لم تعرف الامارات حركة الاستثمارات الاجنبية منذ فترة الاكتشافات النفطية أي مع بدايات فترة الستينيات فحسب, وإنما يعود ذلك الى فترة طويلة ومنذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي, ولقد ساعد الامارات في استقطاب الاستثمارات الاجنبية الموقع الاستراتيجي المتميز الذي جعل منها مركزا تجاريا هاما لحركة السلع بين الشرق والغرب, والنشاط التجاري الذي قام به ابناء الامارات من خلال الاسطول التجاري العربي والذي كان له شأن كبير في تعرف ابناء الامارات على أسواق مختلفة في آسيا والسواحل الافريقية ناهيك عن الاسواق العربية في اليمن والبحرين والكويت والعراق, ثم ان الامارات تتميز بشواطئها التي تمتد الى نحو 700 كيلومتر سواء على الخليج العربي أم خليج عمان وهذا الامتداد قد عزز من وجود الامارات كنقطة أساسية في حركة التجارة بين الشرق والغرب. ومن هنا فإن دراستنا للاستثمارات الاجنبية وتطورها تتطلب الاشارة الى حركة النشاط التجاري في الامارات التي تعرضت الى حالات من الركود والكساد كما شهدت ايضا هذه الحركة ازدهارا يعود ذلك الى الظروف السياسية والاقتصادية الاقليمية والعالمية التي مرت بها منطقة الخليج, ثم بسبب الاتفاقيات التي فرضتها الحكومة البريطانية على الامارات ابان الانتداب البريطاني لمنطقة الخليج والتي حدّت بشكل كبير من نشاطهم التجاري. الا انه وعلى الرغم من ذلك فإن حركة النشاط هذه تؤكد على مدى انفتاح سوق الامارات على حركة النشاط التجاري والاستثماري الاجنبي. إن العلاقة بين الشركات الاجنبية ودول المنطقة ومنها الامارات لم تكن علاقة مبنية على تكافؤ المصالح أو الفائدة المشتركة فقد كانت الشركات الاجنبية دوما ما تسعى الى الهيمنة والسيطرة الاقتصادية على دول منطقة الخليج, والاستثمارات الاجنبية في المنطقة دوما تعمل على تحقيق مصالحها, وقد عرفت المنطقة هذه الاستثمارات منذ تاريخ طويل, وعندما تم اكتشاف النفط كانت الشركات البريطانية هي السباقة الى المنطقة, ثم وجدت منافسة من قبل الشركات الامريكية وعملت هذه الشركات في مختلف مراحل الصناعة النفطية بدءا من المسوحات الأولية ثم التنقيب والانتاج, وأخيرا التسويق والتصنيع, واذا كانت السعودية والكويت قد أعلنتا رغبتهما بالاستثمارات الاجنبية في قطاع النفط بعدما كانت الشركات العاملة هي شركات وطنية فإن القطاع النفطي في الامارات يشهد حضورا قويا للاستثمارات الأجنبية, ويجب ألا يكون الترحيب بالاستثمارات الاجنبية في قطاع حيوي ومهم كالقطاع النفطي هذا من منطلق تأثر اسعار النفط أو الخوف من اكتشافات غير مضمونة في بحر قزوين أو جمهوريات أوروبا الوسطى وإنما يجب ان نحذر من هيمنة اجنبية وسيطرة دائمة للشركات الاجنبية على الرغم من اختلاف الزمان وآليات وحيثيات معاملة الشركات الاجنبية التي سوف تكون مختلفة عن السابق بحكم تطور العقلية الخليجية والذهنية الخليجية في هذا الشأن. مرحلة ما قبل الاكتشافات النفطية تعتبر هذه المرحلة فترة صناعة اللؤلؤ حيث كانت مهمة الغوص هي أهم الانشطة الاقتصادية في منطقة الخليج والامارات إذ نشط فيها سكانها, وبالتالي شهدت رواجا كبيرا وكانت ايرادات اللؤلؤ في هذه الفترة توازي الايرادات النفطية خلال الفترة التالية, لاسيما بعدما أصبحت دبي أهم الموانىء التجارية للؤلؤ في منطقة الخليج, وأصبحت دبي آنذاك مستودع اللؤلؤ وتجارته بعد البحرين لاسيما مع بروز دبي