قليل هو عدد المديرين التنفيذيين ومسئولي اقسام المبيعات الذين يطرحون على انفسهم السؤالين التاليين: (ما هو الشىء الذي يغري المشترين بدفع هذه الاموال الكثيرة؟ (وما هو الشيء الذي يشترونه حقا؟) وقد تبدو مثل هذه الاسئلة. لاول وهلة. سخيفة ولا محل لها, ولكنها في حقيقة الامر اسئلة يتعين على جميع الموظفين من قمة الهرم الادار ي حتى قاعدته, السعى للتعرف على الاجابة عنها. ولكن الاجابة عن هذه الاسئلة البسيطة ليست سهلة, كما يعتقد البعض. لقد قال الباحث الامريكي تيودور ليفيت: (لا يوجد شىء اسمه البضائع والسلع). هذه العبارة تضيف مزيدا من الغموض, لأنها تؤكد ان الزبائن لا يشترون ما تعرضه المؤسسات التجارية للبيع, ولكنهم يشترون الاشياء التي تقدمها لهم تلك السلع والخدمات. لتوضيح الامر دعونا نتأمل المناشدة التالية لزبون مجهول! (لا تبعني ملابس, بل مظهرا انيقا وجذابا ومتفردا. لا تبعني تأمينا, بل راحة البال ومستقبلا مأمونا لى ولعائلتي. لا تبعني منزلا, بل راحة وطمأنينة واستثمارا مجديا واحساسا بالفخر لحيازة وتملك منزل. لا تبعني كتبا, بل لحظات سعيدة وفائدة للمعرفة. لا تبعني لعب اطفال, بل لحظات طفولة سعيدة لابنائي. لا تبعني اطارات لسيارتي, بل تحرراً من اية مخاوف. ارجوك لا تبعني اشياء بل مثاليات واحاسيس واحتراما للذات وحياة منزلية هانئة وسعادة غامرة) وعلى الرغم من عرض الملايين من السلع والبضائع والمنتجات والخدمات للبيع في اسواق اليوم, فإن الناس يبادلون الاموال التي يجمعونها بصعوبة بشيئين اثنين فقط هما: ــ المشاعر الجيدة. ــ حلول المشكلات. ويعتمد نجاح أو فشل أية مؤسسة تجارية على عدد الناس الذين تقدم لهم هذين الحافزين المهمين, والكيفية التي تقدمهما بها. وكما قال فرانسيس روجرز, النائب السابق لرئيس المبيعات بمؤسسة آي. بي. إم: (ان السر يكمن في تفهم مشكلات الزبون وتقديم الحلول لتلك المشكلات لمساعدة الزبون على عقد صفقة مربحة وإشاعة إحساس رائع في نفسه). واذا كان الزبائن يشترون الاحاسيس الرائعة والحلول, فإنه يجب معرفة كيفية توفيرها, وهذا يعني بدوره مزيداً من التفهم لاحاسيس الزبائن وكيفية اتخاذهم قرارات الشراء, لأن العواطف هي غالباً التي تحكم عملية اتخاذ تلك القرارات, ثم تنتقل من شخص لاخر مثل الفيروس بواسطة الزبائن انفسهم, وبحسب رأيهم في نوعية الخدمات والسلع التي يشترونها. دعونا نتأمل الان هذين المفهومين, ونحاول تطبيقهما على الزبائن. ان أهم شيء يجب ان نتذكره هو ان العواطف هي التي تدفع الناس للشراء, وان المنطق هو الذي يبرر أسباب الشراء, وفي معظم الحالات لايشتري الانسان ما يحتاجه حقيقة, بل هو يشتري ما يرغب في الحصول عليه. والرغبة في الشراء تعتمد على الاحاسيس والمشاعر, فعلى سبيل المثال يحتاج الانسان للطعام, ولكنه يرغب في تناول طبق من السمك في وجبة العشاء, كما يحتاج الانسان لوسيلة مواصلات ولكنه يرغب في الحصول على سيارة صغيرة معينة, وعندما يقرر الانسان انه يرغب حقيقة في الحصول على سيارة ما, يفكر بعدها في كل الاسباب المنطقية لشرائها, مثل سرعتها وعدم استهلاكها كميات كبيرة من الوقود, وسهولة ايجاد موقف لها, إضافة الى فترة الضمان التي يقدمها الوكيل. وهكذا فإنه يشتري السيارة, ثم يقنع نفسه بأن قرار الشراء كان قراراً منطقياً وصحيحاً, ولكن ذلك ليس هو السبب الحقيقي لشراء السيارة, بل اشتراها لأنها تجعله يشعر وكأنه عصفور يحلق حراً بعد ان ظل داخل القفص لمدة طويلة, لقد