قد تكون أكثر القصص شيوعا في مجال نشاط الأعمال اليوم هي عمليات الاندماج الضخمة بين الشركات وبشكل خاص عمليات الاندماج العابرة للحدود, وهذا لا يعني انها مضت دون ان يلحظها أحد. العكس هو الصحيح, فقد حدثت بسرعة كبيرة مثل اندماج دايملر/بنز وكرايسلر وايكسون وموبيل وسيتيكورب وترافيلرز لدرجة انها أربكتنا, ونحن لسنا بقادرين حتى الآن على قياس أهميتها الحقيقية, فربما تعمل هذه الاندماجات على نشر التكنولوجيا وتخفيض التكاليف أو ربما تفرّخ نفايات مشتركة وبناء سلطويا. وربما تحدث تركيزات خطيرة للقوة أو تحيي النظام المناهض للاحتكار, وفي الآونة الأخيرة, احبطت المفوضية الاوروبية مشروع اندماج بين شركتي تايم وارنر والشركة البريطانية العملاقة المتخصصة في الموسيقى (إي.ام آي) لأنها كان من الممكن ان تهيمن على صناعة التسجيل الموسيقي. ونحن لا نعرف تماما العواقب الأكبر, وبموجب النظرية التقليدية المناهضة للاحتكار. فإن من شأن عمليات الاندماج الراهنة تتزامن مع تغير تكنولوجي هائل ومنافسة محتدمة, وقد يعني هذا ان النظرية التقليدية المناهضة للاحتكار معيبة, أو ان هذا قد يعني ان الشركات تحاول اخماد المنافسة من خلال عمليات الاندماج. وعلى الرغم من الشكوك, الا ان من الواضح ان شيئا خطيرا يحدث. ففي عام ,1999 وصل حجم عمليات اندماج وامتلاك الشركات الامريكية الى 5.1 تريليون دولار بحسب ميرجستات وهي شركة بحوث مقرها لوس انجلوس. ومنذ عام 1994 تجاوز الاجمالي التراكمي لعمليات الاندماج والتملك 5 تريليونات دولار (هذه الارقام تغطي أية عملية اندماج تضم شركة امريكية كمشتر أو بائع). ما الذي يدفع الى هذا الانفجار في عمليات الاندماج؟ إن الدوافع المعلنة تتعاقب في سلسلة متناغمة, فهناك النظريات الاقتصادية عتيقة الطراز والتي تقول (اشتر منافسك على أمل تحقيق بعض التوفير في النفقات) أو ربما بعض النفوذ في السوق. وهذا المنطق ينطبق على الاندماج بين شركتي ايكسون وموبيل والعديد من الشركات الأخرى. ثم هناك دافع تفكيك الاسواق القديمة, فالبنوك وبيوت السمسرة تشهد اندماجا, لأن خدمات السمسرة والخدمات المصرفية التقليدية تندمجان في خدمة واحدة لادارة الاحتياجات المالية للأشخاص والشركات. ودعونا لا ننسى التكنولوجيا التي تعيد تعريف العديد من الصناعات الكبيرة. وقد أقدمت شركة (ايه.تي آند تي) على شراء شركتي (تي.سي.آي) و(ميديا ون) وهما شركتا كوابل عملاقة, لأن الهاتف والتلفزيون والاتصالات عبر الانترنت من المفترض ان يشهدا تحولا. وتعتبر العولمة آخر دافع للاندماج وأكثرها اثارة, كانت الاندماجات عبر الحدود في يوم من الايام نادرة الحدوث, لكن الأمر لم يعد كذلك. ففي عام 1999 بلغ الحجم الاجمالي لعمليات الاندماج هذه 720 مليار دولار, وذلك حسب دراسة صدرت عن الأمم المتحدة (هذه الارقام تغطي جميع العمليات الدولية). الشركات تتطلع لأسواق جديدة والحكومات باتت أكثر تقبلا للاستثمار الاجنبي. وفي الفترة ما بين 1991 و1999 أدخلت الحكومات 035.1 تغييرا قانونيا وتنظيميا يؤثر على المستثمرين الاجانب, حسبما تقول الأمم المتحدة. كما ان تسع حكومات من بين كل عشر حكومات تفضل المزيد من الاستثمار. ولكن وعلى نحو يثير الاهتمام, فإن الهدف الأكبر لعمليات الاندماج والتملك