في تجارة الترانزيت بعد ان شهد الرخاء الناجم عن اتاحة الفرصة للتجار الهنود للاستقرار بها ومنح أصحاب المشاريع الحرية الكاملة حيث هاجر الهنود و الايرانيون اليها من لنجة, وقد بلغ عدد الشركات الملاحية التي تقصد سفنها ميناء الشارقة ودبي عام 1933 ثلاث شركات, هي: شركة الهند البريطانية وشركة فرانك ستريك ليمتد للبواخر, وخطوط الهنسا الألمانية. من ناحية اخرى كان للاتفاقيات السياسية والاقتصادية التي عقدت بين امارات ساحل عمان (الامارات) وبريطانيا خلال الفترة من (1806 ــ 1971) الأثر الكبير في مسار النشاط الاقتصادي والسياسي في هذه المنطقة, حيث كان لهذه الاتفاقيات الأثر السلبي في الأوضاع الاقتصادية خاصة, إذ حدث من حركة النشاط التجاري لابناء الامارات خاصة في هذه الفترة (فترة الغوص). (لقد لعبت بريطانيا في هذه الفترة دورا سلبيا في ضرب اقتصادات المنطقة والحد من نشاط ابنائها وذلك من خلال ذراعها التجاري (شركة الهند الشرقية للملاحة التجارية) سواء من حيث القيود التي وضعتها حكومة الهند وخاصة بد الاستقلال عام 1947 على استيراد اللؤلؤ للحفاظ على رصيدها من العملات الصعبة, أو القيود التي اتخذتها من تفتيش السفن ومراقبتها ومنع بناء السفن التجاري ذات الحجم الكبير وكانت تلك الاجراءات من أهم العوامل التي أدت الى اندثار هذه الصناعة. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت القوى الاستعمارية قد بدأت في أعقاب النهضة الصناعية تتنافس على مناطق المواد الخام وعلى الاسواق, والمناطق الاستراتيجية في العالم ولم تكن بريطانيا تسمح لأحد غيرها ان يمد نفوذه الى هذه المنطقة, وعلى ذلك قام المقيم السياسي البريطاني في الخليج بمفاوضاته مع شيوخ الامارات لعقد اتفاقية جديدة وفي غضون مارس 1892 وقع شيوخ الامارات الاتفاقية والتي بموجبها منع شيوخ الامارات من الدخول في أي اتفاقيات الا مع بريطانيا وسميت (اتفاقيات مانعة) وبعد هذه الاتفاقية عقدت بريطانيا مع حكام الامارات سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية كان أهمها (اتفاقية 1922) التي منعت بريطانيا حكام الامارات منح أي امتياز للبحث والتنقيب عن المعادن الا للحكومة أو الشركات البريطانية. واذا كانت هذه وسيلة بريطانيا في فرض هيمنتها على أسواق الامارات وتجارة ابناء المنطقة فإن الهنود الذين يشكلون الأكثرية الآسيوية في الامارات في عصر النفط, كان لهم دور سلبي كمستثمرين في سوق الامارات خلال فترة الغوص حيث لعب الهنود الذين فتحت الامارات أسواقها لهم ولاسيما دبي ليستثمروا في الامارات ويساهموا في نهضتها اذ وبعد ما شعروا بالاستقرار وتم منحهم الحرية الكاملة في حركتهم وحركة رؤوس أموالهم, لعبوا دورا سلبيا واضحا في اقتصاديات اللؤلؤعندما كانوا يشكلون نسبة لا بأس بها من التجار الممارسين للتجارة في سوق الامارات وكذلك تجار اللؤلؤ (الطواويش) (فقد كان للحظر الذي فرض على تصدير الروبية الهندية وتصدير اللؤلؤ ـ بموجب الاتفاقيات الى أوروبا الاثرالمباشر في انخفاض صادرات الامارات من اللؤلؤ في عام ,1918 كما كان للدور السلبي للتجار الهنود على التجارة العامة في الامارات اثر مباشر على اقتصاديات الامارات حيث كان (نواخذة) السفن اي ربابنة السفن يقترضون الأموال اللازمة من التجار الهنود ـ مضطرين ـ لتغطية نفقات السفر في رحلة الغوص وبفائدة تتراوح ما بين 10 الى 25 في المئة عن الموسم