تفرض أولية تجربة التجارة عبر الشبكة العنكبوتية وبداءتها عددا من الإشكاليات. فسابقا عندما كانت إحدى الشركات المتخصصة في صناعة من الصناعات تواجه مشكلة من ناحية الأرباح, كانت تجد لها سابقة ومثالا متقدما تحذو حذوه وتستفيد من أخطائه ومنجزاته. لكن شركات التجارة الالكترونية وجدت نفسها صفا أول ولا سابق لها, وفي الوقت نفسه عليها البحث عن نمط محدد تحقق من خلاله أرباحها المنشودة. ولستر ثرو وإن كان يعترف بهذه المشكلة, فإنه يراهن على أن تجارة الخدمات بواسطة الإنترنت ستقدم من بين إرهاصات البحث عن نمط الربح المثال الذي ستقلده شركات التخصصات الأخرى, لتصل جميعها في النهاية إلى أهدافها. عادة ما تؤدي التقنيات الحديثة إلى إجبار رجال الأعمال على تغيير نمط أعمالهم وأساليبهم التجارية. فكيف يتسنى للفرد أن يضع أموالا عن طريق التقنيات الحديثة؟ وأين تكمن إمكانية تحقيق أكبر قدر من الفوائد والأرباح في أي مجال إنتاجي؟ ففي مجال السيارات ـ على سبيل المثال ـ يتضح أن هذه الصناعة تأتي بمعظم أرباحها من تصنيع وبيع الحافلات الخفيفة والمركبات الكبيرة الحجم, فالسيارات الصغيرة الحجم تأتي بمكاسب قليلة. لكن إذا حدث أي ارتفاع في أسعار الوقود, يتحول اتجاه المستهلك على نحو فجائي إلى هذه السيارات الصغيرة, كما حدث في فترة السبعينات. وعندما يحدث تحول في أذواق المستهلكين, فإن الأمر يستغرق وقتا طويلا لتصميم وبناء المصانع والاستعداد لتغيير خط الإنتاج من أجل مواكبة التطور الحاصل في أذواق ورغبة المستهلكين. وهذه الفجوة الزمنية التي يتسبب فيها تغير وجهة المستهلك, هي التي منحت اليابانيين هامش تميز في فترة السبعينات مكنتهم من اقتحام الأسواق العالمية في أعقاب أول صدمة كبرى عانت منها أسواق النفط العالمية. فالذي حدث أنه تم تحقيق أكبر هامش ربحي من خلال تأجير السيارات, وليس من خلال تصنيع سيارات جديدة فكان الغرض من تصنيع السيارات تأجيرها. إن المشكلة الكبيرة التي تقابلها الشركات التجارية العاملة عبر شبكة الإنترنت, هي أن هذه الشركات عليها أن تقوم بالتوصل إلى نمط عملي جديد, من أجل تحقيق قنوات توزيع جديدة. وبما أنه لم يعمل أحد من قبل في تجارة التجزئة الالكترونية عبر هذه الشبكة العملاقة, فإن هذه الشركات لا يوجد لديها من يمكن أن تقلده أو تسير على خطاه. فليس لدى هذه الشركات أمثلة معينة يمكن أن تستفيد منها, ولذا تجد نفسها مضطرة إلى أن تقوم باختراع وسائل حديثة. وفي هذا الصدد أراهن شخصيا على شركات تسليم المنتجات والخدمات. فمن السهل أن يصبح الفرد أو الشركة جهة تبيع بضائع وخدمات بالتجزئة عبر الإنترنت, وذلك يرجع إلى توافر وسهولة الحصول على التكنولوجيا الخاصة بذلك, علاوة على أن البيع بالتجزئة عبر الشبكة العنكبوتية أصبح تجارة ذات هامش تنافسي كبير. إلا أنه على الرغم من ذلك, فإن عملية توصيل الخدمات والمنتجات إلى كل منزل في الولايات المتحدة الأمريكية عبر حافلات تسليم البضائع ليس بالشيء الهين. فهناك شركتان فقط تتبعان القطاع الخاص, وهي شركة UPS وشركة FEDEX, تقومان بهذا العمل بشكل ناجح, إلى جانب الوكالة العامة التابعة