تحظى صناعة التأمين بمكانة مرموقة في الاقتصادات الحديثة, وتوازي أهميته أهمية القطاع المصرفي, إذ أن التأمين يعني في الواقع قاعدة ادخارية ضخمة تساهم في النمو الاقتصادي والاجتماعي, كما أنه قاعدة مهمة لحماية وتأمين كافة جوانب الحياة الاقتصادية. ويمكن تبيان ذلك من متابعة مدى حجم واتساع أنماط التغطيات التأمينية التي يشهدها الاقتصاد المعاصر, من قبيل تغطيات ضمان رأس المال وضمان القروض وضمان الأصول وضمان الحد الأدنى لإيراد الهيئة أو الشركة وضمان مستوى المعيشة للأسرة, وتعويض الخسارة الناتجة عن الإهمال من قبل الغير أو الناتجة عن عدم الالتزام بالمستويات القياسية التعاقدية.. إلخ؛ فكل هذه الأنواع من التغطيات التأمينية هي في الواقع أدوات مهمة للغاية للاقتصاد العصري. وكثيرا ما كانت صناعة التأمين ــ بجانب البنوك ــ تمثل حجر الأساس في القيام بمسئولية تدبير الأموال اللازمة لتمويل الصناعات والبنية الأساسية وتطويرها في العالم العربي كما كان التأمين الالية الأساسية لتشجيع الادخار ومقابلة التزامات معاشات التقاعد إما في هيئة أرباح تشجيعية أو تأمينات اجتماعية تحت مظلة النظام القومي. واقع صناعة التأمين العربية: للدول العربية تاريخ مديد مع صناعة التأمين, يعود إلى مطلع القرن العشرين, حين قامت شركات أجنبية كثيرة بإنشاء فروع لها في البلاد العربية وقد تبع ذلك إنشاء شركات تأمين محلية إما في شكل شركات تابعة للشركات الأجنبية أو شركات أهلية برأسمال وطني من القطاع الخاص أو عن طريق المشاركة. وفي الخمسينات بدأت الحكومات تشارك في رأس المال في هذه الصناعة وظهرت شركات إعادة التأمين في كثير من البلاد العربية. وتم هذا التدخل من قبل الدولة في أشكال مختلفة تتراوح بين السيطرة المطلقة أو الاحتكار أو الحرية المحدودة التي أجازت البقاء لشركات قطاع خاص تعمل بجانب شركات مملوكة للدولة, ثم تغير الوضع مرة أخرى في التسعينات في بعض البلاد العربية نحو السماح ببعض الحرية للشركات الخاصة ليس فقط لان الشركات الأهلية قد اكتمل نموها وأصبحت أكثر قادرة على الصمود دون مساندة, ولكن أيضا لان مصادر التمويل في الدولة يمكن إعادة تشغيلها في مواقع اكثر احتياجا لها, إضافة إلى ضغوط العولمة والهيئات الدولية التي تدفع في سبيل الانفتاح والتحرر. وتختلف أوضاع صناعة التأمين من بلد عربي لآخر تبعا لأسلوب كل دولة وطبيعة اقتصادها فصناعة التأمين ليست إلا خيط في نسيج الاقتصاد العام, وكلاهما ــ قطاع التأمين واقتصاد الدولة ككل ــ يعني بكثير من القضايا المشتركة مثل سعر وقوانين تحويل العملة وحرية تنقل رأس المال ونسبة الأرباح الموزعة ومجالات الاستثمار والاعتبارات الضريبية وقوانين الرقابة والمحاذير التشريعية. كما أن تطور النشاط التأميني المباشر أو إعادة التأمين يرتبط من حيث المبدأ بتطور النشاط الاقتصادي, فضلا عن مدى توافر الوعي التأميني لدى المواطنين. وداخل العالم العربي, يمكن رصد درجات مختلفة من سيطرة الدولة أو تركها المجال للقطاع الخاص لإدارة قطاع التأمين, وذلك على امتداد الدول العربية: من أقصى التحرر كما في لبنان إلى أقصى الانغلاق كما في سوريا حيث تحتكر هذه الصناعة شركة حكومية واحدة. وترصد الإحصاءات حدوث تطور ملحوظ على صعيد عدد الشركات المسجلة في كل بلد عربي على حدة بين العامين 96 و,97 فقد بلغ عدد الشركات الإجمالي 221 شركة بينها 139 شركة أجنبية, أما مجموع المبالغ المكتتبة والمصرح عنها فكانت في حدود 144.6 مليارات دولار تتوزع جغرافيا كما يلي: العراق 819 مليونا, المغرب 863 مليونا, السعودية 771 مليونا, الإمارات 656 مليونا, مصر 537 مليونا, لبنان 420 مليونا, سوريا334 مليونا, تونس 320 مليونا, الجزائر 271 مليونا, ليبيا 226 مليونا, الكويت 203 ملايين, قطر 155مليونا, عمان 140مليونا, الأردن 137 مليونا, البحرين 119 مليونا, السودان 23 مليونا, اليمن 30 مليونا, وموريتانيا 9ملايين. وقد أنفقت المليارات الستة بنسبة 86% على البضائع والممتلكات في حين أن 14% فقط خصصت للتأمين على الحياة في منطقة يبلغ تعداد سكانها 250 مليون نسمة وهذا يعني أن كل عربي يخصص 4.3 دولارات فقط للتأمين على حياته. سوق التأمين في الخليج: تعمل 174 شركة تأمين في دول مجلس التعاون من بينها 112 شركة تأمين وطنية و62 شركة اجنبية وقد بلغت أقساط التأمين في الدول الخليجية الست عام 1997 وفق بيانات المجموعة العربية للتأمين (أريج) نحو 2063 مليون دولار. ويرتفع فيها نصيب الفرد من أقساط التأمين إلى 75 دولارا. وقد بلغت أقساط التأمين في السعودية والإمارات نحو 70% من أقساط التأمين الخليجية وتمثل نسبة 36% من أقساط التأمين على المستوى العربي. ومع أن معظم شركات التأمين في دول مجلس التعاون تشكل نتائج مقبولة ألا أنها تواجه تحدي تفتت محافظ التأمين بسبب ضخامة عدد شركات التأمين بالقياس إلى حجم السوق فضلاً عن وجود حالة من عدم التوازن في هذه المحافظ وهذا ما يفرض على شركات التأمين الخليجية إعادة النظر في سياستها الاكتتابية ونشاطاتها التسويقية. عوامل ضعف صناعة التأمين العربية: لاشك أن ازدهار قطاع التأمين بشكل عام يرتبط بعدد من المعطيات في الدولة منها: ــ ضرورة إيجا د السلعة التي يرغبها ويحتاجها العميل. ــ ضرورة أن تكون عملية التأمين جدية وتنافسية. ــ ضرورة أن تكون شركات التأمين وعاء مسئولا ومتمكنا لادارة اصول المؤمنين ومدخراتهم. ــ ضرورة وجود جو من الاستقرار السياسي والاقتصادي يتيح فرصاً استثمارية وبنية تتكامل مع متطلبات العمل. ــ توفير نظام ضريبي عادل ومعقول. وفي هذا الإطار يرى بعض الخبراء أن الدول العربية رغم تمتعها النسبي بالاستقرار ومع أن المنطقة ككل تمثل نقطة جذب لشركات إعادة التأمين نظرا لكونها لا تعاني من الأخطار الطبيعية كالزلازل والفيضانات والعواصف, إلا أنها تفتقد إلى كثير من العناصر التي تدفع صناعة التأمين إلى الوراء وتسكنها في مكانة متردية ضمن قطاعات الاقتصاد الوطني, من ذلك: ــ ضعف الوعي التأميني لدى العملاء, فالعميل لا يقدم على التأمين إلا في حالات الارتفاع الكبير في درجة المخاطر, ومن ثم فهو يكتفي بتغطية الأصول الأكثر تعرضا للخطر, ناهيك أن شركات التأمين ذاتها لا تستطيع تغطية الأصول الإنتاجية بالكامل لضعف الجهاز الإنتاجي بها. هذا فضلا عن عدم تسويق الأنواع الحديثة من الوثائق التأمينية. ــ تقف عديد من العوامل الثقافية دون الإقبال على التأمين مما شجع على قيام عدد من شركات التأمين الإسلامية وذلك في الأردن وقطر