انحدرت العملة الأوروبية مجدداً الى مستويات قياسية بعد ان وصل سعر صرف اليورو ازاء الدولار الى 83.65 سنتاً في تعاملات بورصة نيويورك نهاية الاسبوع الماضي. ويعني ذلك ان هذه العملة فقدت 28% من قيمتها عند تدشينها في يناير 1999, اي على امتداد أول عامين ــ تقريباً ــ من عمرها. ولا يتوقع احد ان تعود العافية الى اليورو بسرعة خاصة مع اعتزام البنك المركزي الأوروبي وقف اي تدخل لشراء عملته بهدف وقف تدهورها. ويبدو الان مسار اليورو حافلاً بعلامات الاستفهام وذلك وسط تكهنات متضاربة حول ما يمكن ان يحدث في المستقبل القريب. ونظراً لتعقد هذه المسألة اجرت (البيان) الحوار التالي مع آلان بنزلر الباحث الاقتصادي المتخصص في شئون العملة الأوروبية في مركز الدراسات الاقتصادية الوطنية بالعاصمة الأمريكية واشنطن: * بروفيسور بنزلر.. هل يواصل اليورو هبوطه الذي نراه الان؟ ــ نعم.. من المرجح ان يصل الى 80 سنتاً في وقت قريب قبل ان يعود المصرف المركزي الأوروبي الى التفكير في دعمه على نحو ما. ولكن المشكلة الان ان المصرفيين الأوروبيين غير مقتنعين بأن عليهم دعم اليورو الى مالانهاية. في 22 سبتمبر الماضي اشترك الكنديون والأمريكيون والبريطانيون واليابانيون والفرنسيون والالمان في شراء اليورو عن طريق مصارفهم المركزية لوقف تدهوره. وقتها كان سعر صرف العملة الأوروبية يبلغ نحو 86.9 سنتاً. وبعد هذه الحملة الجماعية ارتفع سعر الصرف هذا الى 90 سنتاً ولكن هذا الارتفاع استمر ليوم واحد, بعدها واصل اليورو الهبوط. والمعلومات المتوفرة حتى الان تقول ان الولايات المتحدة لن تشارك في أية عملية مشابهة لانقاذ اليورو قبل الانتخابات الأمريكية. المسألة هنا واضحة. فآلان جرينسبان لايريد اضعاف الدولار في هذه اللحظة السياسية الحساسة. وقد قضى العرف بأن يتجنب الاحتياطي الفيدرالي اي تحرك من شأنه اقلاق المؤشرات المالية الاساسية قبيل الانتخابات, اية انتخابات وليس هذه الانتخابات على وجه الحصر. لقد ابلغ وزير الخزانة (الامريكي) لورنس سمرز حاكم المصرف المركزي الأوروبي فيم دويزنبرج ان الولايات المتحدة ترفض التدخل الان. لقد تدخلنا قبل اسابيع قليلة ولم يفلح ذلك في وقف تدهور اليورو. واعتقد ايضاً ان البنك المركزي البريطاني ابلغ دويزنبرج ان لندن بدورها غير مستعدة للتدخل. لقد لحقت بنا خسائر كبيرة بسبب التدخلات السابقة. رغم ذلك فإنني اعتقد انه لو كان هناك اقتناع بأن التدخل سيوقف تدهور اليورو لتدخلنا. * ماذا سيوقف تدهوره اذن؟ ــ هناك بطبيعة الحال سياسات اقتصادية ومالية يجب مراجعتها. إلا ان تدهور سعر صرف اليورو يجب ان يوضع دائماً في سياق نسبي. ان اليورو لا يتدهور امام نفسه, انه يتدهور امام الدولار. وسوف اعطيك مثالاً بما حدث خلال هذا الشوط الاخير من التدهور. فقد تفجر الوضع في الشرق الاوسط, وشعر بعض أصحاب رؤوس الاموال بالقلق, ليس في المنطقة بصفة اساسية, ولكن في مراكز مالية كثيرة موزعة بين أوروبا وآسيا. فقد ظهر احتمال ازمة نفطية كبيرة, وتقلب شديد قد يطرأ على المنطقة. قد يكون هذاالتحليل للاوضاع في الشرق الاوسط تحليلاً مبسطاً, ولكن رؤوس الاموال تجزع من اية ضوضاء. وادت اضطرابات الشرق الاوسط الى تدفق حجم كبير من الاموال الى المنطقة الآمنة الاساسية, اي الدولار. وحتى اوضح أكثر مدى تأثير هذه القضية النسبية, اي علاقة اليورو بالدولار فإن عليّ ان اعود الى لحظة ولادة اليورو. لقد قيدت شروط الانضمام الى الاتحاد الاوروبي سياسات مالية كثيرة في الدول الاوروبية الأساسية. الولايات المتحدة مثلا لا تحفل كثيرا بديونها الخارجية. انها تحفل أساسا بتطوير جاذبيتها المالية وزيادة معدلات نموها الاقتصادي. وفي المقابل اشترط الاوروبيون مستوى منخفضا من الديون الخارجية ومعدلا بالغ الانخفاض للتضخم, وأدى ذلك الى ترتيب الأولويات المالية والاقتصادية في اوروبا على نحو مخالف