للقطاع الحكومي. وفي ضوء المنافسة الموجودة في هذا المجال, تعتبر عملية اقتحام هذا النوع من التجارة من قبيل المحال. ونجد أيضا أن العاملين في مجال التجارة الالكترونية يزيدون من حجم أموالهم عن طريق رفع قيمة تسليم البضائع, حيث وصل الأمر إلى أنهم يتقاضون من العميل أكثر بكثير مما تتقاضاه شركات تسليم البضائع منهم. إلا أن شركات التجارة الالكترونية لا تلقى قبولا واسعا في سوق البورصة في الوقت الحالي, وهذا يرجع إلى أنه حتى الآن لم تستطع أي من هذه الشركات أن تجد نمطا ثابتا من الأعمال يمكن من خلاله الحصول على أرباح بشكل ثابت ومستقر. لكن الأمر الثابت في هذا الشأن هو أن هذا النمط سيتم العثور عليه عاجلا أم آجلا من قبل شركة ما, وستقوم الشركات الأخرى بتقليد هذا النمط. بيد أن الفترة الحالية تشهد نوعا من التخبط لهذا النوع من الصناعة, حيث تزداد نسبة المبيعات بشكل سريع, لكن مع تدني الأرباح والفوائد بشكل أسرع وأكبر. إن أفضل مثال لما تحدثه التقنيات الحديثة من إجبار لصناعة ما على تبني نمط عملي وتجاري جديد ضمن إطار قديم, هو صناعة الأقراص المسموعة. فالمشكلة في هذه الصناعة ليست تبادل الأقراص الموسيقية مثلا واقتسامها عبر موقع نابستر Napster, فقضايا التعدي على حقوق النشر سوف تؤدي في القريب إلى إغلاق هذا الموقع. إلا أن الأمر الأصعب والذي يعد تقريبا من الأمور المستحيلة! هو منع ملايين الأشخاص عبر العالم من تبادل المواد الموسيقية واقتسامها مع بعضهم البعض عن طريق استعمال تكنولوجيا الضغط الالكتروني MP3, إلا أنه مع تزايد تبادل المواد الموسيقية وتقاسمها من قبل الشباب وصغار السن, ستقل بشكل كبير عملية بيع الأقراص المدمجة, وبالتالي فإن الصناعة ككل ـ من مغنين ومنتجين وشركات إعلان وتجار ـ ستقل مكاسبها, وربما لن تكفي الأرباح عملية استمرار الصناعة نفسها. وأحد الخيارات المطروحة هنا, والذي ربما يعتبر عمليا بدرجة أكبر من سابقه, هو التوقف عن بيع الأشرطة والأقراص الموسيقية وبيع فترات سماع الموسيقى بدلا منها, حيث يطلب من الفرد أن يدفع مقابل سماع موسيقى عبر أي مكبر صوت سواء في السيارة أو المنزل أو على جهاز الكمبيوتر, وفي الوقت نفسه منع إمكانية تفريغ أية مواد موسيقية داخل الحاسوب أو أي جهاز آخر, يمكن من خلاله سماع المادة الموسيقية. وفي هذه الحالة سيكون على راديو السيارة الخاصة بالشخص أن يتلقى موسيقى الأقراص المدمجة عبر الموجات الهوائية, كما هو الأمر عند سماع موسيقى FM. وبالتالي فإن الشخص سيدفع مقابل الإنصات واستماع الأغاني أو المقطوعات الموسيقية, وهذا النوع من دفع الأموال سيتطلب بالطبع أجهزة معينة وطريقة دفع متطورة ومعقدة ومختلفة عما يجري الآن, وهو الأمر الذي سيؤدي إلى إيجاد وظهور نمط جديد تماما من الأعمال والصناعة الموسيقية ككل. وفي الوقت الذي تبدو فيه صناعة الموسيقى تواجه مشكلة كبيرة, فإن كل الصناعات تقريبا في طريقها إلى أن تواجه مشكلات مماثلة, فالأسلوب القديم للحصول على أرباح أصبح غير مجد, فالأمر أصبح يتطلب الوصول إلى نمط حديث في هذا الشأن. لستر ثرو _ العميد السابق لكلية سلون الأمريكية للإدارة