الواحد, حيث تعتبر هذه الفائدة عالية آنذاك وتشكل على العاملين في هذه المهنة عبئا كبيرا, وبسبب هذا الاقتراض بهذه النسبة العالية, وكذلك الاقتراض تجار اللؤلؤ الاماراتيين ايضا من التجار الهنود واجه التجار الاماراتيون صعوبات كبيرة بسبب الازمة الاقتصادية الحادة التي حدثت في عام 1927 وتأثر عدد منهم بهذه الازمة لعدم مقدرتهم على سداد الالتزامات المالية للتجارة الهنود حيث اقترضوا منهم بفائدة عالية ولم يقتصر ذلك على دفع الاماراتيين لتلك الفائدة وانما وصل الامر الى تحكم الهنود المقرضين في محصول اللؤلؤ, حيث كان التجار الهنود الممولون يشترطون ان يعرض عليهم (النواخذة) محصولهم من اللؤلو لانتقاء ما يرغبون فيه وشراءه بأسعار شبه مفروضة, وكان لهذا الاسلوب التحكمي الاثر في حرمان (النواخذة) الاماراتيين من عنصر التنافس الذي يفرض ميزان العرض والطلب بما يحقق لهم اسعارا افضل لمحصولهم من اللؤلؤ وكان من اشهر تجار اللؤلؤ الهنود جام شان البارسي الذي اقام في دبي. لقد ساد الكساد في سوق اللؤلؤ خلال فترة الثلاثينات من القرن العشرين حنيما اصبح الوضع سيئا للغاية حيث سجلت تجارة اللؤلو اعتبارا من يوليو 1929 هبوطا كبيرا كان نتيجة عدم تمكن التجار الاماراتيين من تسديد الديون ومنهم التاجر محمد بن احمد بن دلموك وقد كان من اكبر تجار الامارات وهو احد ضحايا هذه الازمة حينما اصبح على حافة الافلاس, وكذلك التاجر الثري محمد بن بيات الذي اعلن افلاسه لانه كان مدينا بستمئة الف روبية, ولقد رفض البانيان الهنود تمويل هذه السفن, ومما زاد الوضع احراجا وزاد من ازمة التجار العرب في الامارات, قيام التجار (البانيان) الهنود والمقيمين في دبي والشارقة في عام 1930 بمطالبتهم للمقيم السياسي باستخدام نفوذه لاستعادة اموالهم من كبار تجار اللؤلؤ. ولقد كان مطالب البانيان آنذاك تمثل رغبة بريطانية للتدخل في الشئون الداخلية للامارات, ولما لم تكن هناك محكمة للنظر في دعاوي (البانيان) فإن المقيم السياسي اعتبر شيوخ الامارات مسئولين عن ضمان دفع هذه الديون. ولما كانت الامارات قبل مرحلة الاكتشافات النفطية اي قبل عام 1962 تفتقر الى المدخرات لاقتصار النشاط الاقتصادي فيها على المهن والحرف التقليدية وكان النشاط الاقتصادي خلال هذه الفترة محدودا فقد كان النشاط المصرفي الاجنبي محدودا وذلك اسوة بباقي دول الخليج الواقعة تحت الانتداب البريطاني.. وكان البنك البريطاني للشرق الاوسط هو اول المصارف الاجنبية التي مارست نشاطها المصرفي والاستثماري في الامارات حيث افتتح هذا البنك اول فروعه في دبي عام 1946 وقد اختار امارة دبي لما تتميز به من نشاط تجاري ولاسيما تجارة الترانزيت ثم لوجود مستثمرين اجانب ولاسيما الهنود في هذه الامارة وكان الفرع الثاني لهذا البنك قد تم افتتاحه في الشارقة عام 1953 بحكم قرب الشارقة لدبي, ثم لوجود القاعدة العسكرية البريطانية فيها. ثم كان الفرع الثالث الذي تم افتتاحه في ابوظبي عام ,1958 ثم افتتاح البنك الشرقي في ابوظبي عام 1961 والذي تم دمجه مع شارتر بنك, ثم قام البنك العماني بافتتاح فرع له في ابوظبي عام 1962 تم دمجه في نفس العام مع جرندليزبنك. وتتسم هذه المرحلة بهيمنة المصارف الاجنبية على السوق المحلية في الامارات وكان البنك البريطاني للشرق الاوسط هو اكثر المصارف نشاطا حيث لعب دورا بارزا واحتكر العمل المصرفي في دبي منذ عام 1946 الى