يتوقع الخبراء العالميون ان يظل سعر البترول مرتفعا بين 35 و40 دولارا للبرميل على الأقل حتى الربيع المقبل, حتى اذا رفعت المملكة العربية السعودية الانتاج الى أقصى حد ممكن ولم يحدث أي شيء يعوق دورة الامداد البترولي من آبار البترول الخام حتى السوق العالمية. واذا حدثت أي ظروف أو ملابسات غير طبيعية في هذه الدورة سوف ترتفع الاسعار الى مستويات جديدة أعلى. وسوف يتعين على العالم, كما يقول هؤلاء الخبراء ان يتعايش مع سعر 45 دولارا للبرميل في الفترة المقبلة. ولايزال العالم خاصة دول العالم الغربي تشعر بالقلق بشأن امدادات البترول وامكانية وصولها الى الاسواق العالمية حتى بالسعر الحالي الذي تعتبره الدول الغربية مبالغا فيه, وهو سعر قياسي للبترول لم يسجل منذ عشر سنوات, فلماذا ارتفع سعر البترول بهذه الدرجة وفي هذا الوقت بالذات؟ وهل تصدق توقعات الخبراء بأن تستمر اسعار البترول أعلى من 35 دولارا للبرميل أو حتى 30 دولارا خلال الفترة المقبلة حتى الربيع من العام المقبل على الأقل؟ وهل الطلب وحده هو الذي دفع بالأسعار الى هذه المستويات القياسية؟ لابد ان هناك أسبابا, فضلا عن ارتفاع الطلب على البترول, قد أدت أو ساهمت في هذا الارتفاع في الاسعار. أولى حلقات الانتاج أعلنت السعودية في وقت سابق انها تستطيع ان ترفع انتاجها من البترول على الفور في أي وقت حتى تنخفض أسعار البترول, لكن أي ارتفاع في انتاج البترول من جانب السعودية لا يستطيع ان يفي بالطلب المتزايد, والمسرح مهيأ الآن لاستمرار ارتفاع الأسعار على الاقل خلال العام المقبل. تنتج السعودية حاليا 5.8 ملايين برميل من البترول وهي الوحيدة بين الدول المنتجة للبترول التي تنتج هذه الكمية, وهي الوحيدة ايضا بين الدول البترولية التي لديها طاقة انتاجية فائضة ولا تستطيع كل من الكويت واندونيسيا وايران ونيجيريا ان تفي حتى بحصتها الانتاجية التي حددتها منظمة أوبك. وكان انتاج ايران من البترول قد انخفض انخفاضا بسيطا خلال أغسطس من العام الجاري. وتستطيع كل من الجزائر وليبيا وقطر والامارات الوفاء بحصص الانتاج الجديدة, غير انها لا تملك فائضا في الطاقة الانتاجية بعد الوفاء بحصتها. أما فنزويلا التي أصر وزير نفطها على ان لديها فائضا انتاجيا, غير انه قال ان الفائض الانتاجي لمنظمة الاوبك بكامله هو مليونا برميل يوميا, وهذا هو الفائض الانتاجي لدى السعودية فقط, غير ان هذه الكمية تكاد تكفي فقط النمو المرتفع في الطلب على البترول, حيث يرتفع الاستهلاك العالمي من البترول بمقدار مليوني برميل في الانتاج اليومي سنويا. نصف الكرة الشمالي وغالبا ما يؤدي انخفاض الحرارة في فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي الى ارتفاع الاستهلاك بمقدار لا يقل عن مليون برميل يوميا (أخرى) ولايزال هذا الاتجاه مستمرا خلال العام الجاري. فضلا عن ذلك, فالاستهلاك العالمي الحالي يفوق معدل الانتاج من البترول الخام, ويبدو ان النسبة بين الانتاج والاستهلاك لن تتغير خلال الشتاء الحالي (2000 ــ 2001) وهذا من المفترض ان تطلق السعودية كل طاقتها الانتاجية تقريبا. مصادر جديدة من الطبيعي ان يخرج انتاج جديد من آبار جديدة لتعويض النقص في انتاج البترول, لكن انهيار اسعار البترول عام 1998 جعل الشركات تحجم عن الاستثمار في هذا المجال, وتستغرق عملية تطويرآبار جديدة سنوات, بما في ذلك آبار غرب افريقيا البحرية وآبار