة بين عامي 1990 و1997. ويرجع غالبية هذا الارتفاع إلى تدفقات اموال القطاع الخاص بمقدار 8 مليارات دولار, مما يعني انعكاس الوضع الذي كان سائداً خلال بداية التسعينات حيث كانت مساعدات التنمية الرسمية تمثل القدر الاكبر من تدفقات رؤوس الاموال على بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا. لكن بعض المحللين يتساءلون ما اذا كانت المنطقة تستطيع جذب مزيد من التدفقات المالية في ظل تاريخها الطويل في جذب الاستثمارات الخاصة وعدم رغبتها الكافية في الانفتاح الكامل على الاسواق العالمية. يتوقع المحللون ان يكون الوقت الحالي هو الوقت المناسب لجذب الاستثمارات او لا يحدث ذلك مطلقاً ويقولون ان الاصلاحات والاندماج والتكامل مع الاقتصاد العالمي اذا لم يحدث في الفترة الحالية مع ارتفاع اسعار البترول سوف تتعرض المنطقة لخطر التهميش بالنسبة للعالم. ويقول آخرون ان الارتفاعات الاخيرة في الاستثمارات لم تكن نتاج جهود ايجابية لتحسين الاساسيات الاقتصادية بل نتاج هروب بعض الاموال إلى مناطق آمنة او انخفاض تكلفة الاصول في المنطقة. عاملان ايجابيان في المنطقة يقول محمد العريان مدير اداري لشركة بيمكو للاستثمارات ومقرها الولايات المتحدة, الذي يشعر بتفاؤل كبير بشأن مستقبل الشرق الاوسط ان هناك عناصر ساهمت في دفع عملية التحرير التجاري والاقتصادي, لكنه قال ان تاريخ المنطقة في تضييع الفرص لابد الا يستهان به. ويضيف انه بالنظر إلى المنطقة بكاملها نجد ان هناك عاملين يلعبان دوراً هاماً, هما صدمة اسعار البترول التي نتج عنها تحول كميات هائلة من الاموال والدخل من انحاء العالم إلى منطقة الشرق الاوسط. وعامل تحسن الاطار المؤسساتي للمنطقة نتيجة للاصلاح وتقدم عملية التحرير التجاري والاقتصادي. تحسن في دول مجلس التعاون الخليجي وقد حققت دول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة تقدماً نحو فتح اسواقها لرأس المال بشكل او بآخر على بقية اجزاء العالم. وقامت الكثير من الدول بتفعيل وتعزيز البنية المالية مثل نظام التسويات والمدفوعات. كما ان هناك كثيراً من دول المنطقة خاصة الجزائر ولبنان دخلت في نطاق التكتلات الدولية واصبحت محط انظار الذين يتابعون المؤشرات. كما ان موقف المنطقة حالياً افضل مما كان عليه من عام او عامين, وينعكس ذلك في قدرة قطر على طرح سندات بقيمة 4 .2 مليار دولار في سوق السندات العالمية. ويقول كثيرمن المحللين ان سعر هذه السندات كان مرتفعاً لكن محمد العريان يعتقد ان هذا يرجع إلى ما يسمى (رسوم الدخول) التي تدفع ليكون اسم قطر معروفاً. الاصلاحات في الخليج في منطقة الخليج يتسارع معدل الاصلاحات وهي ذات تأثير كبير على تفكير المستثمرين. ولا يزال الوقت مبكراً للحكم على ما اذا كانت الموجة الاخيرة من ارتفاع اسعار البترول سوف تدعم وتعزز هذه الاصلاحات, لكن محمد العريان يعتقد ان هناك علامات واشارات ايجابية, فمن الواضح ان الحكومات تدخر الارتفاع في العائدات نتيجة ارتفاع الاسعار ولا تنفقها كما كان يحدث فيما سبق. ويبدو ان الاولوية الاولى لديها هي زيادة الاحتياطي الذي يتآكل وليس هناك من يتحدث عن ميزانيات انفاق تتناسب مع حجم العائدات الاضافية. فهم يقومون بتعويض ما تم انفاقه في عام 1998. ويعتقد محمد العريان ان هناك شعوراً متزايداً في السوق ان هناك دولاً معينة بدأت مسارات اقتصادية جيدة وايجابية. ويقو لن الدول غير البترولية في الشرق الاوسط مثل الاردن وتونس التي يعتقد انها تنفذ سياسات سليمة. هناك تحسن كبير في احتياطيات العملات الصعبة ومعدلات التضخم وارتفاع معدلات النمو. وقد ساد نوع من القلق عندما خفضت مؤسسة ستاندارد آندبور فئة مصر من