عام 1963 ويعتبر ذلك طبيعيا في ظل الوضع السياسي للامارات بحكم الانتداب البريطاني لها والذي استمر حتى قيام الدولة في الثاني من ديسمبر عام ,1971 ثم ان العملة المتداولة في الامارات آنذاك هي الروبية الهندية تبعتها الروبية الخليجية وذلك بحكم وقوع الهند تحت الانتداب البريطاني آنذاك. مرحلة ما بعد النفط لما بدأت المحاولات الأولى للاكتشافات النفطية في منطقة الخليج التي بدأت في ايران في شهر مارس ,1872 ثم في العراق في عام ,1914 شهدت منطقة الخليج خاصة والشرق الأوسط عامة نشاطا اقتصاديا, لاسيما بعد توسع نشاط الشركات الأمريكية في العالم ومنطقة الشرق الاوسط من خلال سعيها للحصول على امتيازات التنقيب عن البترول في منطقة الخليج مما أثار خلافا بينها وبين الشركات الانجليزية خلال فترة العشرينيات من القرن العشرين. وهذا ما دعا بريطانيا الى السعي لاحتكار امتياز التنقيب عن النفط في الخليج بعد تأكدها من وجود كميات تجارية في الامارات المتصالحة آنذاك وعليه قامت بأخذ تعهدات من حكام المنطقة بعدم السماح لأية شركة تنقيب غير بريطانية بدخول اراضيها لاكتشاف النفط, وبدأت مع حاكم البحرين الذي وقع في 14 مارس 1914 تعهدا بذلك, ثم الشارقة حيث وقع الشيخ خالد بن احمد حاكم الشارقة تعهدا بعدم السماح باستغلال اراضي الامارة من قبل الاجانب, وكان ذلك في 17 فبراير ,1922 ثم وقع حاكم رأس الخيمة الشيخ سلطان بن سالم القاسمي تعهدا مماثلا في 22 فبراير 1922 واعتبر هذا التعهد مادة قيمة وتابعة للمعاهدة المانعة التي وقعت عام 1892. ثم وقع حاكم دبي الشيخ سعيد بن مكتوم في 2 مايو 1922 وتبعه حاكم ابوظبي في 3 مايو 1922 وحاكم عجمان في 4 مايو 1922 وحاكم ام القيوين في 8 مايو ,1922 حيث وقعوا تعهدات مماثلة. ورغم الجهود التي بذلتها بريطانيا فإنها لم تحقق نجاحا كاملا في الحد من نشاط شركات البترول الأمريكية في الخليج, حيث نجحت هذه الشركات اخيرا في الحصول على الامتياز الكامل لها في البحرين في عام ,1928 حيث عثرت على البترول في عام 1932. وكان ذلك مفاجأة كبيرة للبريطانيين, كما كان نقطة تحول في صناعة البترول في الخليج, وللحد من نشاط الشركات الامريكية في منطقة الخليج قامت بريطانيا بتكوين شركة نفط انجليزية لتعمل في الخليج, وذلك في أكتوبر ,1935 ولقد تمكنت هذه الشركة في نوفمبر 1935 من الحصول على امتياز مدته عامان في كل من رأس الخيمة والشارقة وابوظبي ودبي, وفي يناير 1936م وافق حاكم عجمان بعد إلحاح, بينما رفض حاكم أم القيوين لعدم اقتناعه بنصيبه من المال. وقد قام ممثل الشركة وليم ريتشارد وليامسن بتوقيع اتفاقية مع الشيخ شخبوط بن سلطان حاكم امارة ابوظبي مدتها (75) سنة نظير منح حاكم ابوظبي تعويضاً مناسباً خلال فترة التنقيب عن النفط وذلك بأن تدفع الشركة ثلاثة آلاف روبية كل شهر. وفي ظل الاتفاقيات القديمة وقع المرحوم الشيخ سعيد بن راشد بن مكتوم حاكم امارة دبي اتفاقية بترولية مع هولمز في 22 مارس 1937 وكانت مدة الاتفاقية 75 عاماً وقد حددت الاتفاقية سعر البترول الخام بثلاث روبيات لكل طن, وروبيتان لكل الف قدم مكعب من الغاز الطبيعي, وقد تضمنت الاتفاقية كذلك بأن تدفع الشركة للشيخ عند التوقيع 60 ألف روبية, وكذلك 200 ألف روبية خلال ستين يوماً بعد العثور على البترول. أما إمارة الشارقة فقد وقعت اتفاقية بترولية مع الشركة وذلك في 17 سبتمبر 1937. وقد حددت مدتها