خليج المكسيك أو في أي مكان آخر, لكن آبار وسط آسيا هي فقط التي يتوقع ان تنتج قبل عام 2002. ولن تستطيع هذه الكميات الجديدة من البترول الوصول الى الاسواق بسبب تزاحم خطوط الشحن في خليج البسفور. وليس الانتاج هو الخطوة الوحيدة في حلقة امدادات البترول الذي يعاني من ضغوط, فالمخزون العالمي من البترول منخفض جدا, ويصل المخزون الامريكي الى ما يكفي للاستهلاك 60 يوما فقط, كما ان المخزون من منتجات البترول أقل وأندر من المخزون الخام. فقد أدى الغضب الذي انتشر في الولايات المتحدة خلال الصيف بسبب ارتفاع أسعار الوقود الى تركيز المصافي على انتاج الوقود بدلا من زيت التدفئة, وبالتالي رغم جهود الحكومة لكي يصل المخزون من زيت التدفئة الي مليوني جالون, لايزال أقل مما كان عليه من عام بمقدار 20%, فيما كان في العام الماضي عند أدنى مستوى له منذ عشر سنوات. وما زاد الامور تعقيدا هو ان اسعار النقل بالشاحنات تضاعفا تقريبا خلال العامين الماضيين بسبب تخريد ناقلات البترول القديمة واحلالها بناقلات جديد. وتضيف تكاليف النقل دولارا أو دولارين آخرين على سعر البترول الخام حتى يصل الى الاسواق الغربية. وسوف يظل سوق نقل البترول الخام مشبعا على مدى العامين المقبلين, وسوف يرفع ذلك أسعار النقل ويجعل الاسواق البترولية عرضة أكبر لانقطاع امدادات البترول. طاقة التكرير الاكثر من ذلك ان استغلال طاقة تكرير البترول العالمية يقترب من سقفها الأعلى, وتعمل مصافي البترول في الولايات المتحدة أكبر دولة في العالم في هذا المجال بطاقة 90% منذ 1995. وهناك دول اخرى تواجه نقصا في طاقة التكرير ولذلك حتى اذا ظهرت كميات كبيرة من البترول الخام فجأة في الاسواق العالمية سوف تظل اسعار منتجات البترول مرتفعة. وعلى خلاف قضية النقص في طاقة الشحن, سوف يظل النقص في طاقة التكرير في الولايات المتحدة لسنوات مقبلة لأن رفع طاقة التكرير يستغرق سنوات وسنوات. وقد أثر انهيار أسعار البترول عام 1998 ايضا على الاستثمارات في مجال التكرير, كما أثر على تنمية وتطوير حقول بترولية جديدة. وغالبية مشروعات تكرير البترول التي بدأت العام الجاري لن تنتج قبل عام 2002. وما زاد تعقيد مشكلة النقل هو ان غالبية الدول الغربية تعتمد على التكرير في الخارج في نسبة 10 الى 25% من منتجات البترول, وسوف تؤثر أي أزمة في نقل البترول على الوقود وزيت التدفئة, كما تؤثر ايضا على البترول الخام, ولن تستطيع السعودية برفع الانتاج ان تتجاوز عنق الزجاجة في النقل والتكرير, فلن يتحول الانتاج الزائد من جانب السعودية الى وقود رخيص بعد طرح الانتاج الخام في الاسواق. ارتفاع الاستهلاك وسوف يتضافر ارتفاع الاستهلاك مع بطء نمو الانتاج مع انخفاض الاحتياطي المخزون لتظل أسعار البترول مرتفعة عند مستوياتها الحالية, إن لم يكن أعلى حتى الربيع المقبل على الأقل, حتى اذا لم يحدث ما يعطل أية حلقة من حلقات إمداد البترول ووصوله الى الاسواق, فاذا حدث أي خلل في حلقات الإمداد فسوف تقفز الأسعار الى مستويات قياسية وبدون أي نوع من الخلل في أي من هذه الحلقات لن تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية الا ببطء شديد. احداث قد ترفع اسعار البترول مجدداً: ــ تسرب البترول في نيجيريا بسبب تدفق 130 الف برميل يومياً من خط الانتاج لمدة عشرة ايام في سبتمبر. ــ هددت عاصفة مدارية بوقف الانتاج في خليج المكسيك احد مواقع