حيث جاذبيتها لاستقبال الاستثمارات, ولا يزال هناك بعض القلق بشأن الاقتصاد اللبناني. لكن هذا يثبت ان هناك فارقاً واضحاً في مفهوم المستثمرين بين تحسن الاساسيات الاقتصادية والاساسيات التي تتدهور بالنسبة للدول غير البترولية. فهناك من يقول ان سياسات التقشف المالي والالتزام بالاصلاحات قد تتوارى, مع تواري فترة انخفاض اسعار البترول في ثنايا النسيان. لكن هناك من يعتقد ايضا ان شدة الازمة كافية لتشعر هذه الدول بانه ينبغي ان يكون التزامها بالتقشف والاصلاحات طويل المدى. وقد تعرضت بعض عملات المنطقة لضغوط مضاربة ليس لها سوابق خلال العامين الماضيين, ولابد ان هناك اسباباً قوية تدفع لتكوين احتياطي جيد. إنشاء معيار جيد من مركز قوة تؤثر زيادة وتيرة التحرير الاقتصادي والتجاري وخاصة نحو اسواق رأس المال العالمية تأثيرا اقوى من الحاجة الى التمويل المباشر )بالاستثمارات(. فالمنطقة لا تعتمد بالدرجة الأولى على اسواق رأس المال لذلك ليس هناك حاجة لاعادة تمويل السندات التي تصل الى الاستحقاق. كما ان هناك خيارات اخرى امام هذه المنطقة من حيث التمويل مثل القروض المصرفية والتمويل الحكومي لذلك سواء طورت علاقات مع اسواق رأس المال ولم تفعل فهذا يرجع لرؤيتها. فهل هناك تأييد شعبي كاف للحكومات لاصدار سندات حكومية؟ غير انه بدون اصدار هذه السندات سوف تكون قدرة المنطقة على جذب تدفقات مالية مستقبلا محدودة. فسواء كنت تستثمر في الاسهم او شركة تبحث عن التمويل تبحث دائما عن ضمان وافضل مقياس لمخاطر السوق هو انتشار السندات الحكومية. وهناك اثر مفيد مباشر لوجود ضمانات يسمح للمستثمرين بتقييم المخاطر, خاصة بالنسبة للاستثمارات الاجنبية المباشرة ويصب مقياس السوق للمخاطر الرسمية مباشرة في مصلحة التدفق النقدي لأي مشروع استثماري فإذا لم يكن هناك هذا المقياس او كان غائبا يضع المستثمرون مقاييس وغالبا ما تكون اقل تحبيذا مما يمليه السوق فعلياً. ويشير محمد العريان الى ان وسائل بيع الدين لابد ان تكون مناسبة في هذا المجال ويقول ان سندات برادلي تباع بسعر مرتفع وتنتشر عالميا لانها معادة الهيكلة. ولم تصدر حتى الآن بلدان عربية هذه السندات إلا عمان وقطر ولبنان, رغم ان ايران تعتزم ذلك وتستعد مصر لاصدارها. لكن انشاء معيار له اثاره الجانبية, فإن نجاح اصدار سندات حكومية او وسائل مالية اخرى يعتمد الى حد كبير على قدرة القطاع المالي للبلاد على مواجهة المخاطر المتزايدة. فمجرد الارتباط بالأسواق المالية العالمية يجعلك تفيد من مزاياها, وفي نفس الوقت تتحمل عقباها وتكاليفها, وليس هناك وسيلة لتجنب ذلك. لكن القضية لاتتعلق بانتشار سندات البلد أو إنكماشها فهذا يحدده السوق ويمثل جزءاً منه. لكن الأمر هو تأثير ذلك على التمويل المستقبلي, الذي يعتبر في الواقع نتاج مدى تعرض أسواق هذا البلد للمخاطر. فإذا كان القطاع المصرفي للبلد قوياً يستطيع تحمل الهزات التي تحدث بين حين وآخر. الدول المنتجة للبترول الدول المنتجة للبترول تتمتع بموقف قوي في هذا المجال, حيث ان عائدات البترول المرتفعة تمكنها من رفع نسبة الاحتياطيات المالية وتحقيق فوائض وتحرر إقراض القطاع الخاص وتدفع نحو اصلاح القطاع المالي. لكن التوقيت يعتبر حرجاً بالنسبة للمنطقة ككل. وتتحدث مصر الان عن إصدار سندات باليورو لكنها عندما تفعل ذلك يكون من موقف القوة. فلا يمكن ان تعزز دولة من أواصرها بالنظام المالي العالمي وأسواق المال العالمية وإطلاق حرية النظام المالي إلا من موقف القوة لكن هذا إصدار متوسط المدى يهدف الى تحسين الكفاءة الاقتصادية على المدى الطويل وبالتالي يتطلب بطبيعته رؤية استراتيجية طويلة المدى. القضية هي كيف يكون الاقتصاد