والسعودية والسودان وغيرها من البلاد العربية وهي تعمل من خلال نظام تعاوني أو تكافلي. ــ ضعف الموارد البشرية, لاسيما من حيث النوعية والكفاءة, الأمر الذي يبرز الحاجة الكبيرة إلى تصميم برامج تدريبية متطورة لتهيئة الكوادر البشرية العاملة في مجالات الاكتتاب وتسوية المطالبات والاستثمارات, مع تدريبها للتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة كالتجارة الإلكترونية. وتجد عوامل ضعف قطاع التأمين العربي هذه, انعكاساتها في الحالة المتردية التي يحتلها هذا القطاع مقارنة بباقي القطاعات الاقتصادية في الدولة الواحدة, أو بالمقارنة مع نظائره في العالم, الأمر الذي ترصده الإحصاءات التالية: ــ لا تتعدى أقساط التأمين العربية حدود 6 مليارات دولار سنويا بنسبة 3 في الألف من إجمالي أقساط التأمين في العالم. مقابل أقساط بمئات المليارات من الدولارات في دول أقل في مواردها الطبيعية أو تعداد سكانها من الدول العربية. فهذا المبلغ يعادل ربع أقساط التأمين في جنوب إفريقيا, وعشر أقساط التأمين في كوريا الجنوبية وواحد على 27 من أقساط التأمين في ألمانيا. ــ تمثل أقساط التأمين نسبة لا تتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية. ــ ما زال متوسط نصيب الفرد السنوي في الإنفاق التأميني متدنيا ويتراوح بين 8 دولارات في بعض الدول ويصل في أقصاه الى 271 دولاراً في دول عربية أخرى. ــ تمثل أقساط التأمين نسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% من الناتج المحلي للدول العربية. ــ رغم أن الاتحاد العربي للتأمين يضم نحو 230 شركة وطنية, فإن أسواق التأمين ما زالت تابعة للأسواق العالمية, ورغم وجود 15 شركة إعادة تأمين عربية متخصصة والمجمع العربي لإعادة التأمين فضلا عن الطاقة الاستيعابية التي يوفرها نشاط إعادة التأمين في الشركات المباشرة التي يتجاوز عددها 400 شركة, إلا أن أقساط التأمين العربية المعاد تأمينها والتي تصل إلى حوالي 2200مليون دولار لا يتجاوز نصيب السوق المحلي لإعادة التأمين منها 200 مليون دولار أي بنسبة أقل من 10% من الأقساط المعاد تأمينها مما يعني أن هناك تسربا للأقساط خارج المنطقة العربية بنسبة 90%. عوامل تطوير صناعة التأمين العربية: ــ التحديث : رغم أن حجم الاقتصاد ومستوى دخل الفرد عنصران أساسيان لا تستطيع شركات التأمين تخطيهما إلا أن ذلك يجب الا يحجب مسئولية الشركات العربية ذاتها في التحديث والتطوير مثل دعم اتجاه إنشاء شركات تأمين متخصصة "تأمين صحي وائتمان وضمان وصادرات" وتطوير دور البنوك في تسويق خدمات التأمين والتخلي عن الأساليب التقليدية في التسويق واتباع الأساليب العلمية من خلال تقسيم السوق إلي قطاعات وشرائح بما يسمح بتقديم خدمات متنوعة لكل شريحة والأخذ بنظام هيئات الإنتاج والسمسرة. فضلا عن محاولة بث الوعي التأميني لدى المواطنين وإزالة ما قد يعتري ذلك من حساسيات ثقافية, واستبدال فلسفة الحماية بالقوة الذاتية, بما يمد نطاق التغطيات الائتمانية من الأصول ذات المخاطر العالية جدا إلى كافة الأصول. وفي ضوء التوقعات بالتحديات الداخلية والخارجية التي ستواجه أسواق التأمين العربية في القرن الحالي, مع عمليات الانفتاح المتزايدة ودخول