العالمية كان الولايات المتحدة. وفي عام 1999 دفع الاجانب 233 مليار دولار لشراء شركات امريكية. وفي أوساط العديد من الشركات, اجنبية وامريكية, فإن الحافز على التوسع عالميا يتغذى على الذعر, ويقول كارل سوفاتت مدير الدراسة التي أصدرتها الأمم المتحدة: (عليك ان تتحرك بسرعة والا فإن منافسك سيكون هناك أولا... فالأمر يتعلق بالنفوذ في السوق والتعاون بين الشركات ونشر المخاطرة بين العديد من الدول. وفي بعض الاحيان, تدفع التكنولوجيا المتغيرة الشركات الى التوجه عالميا, فقد اقترحت شركة دويتشة تيليكوم, وهي شركة هواتف ألمانية, شراء فوبس ستريم, وهي شركة اجهزة اتصال لاسلكية امريكية للحصول على موطىء قدم في الاسواق الامريكية, والنظرية تتمثل في انه في التكنولوجيا اللاسلكية, فإن الشركات ذات الحجم والنفوذ العالمي هي وحدها التي تستطيع البقاء في النهاية. وهذه النظرية تبدو معقولة, بل انها قد تكون صحيحة, لكن كل موجة اندماجات سابقة كان لها نظريات والعديد منها كان خاطئا. ووفقا للثقافة الاكاديمية, فإن الاندماجات الكبيرة غالبا ما تمنى بالفشل, وهذه الاخفاقات السابقة لم تسهم كثيرا في ردع مدراء الشركات الحاليين. ويقول سوفاتت ان (الأمر أشبه بالزواج, فأنت تعرف ان 50% من الحالات تفشل, ولكنك لا تعتقد بأن زواجك سيكون من بينها). وقد يكون الأمر ان قرارات الشركات لم تتحسن, خذ على سبيل المثال الاندماج الذي حصل في عام 1998 بين دايملر وكرايسلر. كان المهندسان لهذه العملية هما رئيس مجلس ادارة دايملر جورجين شريمب ورئيس مجلس ادارة كرايسلر في حينه روبرت ايتون. وكتب بيل فلاسيتش وبرادلي ستيرتز في كتابهما الرائع بعنوان (المخطوف: كيف انطلقت دايملربنز مع كرايسلر) يقولان ان: (ايتون سعى وراء الجودة والهندسة التي لدى دايملر. وانتهج شريمب نهج كرايسلر الشجاع وردود افعالها السريعة). وستكون التوفيرات هائلة, حيث ستبلغ 4.1 مليار دولار في السنة الاولى لوحدها. ربما يتحقق الحلم في يوم من الايام, فهو لم يتحقق حتى الآن. فالربحية الاجمالية تشهد تناقصاً على الرغم من ان الشركة تقول انها حققت توفيرات في السنة الاولى وفي الربع الثالث من العام, اعلنت كرايسلر اول خسارة تشغيلية لها وبلغت 530 مليون دولار منذ الربع الثالث من عام 1991. ويشير فلاسيتش وستيريز إلى ان صراعات شخصية وثقافية سادت الموضوع. وقد انخفض سهم الشركة في الاسواق. فبعد الاندماج افتتح السهم بسعر 75 دولاراً وارتفع إلى 108 دولارات في بداية عام 1999. ولكن جرى تداوله مؤخراً بسعر يتراوح بين 43 و50 دولاراً. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: هل عمليات الاندماج جميعها تحقق مغزى اقتصادياً؟ هناك نظريتان واسعتان حول هذا الموضوع. نظرية تقول بأن عمليات الاندماج تنعش الاقتصاد. فهي تحرك الامور وتطور تقنيات جديدة وتحسن من الربحية. وهي تحافظ على حالة الازدهار الاقتصادي. والنظرية الثانية تقول ان عمليات الاندماج هي من نتاج الازدهار الاقتصادي. فالاسعار العالية للاسهم والارباح الدسمة جعلت المدراء التنفيذيون للشركات يجدون في البحث عن عمليات تملك ستؤدي في النهاية إلى تقويض الارباح واسعار الاسهم والازدهار لان ما يغذيها هو الطموح وليس المنطق. بقلم: روبرت صامويلسون