تماما لما يحدث في الولايات المتحدة. على هذه الخلفية ولد اليورو.. لقد جاء في لحظة تقييد للسياسات المالية والاقتصادية الاوروبية بسبب شروط الانضمام للاتحاد, الا ان مشكلة اليورو الأساسية لم تتوقف عند هذا الحد. فقد ولدت العملة الاوروبية في وقت كانت الولايات المتحدة تشهد خلاله نموا اقتصاديا لم يسبق ان تحقق أبدا بنفس المعدلات وعلى امتداد هذه السنوات, أي على امتداد 8 سنوات متعاقبة كان من المحتم ان يفقد اليورو جاذبيته مع تزايد جاذبية الدولار. وكان ذلك يعني انخفاض سعر صرف اليورو ازاء سعر صرف الدولار. * لن يتوقف هذا الانخفاض إذن طالما بقي الاقتصاد الامريكي على نموه الراهن وطالما ظلت الاقتصادات الاوروبية قصيرة.. هل هذا ما تقصدونه؟ ــ كلا.. إن قسما من تراجع سعر صرف اليورو يرجع الى أمور يمكن تجنبها بسهولة. اعتقد مثلا ان تصريحات السيد دوينزبرج العلنية أسهمت في تراجع هذا السعر, فحين يقول حاكم لمصرف مركزي انه لن يتدخل لانقاذ عملته فكأنه يبلغ من يحتفظون بهذه العملة ان عليهم بيعها, وطبيعي ان يقوم أولئك ببيعها مما يؤدي الى مزيد من انخفاض سعر اليورو بحكم زيادة المعروض منه. هناك ايضا الاعراض السياسية الطارئة, مثل اضطرابات الشرق الاوسط أو أوضاع يوغسلافيا. وهذه الاعراض تنحو باليورو الى الانخفاض, الا انها أعراض مؤقتة ينتهي تأثيرها بانتهاء وجودها. فضلا عن هذا فإن توقعات النمو الاقتصادي في المانيا وفرنسا تبدو مشجعة, ومن المحتمل ان يؤدي لاستعادة هذين الاقتصاديين الكبيرين لعافيتهما الى اعادة قيود الاتحاد الأوروبي الى خلفية الصورة, أي الى تقليل التركيز الراهن على تأثير هذه القيود. ثم ان من المؤكد ان عودة ألمانيا وفرنسا الى تحقيق معدلات نمو مشجعة سيسفر عن قدر من استعادة الثقة باليورو. * لقد لاحظنا انه حين كان سعر صرف اليورو ازاء الدولار ينخفض بسرعة كان سعر صرف الين ازاء الدولار يرتفع والاوضاع الاقتصادية اليابانية ليست أفضل بالتأكيد من أوضاع أوروبا, ما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟ ــ التفسير بسيط, فقد أفلست احدى أكبر شركات التأمين في اليابان, أي شركة كايوي, ولأن شركات يابانية كثيرة كانت تحتفظ بقدر من أموالها داخل قنوات العمليات الاستثمارية لكايوي فإن خسائر كبيرة لحقت بهذه الشركات من انهيار كايوي, ونظرا لاحتياج هذه الشركات لتعويض خسارتها فإنها اضطرت الى سحب قدر من ودائعها بالخارج وشراء كميات كبيرة من العملة اليابانية لسد الفجوة التي حدثت على اثر انهيار كايوي. أدى ذلك الى زيادة الطلب على الين, ومن ثم ارتفاع سعره.. انها احدى هذه الظواهر المؤقتة التي كنا نتحدث عنها توا. * بماذا تنصح من يحتفظون باليورو الآن كوعاء استثماري؟ ــ إنني عادة لا أقدم نصائح من هذا النوع, ولكنني اتوقع ان تتدخل المصارف المركزية لمساعدة اليورو اذا ما وصل سعره الى 80 سنتا, كما انني اتوقع انخفاضا طفيفا في سعر صرف الدولار. ومع ذلك فإن هناك مشكلة تصريحات دوينزبرج العلنية, اعتقد انه ليس من الحكمة ان يتحدث حاكم مصرف مركزي عن سعر صرف عملته. انها احدى القواعد البديهية في العمل المصرفي. ولكن أمكن استدراج حاكم المصرف الاوروبي المركزي للادلاء بتصريحات من هذا النوع, فإن كان دوينزبرج لا يريد ان يرى المزيد من الانخفاض فإن عليه ان يلزم الصمت. * إذن يمكن لمن يحتفظ باليورو ان يُبقي عليه حتى يتحسن السعر بافتراض ان تحسنا سعريا سيحدث بالفعل؟ ــ ربما مع ذلك فإن الدولار سيبقى قويا طالما ظل الاقتصاد الامريكي في مساره الراهن, وطالما بقي العالم يرى في الولايات المتحدة قوة دولية مستقرة وقادرة على التأثير. لقد حول الاوروبيون خلال العام 1999 مثلا عشرات المليارات من الدولارات الى الولايات المتحدة حيث جرى ايداعها بالدولار.. انهم يدركون ان الدولار سيبقى قويا, حتى مع توقعات حدوث تراجع نسبي في سعر صرفه بعد الانتخابات.