في بلد ما على مدى خمس سنوات واذا كان مدى الاندماج مع أسواق المال سوف يساعد أو يعوق هذا البلد. لابد ان يكون هناك رؤية, وكيف يتحقق التوازن بين التقدم للأمام وفي نفس الوقت تفسير وايضاح ما يحدث, فليس من السهل على حكومة لديها فائض ان تبرر هذه التغيرات. ليس من السهل على المكسيك مثلاً التي تمر بفترة رخاء ان تبرر رفع الضرائب. سندات الدين في ارتفاع ومن المتوقع ان ترتفع سندات الديون الدولية للمنطقة على المدى الطويل لأنها ليس أمامها إلا ذلك اذا كان لابد من ضمان وتأمين إلتزام المستثمرين بأسواق الاسهم في المنطقة. وتميل ثقة المستثمرين الى التزايد مع وجود شهادات أو أوراق مالية قصيرة الاجل لمبادلتها بالسندات الحكومية. ومع تزايد تعرف المستثمرين على المناخ المحيط, يتجهون الى الأسهم, التي يجب ان تكون بمثابة إلتزام مادي تجاه البلاد. هذه عملية من الصعب تجاوز الخطوات فيها. حتى إذا لم يكن هناك مصدر تمويل فان وجود المعيار الأساسي يسمح بالانتقال الى المرحلة الثالثة من العملية بسرعة أكبر. ويرى محمد العريان ان منطقة الشرق الاوسط تسير في الاتجاه الصحيح, بنظرة جماعية على الأقل. فإذا نظرنا الى قائمة الانجازات على مدى العام الماضي نجدها صغيرة بالنسبة لكل دولة على حدة, لكنها بشكل جماعي تعتبر كبيرة وهائلة. لكنه يقول انه لابد من اتخاذ خطوات اخرى. ويقول ان هذه التغيرات التي تمت ضرورية لكنها غير كافية. ولابد ان تفعل هذه الدول شيئاً, خاصة في مجال نظام التعليم. وتستطيع المنطقة ان تتحمل عملية التحرير في الوقت الحالي, حيث لاتعتمد كثيراً على رأس المال الدولي. فإن سبب المسارعة لمسابقة بقية الاقتصاديات الصاعدة هو العمل على جذب الأموال. لكن الارتفاع الكبير في تجارة الشرق الأوسط ينبغى ان يسمح له بأن يسير بسرعة أكبر من الاخرين. مع ذلك لايحدث شىء من تلقاء نفسه, فلابد من علمية الدفع, وتاريخ المنطقة في إضاعة الفرص معروف. أزمة عام 1998 من الحمق ان نعتقد ان سياسات التقشف المالي والإصلاح يمكن ان تستمر الى مالا نهاية في ظل الازمة المالية لعام 1998 التي اثبتت ان سوء الأوضاع قد يكون سيئاً للغاية. فقد كانت كميات العجز في الميزانيات خارج السيطرة تماماً وتتآكل الاحتياطيات المالية بسرعة مذهلة. هذه أيام قريبة ولاتزال في اذهان صناع السياسة والقرار, لذلك قرروا عدم انفاق الأموال المتزايدة التي تأتي الان. لكن محمد العريان يعتقد انه لابد من وجود عملية هدم إيداعي في الشرق الاوسط إذا ارادت المنطقة ان تلعب دوراً عالمياً هاماً. ويقصد بذلك اجراء إصلاحات شاملة في انظمة البنوك والقطاع الصناعي وفي الحكومات بحيث يتم التخلص من الممارسات القديمة, وإلا سوف تفقد هذه البلدان فرصة الاستفادة من الاقتصاد الجديد. وتحدث محمد العريان عن النموذج الامريكي فقال ان هناك ثلاثة عوامل ساعدت في تحقيق هذا النجاح, هي صدمة تكنولوجية ايجابية وقدرة القطاع الخاص على تمويل ذاته وتحقيق فائض لدى الحكومة, وبالتالي تحرير تمويل القطاع الخاص. ولاتعرف الصدمة التكنولوجية حدوداً, لذلك فان هذا الشرط يتوفر نظرياً في الشرق الاوسط. وحكومات بلدان الشرق الاوسط تحقق فوائض, لكن العنصر الثالث وهو إطلاق حرية تمويل القطاع الخاص لايزال مقيداً وغير متوفر. ويرجع ذلك الى افتقار سوق أسهم الشركات وسنداتها وعدم وجود نظام إكتتاب عام متقدم. هذا الافتقار هو العائق الرئيسي ولذلك فإن إصلاح النظام المالي أمر في غاية الأهمية. لابد ان يكون هناك قدر كبير من الابداع والابتكار للممارسات القديمة حتى يستطيع القطاع الخاص الاستجابة لذلك. وإذا لم يحدث هذا الابداع والاصلاح فلن تفيد المنطقة بكل بساطة من الاقتصاد الجديد.