الانتاج الامريكية من 14 حتى 16 سبتمبر. ــ تسبب القصف في كولومبيا في اغلاق خط انتاج بترولي ينقل 230 الف برميل بترول يومياً. ــ اغلاق ميناء نوفورسيسك الروسي عدة اسابيع سنوياً بسبب سوء الاحوال الجوية الذي يتم تصدير ربع البترول الروسي عبره. ــ اتهم العراق الكويت يوم 14 سبتمبر بسرقة البترول عبر الحدود بينهما, وكان اتهام مماثل قد اعقبه غزو العراق للكويت عام 09__. ينتج العراق والكويت معا 1.5 ملايين برميل يومياً. وادى احتمال عودة النزاع إلى رفع اسعار البترول بنسبة 2%. ــ هددت الاحتجاجات على ارتفاع اسعار الوقود في بريطانيا في سبتمبر باعاقة انتاج البترول من بحر الشمال, الذي تنتج حقوله غالبية انتاج بريطانيا من البترول الذي يصل إلى 3 ملايين برميل يومياً. ــ تسببت الاحتجاجات على اسعار الوقود في فرنسا في مطلع سبتمبر في وقف عملية تكرير البترول, وانقطعت عن السوق 9.1 مليون برميل يومياً من منتجات البترول. ــ تسببت احتجاجات اخرى في اوروبا في منع الموانىء من اداء عملها في توصيل البترول فلم تستطع ملايين البراميل من البترول الخام من الدخول. وتسبب ذلك في تعطيل عمل ناقلات البترول النادرة في الاساس. ــ وهدد الجفاف فضلاً عن الرغبة في وجود نظام سياسي اكثر انفتاحاً, ايران بفقد القدرة على انتاج البترول البحري. وتنتج ايران 7.3 ملايين برميل يومياً. ــ البنية الاساسية البترولية الليبية في حالة سيئة بسبب العقوبات المفروضة عليها منذ عام ,1993 حيث لم تستطع استيراد المعدات, التي تدعم قطاع البترول, وقد ينخفض انتاج ليبيا بسبب النقص في هذه المعدات (انتاج ليبيا حالياً 3.1 ـ 4.1 مليون برميل يومياً). ــ البنية الاساسية البترولية الروسية ايضاً في حالة سيئة بسبب النقص في الاستثمارات. وكثيراً ما يحدث تسرب لعشرات الاطنان من البترول, حتى في خطوط الانابيب الكبيرة. تنتج روسيا 9.5 ملايين برميل يومياً. والطريقة الوحيدة لخفض اسعار البترول في ظل عدم احتمالات وصول انتاج من مصادر جديدة إلى الاسواق هي خفض الطلب بشكل كبير. وكانت المرات الاربع التي انخفض فيها الطلب على البترول عالمياً, مصحوبة بكساد اقتصادي في العالم, وكان ارتفاع اسعار البترول في ثلاث مرات من هذه المرات الاربع التي حدث فيها الكساد هو السبب الرئيسي في حدوثه. وسوف يصل العالم قريباً إلى ضخ البترول بطاقته الانتاجية القصوى, ومجرد ان يحدث ذلك سوف تتسبب حتى الهزات الصغيرة لحلقات الامداد في هزات كبيرة وصدمات في سوق البترول, مما ينتج عنه ارتفاعات كبيرة في الاسعار سواء للبترول الخام او منتجاته. مخاطر تهدد صناعة البترول الروسية قدمت موسكو مشروع ميزانية لعام 2001 خالياً من العجز حتى تتجنب الحصول على قروض جديدة, واعتمدت الميزانية على عائدات تصدير البترول. وتركز شركات الطاقة الروسية على تطوير الصادرات البترولية بدلاً من تجديد البنية الاساسية المتهالكة. فإذا تسبب نقص الاستثمارات في البنية الاساسية البترولية في عدم القدرة على الوفاء بمتطلبات زيادة الصادرات لن تستطيع روسيا تحقيق اهدافها. فالبنية الاساسية البترولية في روسيا تحتاج إلى استثمارات عاجلة لكن صناع القرار في روسيا يركزون على مشروعات لن تؤتي ثمارها الا بعد فترة طويلة. وقد ارتفعت ارباح شركات الطاقة الروسية منذ عام 1998 بسبب ارتفاع اسعار البترول إلى ثلاثة اضعاف منذ ذاك التاريخ. وذكرت شركة لوكويل ان ارباحها خلال