اشتراها لأنه سيحس بغبطة حين ترمقه نظرات الاعجاب وهو يقود السيارة مفتوحة السقف بشوارع المدينة, أو اشتراها لأن التقنيات الحديثة التي تتوافر فيها, وشكلها الانسيابي الرائع وسلاسة قيادتها, تجعله يشعر بالاهمية, وانه يعيش في حاضر متطور, وهو اشتراها لأنها تجعله يحس بالمتعة, وهكذا نجد ان العواطف والمشاعر هي التي تتسبب في دفع الناس للشراء في معظم الحالات. وقد اتفق خبراء علم النفس على ان الانسان, أي انسان, يشعر بأربعة احاسيس اساسية, هي: الفرح والحزن والجنون والخوف, وهي حالات عاطفية يشعر الانسان بأي منها خلال ساعات اليوم, وطوال حياته. وقد يتساءل البعض عن احاسيس اخرى, مثل الحب والكراهية والشفقة, ان هذه الاحاسيس هي مجرد حالات متضمنة داخل العواطف الاربع الاساسية. الحب, على سبيل المثال, هو حالة من الفرح, والكراهية حالة من الجنون, والشفقة حالة خاصة من الحزن. وهكذا, فإن الانسان يكون في لحظات حياته إما فرحا, أو مجنونا, أو خائفا أو حزينا, كما ان تلك الحالة العاطفية هي التي تتحكم في سلوكه وتصرفاته. وزهم ما يجب ان نتذكره هنا هو ان الزبائن يشترون فقط عندما يكونون تحت تأثير احساس بالسعادة والفرح بالبائع والمنتجات والخدمات, أما إذا حولهم البائعون الى مجانين, فإنهم إما ينصرفون عنهم بهدوء أو يحيلون حياتهم الى عذاب حقيقي, ولكنهم لن يقوموا بشراء أي شيء. ويحدث الشىء نفسه اذا أدخل البائعون الحزن في نفوس الزبائن, لأن الحزن يتسبب عادة في الانسحاب, أما اذا ادخل البائعون الخوف في نفوس الزبائن, فإنهم قد ينسحبون, إلا انهم سوف لن يقوموا بشراء اي شيء على الاطلاق. وهكذا نجد ان القاعدة تقول: (ان الناس ينفقون اموالهم عندما يكونون في حالة عاطفية جيدة, انها معادلة في غاية البساطة. وقد اكتشف والت ديزني هذه المعادلة البسيطة, وهذا هو السبب الحقيقي الذي ادى لتحويل مؤسسته لصرح عالمي يحقق ارباحاً طائلة كل عام. ومن الحقائق البديهية الشائعة في مجال التسويق والمبيعات ان الناس لايشترون السلع والبضائع, ولكنهم يشترون حلولا للمشكلات. وعندما يقوم الناس بشراء هذه الحلول, فإنهم في حقيقة الأمر يشترون الامل بالاحساس بالفرح, لذا فإن الاجابة عن السؤال هل يشعر الزبون بالفرح أم الجنون أم الحزن أم الخوف عندما يجد حلا لمشكلته؟ انه سيشعر بالفرح وليس بأي احساس آخر. ولكن ما هو تعريف المشكلة؟ ان افضل تعريف هو ان المشكلة هي ذلك الفرق بين ما لديك وبين ما ترغب فيه, وعلى هذا الاساس ينبغي ان يتم طرح هذين السؤالين على الزبون., السؤال الأول هو (ماذا لديك؟ أو ما هو الموقف الان؟ والسؤال الثاني هو ماذا تريد؟ أو كيف تريد ان يكون الموقف؟ وبعد الحصول على الاجابة لهذين السؤالين, يمكن اتخاذ القرار بامكانية ايجاد حل للمشكلة وكيفية ذلك, ولكن لحين معرفة الاجابة عن تلك الاسئلة, فإن اي حل للمشكلة سيكون مجرد مصادفة أو ضربة حظ. وقد تعرض إحدى المؤسسات التجارية أفضل المنتجات والخدمات في السوق, ولكن الذي يحدد نجاح أو فشل تلك المؤسسة هو ماهية شعور الزبائن فيما يتعلق بتلك المنتجات والخدمات, فإذا أحس الزبائن بالرضاء, فإنهم سوف يشترون ويعودون مرة اخرى ويزداد عددهم بالتدريج, وإذا لم يحسوا بذلك, فإنهم لن يفعلوا, ولن يفعل غيرهم. وعند وضع هذا في الاعتبار ننصح باتباع الافكار الرئيسية التالية, التي يمكن استخدامها في إضافة بعد آخر للعمل داخل المؤسسات التجارية, خاصة الاقسام المسئولة عن التعامل المباشر مع الزبائن: ــ كن بشوشا, وتذكر دائما ان الناس يشترون عندما يحسون بذلك الاحساس الغامر بالفرح, والاحاسيس مثل الفيروسات المعدية تنتقل من انسان لآخر, لذا كن ناقلا لهذا الفيروس المفيد, لأن البشر يعشقون التسوق اينما وحيثما احسوا بالفرح. وقد يتساءل البعض هنا: (انني لا أحس بالسرور والفرح بمكان العمل, واشعر في بعض الاوقات بالخوف والحزن أو الجنون, فماذا أفعل؟). حسنا, ان هناك أسلوبا رائعا يساعد كثيراً في الاحساس بالسرور, وهو (تصرف بالطريقة التي ترغب في ان تحس بها, وسوف تحس بالطريقة التي تتصرف بها). إننا نعلم جميعنا ان التصرفات تلي الاحاسيس والمشاعر, إننا نحس بطريقة معينة, ويحكم ذلك الاحساس سلوكنا وتصرفاتنا, ان الاحاسيس تلي التصرفات, وعليه, اذا اراد الانسان ان يشعر بالسرور والفرح, فيجب عليه ان يتصرف بابتهاج وسرور, وافضل اسلوب لمعالجة حالات الحزن والجنون والخوف هو الوقوف امام مرآة صافية ورسم ابتسامة عريضة وصادقة, ليست زائفة او مفتعلة, إن تكرار هذه العملية يساعد كثيرا في البداية الفعلية للاحساس بالسرور والفرح والبهجة, ذلك لأن المشاعر تتبع التصرفات. وهناك اسلوب آخر للمحافظة على حالات البهجة والسرور واستمراريتها, هو ان نتذكر عندما تسوء الاحوال ان الامور دائما ما تبدو اكبر اهمية مما هي عليه حقيقة في الوقت الحاضر, فالحاضر يحد من قدرتنا على رؤية الاشياء, إلا اذا اعترفنا بهذا وعدلنا تفكيرنا للتعويض عنه, وهنا يفضل طرح السؤال التالي (كيف تكون اهمية هذه الامور خلال الشهر المقبل, او العام المقبل؟) ستكون عديمة الاهمية في الغالب. ويقول المثل القديم (الافيال لا تعض), بينما البراغيث قد تقود الانسان للجنون, ان لم يكافحها. وعليه, كن سعيدا, لمصلحة المؤسسة ولمصلحتك الخاصة. ــ لا تخبر الزبائن بالمشكلات التي تعاني منها, حيث ان 99% منهم لن يبدو اي اهتمام بتلك المشكلات, وستكون النسبة المتبقية سعيدة للغاية لمعرفة انك تعاني مثلهم تماما. ان البوح بالمشكلات والمصاعب يضيف كثيرا من الحزن لأولئك المحزونين اصلا, كما ان الانسان الحزين لا يجد مكانا يمكن ان يتسوق منه سوى مكاتب الحانوتية, واذا ارادت احدى المؤسسات التجارية طرد زبائنها, فما عليها إلا ان تنقل لهم الاخبار السيئة. ان العيش في هذه الحياة ليس امرا سهلا لجميع البشر, ونحن جميعنا نعاني من مشكلات ما, وقد نضطر للبوح بها, ولكن ليس للزبائن. وفي السياق نفسه يتعين تشجيع الزبائن على البوح فقط بالمشاكلات التي يمكن ان نجد الحلول المناسبة لها, ولهذا يفضل ألا نبادر باستقبال الزبون بطرح سؤال مثل (كيف حالك؟) لان مثل هذا السؤال يشجع الزبون على كشف المشكلات التي يعاني منها, الأمر الذي يؤثر سلبا على حالته العاطفة ويغادر المؤسسة وهو في وضع نفسي سيىء, وبدلا من ذلك يمكن استقبال الزبون بعبارات مثل (انا سعيد لرؤيتك!). ــ تذكر دائما ان الزبائن يشترون لاسباب خاصة بهم, وليس لاسباب خاصة بنا. وكما قال جورج برناردشو: (ليس من الحكمة ان تفرض رأيك على الاخرين لانك لا تقبل ان يفرض الاخرون رأيهم عليك, فقد لا تتفق اذواقهم مع ذوقك). فالتركيبة العاطفية تختلف من انسان لآخر, كما تختلف المشكلات ونوعية الحلول, والمؤسسة التجارية الناجحة تستقطب الزبائن وتحافظ عليهم بتقديم الاشياء التي يرغبون في الحصول عليها, وليس تلك الاشياء التي نعتقد بأنه يتعين عليهم ان يحصلوا عليها. وتعتمد نسبة 75% من القرارات التي تتعلق بالشراء على رغبات واحتياجات لا ارادية وغير مادية, مثل العادات والنفوذ وحب الظهور وحشد هائل من النزعات الاخرى. وبالطبع, فإن عددا قليلا من الزبائن سيعترف او حتى يدرك انه انما يستجيب لمشاعر عاطفية واسباب لا ارادية وغير مدركة تدفعه للشراء, والمهمة الرئيسية للمؤسسات التجارية وافراد اقسام المبيعات هي تلبية رغبات الزبائن واحتياجاتهم بطريقة تجعلهم يحسون بالسرور والفرح. وعلى سبيل المثال كيف يتعامل البائع مع الزبون الشغوف بالمفاصلة والمساومة؟ ان افضل اسلوب للتعامل مع مثل هذا الزبون هو توضيح الفرق بين الخدمات والسلع التي توفرها المؤسسة وبين السلع والخدمات الاخرى, واقناع الزبون بأنه سيحصل على افضل قيمة للاموال التي يدفعها. وماذا اذا كان الزبون من ذلك النوع الذي يعتقد بأنه شخصية مهمة للغاية؟ يجب على البائع في هذه الحالة تغذية شعور الزبون بأهميته ومدح ذوقه وحكمته وثقته في السلع والخدمات التي تعرضها المؤسسة, واذا اعتقد البائع ان الزبون اتخذ قرارا سيندم عليه لاحقا, يفضل ان يشرح له بتهذيب وادب شديدين عواقب ذلك القرار ثم ينسحب في هؤء, إن الزبون ينفق امواله بالطريقة التي يختارها هدوء وليس اي انسان آخر, ولهذا يلزم عدم اخطاره بخطأ قراره, وإلا اصابه الجنون, الذي يدفع الزبائن لعدم الشراء او العودة مرة اخرى. ــ تصرف وكأنك الصلة الوحيدة للزبون بالمؤسسة وكأن سمعة المؤسسة وصورتها الشخصية تعتمد عليك انت فقط, إن هذا هو بالتحديد ما تشجع شركة مثل آي. بي. إم موظفيها على القيام به, فالزبون ينظر للبائع كمؤسسة وليس كانسان عادي, ولهذا فإن قراره بالاستمرار في التعامل مع المؤسسة رهن بتصرفات البائع. ــ استخدام المنطق والعاطفة في كسب الزبائن والمحافظة عليهم, حيث يجب عدم التقليل من اهمية المنطق, على الرغم من ان غالبية القرارات المتعلقة بعمليات الشراء يتم اتخاذها عاطفيا, إن العاطفة هي التي تدفع الزبون للشراء, أما المنطق فهو الشيء الوحيد الذي يقنعه بالبقاء كزبون. وقد يحدث ان يعجب احد الزبائن بسلعة ما ويقرر شراءها, ويندم لاحقا على دفع امواله مقابل سلعة لم تشبع رغباته, ويعرف هذا بالندم الذي يلي القرار, وهو يتسبب في الحاق اضرار كبيرة بالمؤسسات التجارية, فالزبائن الذين يساورهم مثل هذا الاحساس يغادرون المؤسسة التجارية وهم غاية في السرور, إلا انهم سرعان ما يصابون بالحزن او الجنون او الخوف, واذا عادوا للمؤسسة مرة اخرى, فإن عودتهم ستكون لسبب آخر غير الشراء! والاسلوب الوحيد لمنع الزبائن من الوقوع في مصيدة الندم الذي يعقب اتخاذ القرارات )عمليات الشراء( هو تقديم اسباب موضوعية ومنطقية تؤكد ان الخدمات والسلع التي تعرضها المؤسسة هي وحدها التي تحقق افضل قيمة للاموال التي يدفعونها. ــ اتبع نهج معالجة المشكلات وحلها لتحويل الزبائن من حالات الجنون والانفعال والحزن والخوف الى حالة الفرح والسرور, وذلك بطرح السؤالين المهمين اللذين سبقت الاشارة اليهما وهما (كيف الموقف الآن؟) و(كيف ترغب في ان يكون هذا الموقف؟). ان نجاح اية مؤسسة من المؤسسات التجارية يعتمد على عدد الاشخاص الذين تعاملهم بلطف وكياسة وتشيع في نفوسهم الاحاسيس والمشاعر الطيبة وتقدم الحلول المناسبة للمشكلات التي يعانون منها, وبعبارة اخرى يتعلق نجاح المؤسسات التجارية بالاجابة عن ثلاثة اسئلة هامة, وهي (ما هي الحلول والاحاسيس الطيبة التي تقدمها للزبائن؟ و(كيف يمكن للبائعين مساعدة مؤسساتهم على توفيرها؟) و(كيف يمكن توفير مزيد من الحلول ومن ثم المشاعر الطيبة للزبائن؟).