تعتبر الأمة العربية من أهم الأمم التي اجتمعت لها كافة مقومات وعناصر التعاون والتنسيق والتكامل وهذه حقيقة مؤكدة عرفها التاريخ عبر مراحله الزمنية منذ اقدم العصور ويدركها الجميع, ورغم أهمية هذه الحقيقة وإدراك أبعادها وتأثيرها على كيان هذه الأمة إلا ان استغلال واستثمار هذه العوامل لم يكن في مستوى الطموحات والآمال.. فمن المعروف ان التعاون وسيلة لتحقيق التكامل وأهم صور هذه الوسيلة يبرز التعاون الاقتصادي والذي يستهدف تحقيق التكامل الاقتصادي الذي اصبح من الاهمية بمكان وخاصة في ظل الظروف الراهنة التي تعتمد على قوة التكتلات الاقتصادية في صياغة مفهوم الاقتصاد العالمي وفقا لمصالح هذه التكلات وتطلعاتها إذ لم يعد هناك مكان لمفهوم الاقتصاد المنفرد للدولة بحكم صعوبة العزل أي دولة عما يجري في العالم من متغيرات وأحداث إلى جانب عدم إمكانية أي دولة في ان تحقق الاكتفاء الذاتي لكافة احتياجات ومتطلبات شعبها دون تعاون أو تعامل مع دول اخرى. ولهذا فإننا وفي ظل هذه الصورة مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأن نستثمر مقومات التكامل الاقتصادي العربي وأن نعقد العزم على تجاوز العقبات لنخترق سويا الطريق نحو تحقيق هذا التكامل مستفيدين من المقومات والعناصر التي يزخر بها وطننا العربي ومن حصيلة تجارب خبرات الأمم التي اتخذت من وسائل ومجالات التعاون الممكنة طريقا للإسهام في تنمية وتطوير العلاقات بين شعوبها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً. واعتقد ان الغالبية تتفق معي في ان تجربة التكامل الاقتصادي التي قطعت خطوات متقدمة في دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر بحق تجربة رائدة يمكن ان تكون نموذجاً واقعياً ومثالاً حياً للمضي في تحقيق الحلم العربي للتكامل الاقتصادي. وفي الواقع فلقد شهد التعاون الاقتصادي العربي قبل وبعد قيام منظومة مجلس التعاون الخليجي تطورا كبيراً بدأ منذ تأسيس جامعة الدول العربية التي سعت اجهزتها وهيئاتها التابعة الى ترسيخ الجهود من اجل تنمية وتقوية الاقتصاد العربي ضمن أطر من التنسيق والتعاون والتكامل ولكن على الرغم من هذه الجهود المبذولة فقد ظل التطور محدودا وبدون اطار تكاملي واضح المعالم وذلك بسبب تداخل عوامل وظروف سياسية ومؤثرات دولية نعلمها جيداً. وكما هو معروف فإن درجات ومراحل التكامل الاقتصادي تبدأ بمرحلة المعاملة التفضيلية ثم منطقة التجارة الحرة فالاتحاد الجمركي ويلي ذلك مراحل تأسيس السوق المشتركة والوحدة الاقتصادية فالاندماج الاقتصادي الكامل وقد حاولت الدول العربية وسعت الى وضع استراتيجية للعمل الاقتصادي العربي لبلوغ هذه المراحل ولكنها واجهت معوقات وعقبات امام ترجمة هذه الاستراتيجية لواقع عملي ملموس يعتمد في التنفيذ على التخطيط والتعاون على كافة الأصعدة والمجالات الاقتصادية. وفي رأينا ان مواجهة هذه التحديات يمكن ان تتحقق من خلال تعبئة القدرات والطاقات للعمل على استمرار السياسات التي بدأت في انتهاجها غالبية الدول العربية لتغيير هياكلها الانتاجية والتسويقية وبالتالي الاستثمار الأمثل للموارد ومن ثم تحديد أسس مواجهة انعكاسات العولمة على اقتصادياتها الى جانب التأكيد على أهمية مواصلة دعم دور المنظمات الاقتصادية العربية لتعزيز ديناميكية العمل الاقتصادي المشترك في ظل آليات السوق العالمي والتسارع نحو ترسيخ مفهوم العولمة واتساع حجم التعامل من خلال عمليات التجارة الالكترونية. ومما لاشك فيه فان متابعة انجاز منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والاسراع في خطواتها التنفيذية خطوة هامة على الطريق الصحيح ستفتح بالتأكيد آفاقاً أرحب في تطوير العلاقات الاقتصادية العربية وفي تعزيز التعاون المشترك لصالح التنمية والتطوير في وطننا العربي الكبير وبما يمكن من التعايش مع العولمة والاستفادة من ايجابياتها وتقليل تأثيراتها السلبية على الاقتصاد العربي.