المنافسة الأجنبية في مجال تقديم الخدمة التأمينية, فالأمر يتطلب تطوير هياكل رؤوس أموال شركات التأمين والارتقاء بمستوى الخدمة التأمينية من حيث النوع وأسلوب الأداء وتدريب وتأهيل الموارد البشرية, والاستفادة من نظم المعلومات المتطورة في وضع استراتيجيات للتوسع والنمو لمواجهة المنافسة الداخلية والخارجية ودعم التعاون والتنسيق في مجالات النشاط التأميني المختلفة وتبادل الخبرات التأمينية. وينسحب على هذا شركات إعادة التأمين التي تتهم بأن تسويق خدماتها لشركات التأمين لم يأخذ الاهتمام الكافي, وأنها لم تقم بتوفير فرص تدريب للعاملين, فضلا عن البطء الشديد في سداد الأرصدة المستحقة للعميل. ــ تطوير الفلسفة التجارية السائدة: تتطلب مشاريع إعادة التأمين مستوى عالياً من التمويل فضلاً عن الانتظار فترة طويلة للحصول على عائد الاستثمار فيها. فغالبا ما يرجع العائد منها إلى تنمية رأس المال وليس في شكل ربح موزع على المساهمين, وهذا يتعارض مع الفلسفة التجارية في العالم العربي, حيث يضغط المساهمون على إدارة الشركة للحصول على أرباح في مدى قصير ويكون همهم الأكبر نسبة توزيع الأرباح على الأسهم. ونتيجة هذا الاختلاف في الأهداف نجد معظم شركات إعادة التأمين في العالم العربي تتجه إلى إعادة إسناد جزء كبير من محفظتها إلى معيدي تأمين آخرين, مما يعرضها إلى كلفة اكبر مقابل القيمة المضافة وغالبا ما تكون هذه المعادلة غير متوازنة. ــ أهمية قيام تكتل عربي يسعى إلى إيجاد سوق تأمينية عربية واحدة: هذا ما أكد عليه المؤتمر الـ23 للاتحاد العربي للتأمين الذي انعقد في أبو ظبي في الفترة 28 ــ 30 مارس تحت شعار "التأمين العربي وتحديات القرن الواحد والعشرين", وتجئ هذه الدعوة كوسيلة لمواجهة الشركات الأجنبية التي تنفذ إلى الأسواق العربية من خلال الأسواق المفتوحة تبعا لمقررات منظمة التجارة العالمية. وحددت المراحل التمهيدية لهذا التكتل بالبدء في تبادل الاسنادات وإعطاء الأولوية لشركات إعادة التأمين والمجمعات والصناديق العربية ضمن طاقتها الاستيعابية مع توطيد أواصر التعاون بين هذه المؤسسات, وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة لقيادة هذا القطاع المهم. وفي هذا الإطار أيضا, دعت دراسة للاتحاد العربي للتأمين إلى إدراج التأمين وإعادته في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى لما سوف يتيحه ذلك من تمكين شركات التأمين العربية من العمل في أي بلد عربي منضم لاتفاقية منظمة التجارة كما لو كانت تعمل داخل موطنها, وقد عددت الدراسة إجراءات محددة في هذا الصدد منها: ــ منح شركات التأمين رخصة مزاولة نشاط موحد تصدر من موطنها الأصلي وتكون سارية المفعول ومقبولة لدى سائر الدول العربية الأطراف في اتفاقية التجارة الحرة. ــ الإسراع في التنسيق من أجل وضع قانون عربي موحد للإشراف والرقابة على شركات التأمين ــ الاتفاق على معايير عمل موحدة تمكن البلدان العربية من الاندماج في سوق التأمين العالمية. ــ إعطاء الحرية الكاملة لانتقالات رجال التأمين العرب بين الدول العربية وحرية اداء الخدمات عبر الحدود. ــ توحيد الضرائب والرسوم التي تخضع لها الشركات المعنية مع العمل على انشاء بنك معلومات للتأمين العربي.