الربع الاول من العام الجاري بلغت 605 ملايين دولار, اي اربعة اضعاف الفترة المناظرة من العام الماضي. وذكرت شركة جازيروم ان ارباحها خلال الربع الاول من العام ارتفعت بما يزيد على ثلاثة اضعاف نفس الفترة من العام الماضي لتصل إلى 08.1 مليار دولار مقابل 330 مليون دولار خلال الربع الاول عام 1999. لكن شركات الطاقة الروسية تنفق غالبية مواردها في مشروعات تنموية طويلة المدى. وقد تكون الاستثمارات في البنية التحتية البترولية في عهد الاتحاد السوفييتي السابق غير كافية لتوفير الانتاج البترولي الضروري للوفاء بمتطلبات الميزانية الروسية الجديدة. وقالت شركة ترانز نفط المسئولة عن خطوط البترول الخام في روسيا انها سجلت اربحاً من المبيعات بلغت 248 مليون دولار العام الماضي. ورغم ارتفاع العائدات فليس هناك ما يشير إلى ان الشركة تركز على صيانة وتجديد البنية التحتية البترولية القائمة. وذكرت وكالة الانباء الروسية ان نائب رئيس شركة ترانز نفط قال ان الشركة اوقعت 812 كيلو متراً من خطوط الانابيب و71 محطة ضخ بترول عن العمل العام الماضي لكنه اضاف ان هذا لم يؤثر على حجم البترول المطروح من خلال خطوط الانابيب التي تديرها الشركة. وتركز ترانز نفط بدلاً من ذلك على تطوير خطوط تصدير جديدة ومشروعات اخرى طويلة المدى, مثل انشاء شبكة خطوط عبر بحر البلطيق وانشاء خط انابيب فرعي إلى ميناء فخاشكالا في داغستان, وتمرير خط انابيب باكو ـ نوفورسيسك حول الشيشان. وتصل تكاليف هذا المشروع إلى مئات الملايين من الدولارات, وتجد الشركة صعوبات في تمويله. واعرب مسئولو الشركة عن املهم في ان تنفذ بعض شركات البترول الروسية بعضاً من المشروع وتساهم في التمويل. لكن لم تعرب اي من هذه الشركات عن استعدادها لذلك. وقد لا تستطيع ترانز نفط تأمين موارد تمويل خارجية, مما دفع الحكومة الروسية إلى رفع الجمارك بنسبة 12% لتمويل مشروعات الشركة الرامية إلى زيادة الصادرات على المدى الطويل. في الوقت نفسه تحكم الحكومة الروسية قبصتها على صناعة البترول في الوقت الذي تنتعش فيه شركات الطاقة الروسية من كبوة الاسعار لعام ,1998 وترفع الرسوم على الصادرات وضرب بيد من حديد على التهرب من الضرائب. وتستمر شرطة الضرائب في التحقيق, وتحقق مع نحو تسع من كبريات شركات البلاد للطاقة بسبب التهرب الضريبي خاصة لوكويل وسيبنفط. وتقول وكالة معلومات الطاقة ان شركات الطاقة الروسية لم تحتفظ الا بقدر يسير من رصيد العملات الصعبة البالغ 4.2 مليار دولار التي تدفقت على روسيا العام الماضي من ارتفاع اسعار البترول نتيجة سيطرة روسيا على الشركات. وقد تكون شركات الطاقة الروسية تنظر إلى ابعد ما ينبغي وتهمل الواقع. وليس من المحتمل ان تنفق شركة ترانز نفط اي استثمارات على البنية الاساسية وصيانتها واصلاحها في ظل سيطرة الحكومة الشديدة على صناعة البترول. وتتعرض الميزانية الجديدة للانتقادات من مجلس النواب الذي يدعي اعضاؤه ان الانفاق الدفاعي فيها منخفض جداً. ولا تحصل صيانة البنية الاساسية البترولية الا على اولوية ثانوية. وقد تضع روسيا نفسها في مشكلات الميزانية في عام 2001 باعتمادها على بنية اساسية بترولية ضعيفة لتوفير حاجاتها الخارجية والداخلية اعتماداً على عائدات صادرات البترول. وبالطبع سيكون لذلك تأثير على سوق البترول العالمية اذا تذكرنا حجم الانتاج البترولي الروسي المذكور سابقاً. إعداد: أشرف رفيق