بخمسة وسبعين عاماً أيضاً. وفي 30 ديسمبر أعطى المرحوم الشيخ حمد بن سعيد القاسمي شيخ كلباء بعد وفاة والده وانفصال كلباء عن الشارقة في 18 ديسمر ,1936 امتيازاً بترولياً للشركة البريطانية مدته خمسة وسبعون عاماً للتنقيب عن البترول في كلباء. وبالنسبة لرأس الخيمة لم تستطع بريطانيا توقيع اتفاقية طويلة الأجل مع الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة نظراً لموقف بريطانيا من قضية كلباء لذا منحها امتيازاً لمدة سنتين ونصف السنة للتنقيب عن البترول فقط ولكن دون استخراجه, كما منح حاكم عجمان ترخيصاً للبحث عن البترول في إمارته مدته خمس سنوات, وقد ظل حاكم أم القيوين يعارض عقد اتفاقية طويلة الاجل, وأخيراً في 20 مارس 1945 وقع اتفاقية مدتها خمسة وسبعون عاماً. لقد وقعت الامارات سبع اتفاقيات, وبموجبها تقاسمت سبع شركات عالمية يطلق عليها الاخوات السبع (ْمىس َممس) مناطق الامتياز في الامارات, وقد اتسمت هذه الاتفاقيات القديمة بأنها اتفاقيات احتكارية إذ أن هذه الشركات البترولية قامت بصياغة هذ الاتفاقيات من جانبها وألزمت حكام المنطقة بالتوقيع عليها تحت ضغط البوارج الحربية البريطانية, وهكذا لم يكن لحكام المنطقة حول ولا قوة في وضع هذه الاتفاقيات ولم يكن أمامهم من خيار سوى الموافقة عليها وتوقيعها. وكان من الطبيعي ان تغفل هذه الاتفاقيات دور الامارات وكذلك من الطبيعي ألا تتماشى مع روح العصر الحديث. فقد ضمنت هذه الاتفاقيات الوضع الاحتكاري لشركات التنقيب, وأعطتها جميع الامتيازات التي ارادتها بما فيها الاعفاءات الضريبية. كما كانت هذه الاتفاقيات شاملة لجميع حدود الامارات سواء البحرية أو البرية ولم تبق بذلك اي مجال لدخول شركات اخرى. بالاضافة الى طول مدتها فمعظمها يصل الى أكثر من سبعين سنة (إتفاقية امتياز شركة نفط ابوظبي المحدودة مدتها 75 سنة), كما ان هذه الشركات الاحتكارية تدفع حسب اتفاقياتها القديمة اتاوة سنوية بسيطة قبل اكتشاف البترول وزادت قليلاً بعد اكتشافه, فقد نصت اتفاقية امتياز شركة نفط ابوظبي المحدودة مثلاً على ان تدفع الشركة مبلغ 100 ألف روبية (25 ألف دولار), إيجاراً سنوياً قبل اكتشاف البترول, وتدفع بعد اكتشافه إتاوة سنوية قدرها 200 ألف روبية (50 ألف دولار). أما بعد انتاج البترول فان شركات البترول تدفع مبلغ ثلاث روبيات للطن المقطوع أي 75 سنتا أمريكيا, أي حوالي عشر سنتات للبرميل. وأخيراً فإن هذه الاتفاقيات ذات الطابع الاحتكاري لم تترك مجالاً للامارات بالدخول كشريك في رأسمال الشركات صاحبة الامتياز وبذلك فقد استبعدت من المشاركة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عادت شركات البترول للعمل في الامارات مرة اخرى وقد نشطت بصورة أكبر بعد اكتشاف البترول بكميات تجارية, ولكن الامارات من خلال منظمة الاقطار المصدرة للبترول (أوبك) أدركت ان شركات البترول الاحتكارية كانت مجحفة بحقوقها, وان الاتفاقيات القديمة ما عادت تتناسب وروح العصر فعملت على تشجيع دخول الشركات المستقلة (مىَفُِ َملَمِملَة) أو الجديدة (مىَفٍُِك مخ) لكي لا تكون معتمدة اعتماداً كلياً على شركات البترول الاحتكارية (ُْيفح), وقد أتصفت الاتفاقيات الجديدة بمميزات مناسبة للامارات فقد حفظت هذه الاتفاقيات حقوق الامارات ومصالحها بعد وضع قيود للحد من يد الشركات كما أنها وضعت من قبل الامارات ودون ضغط عسكري أو سياسي وقد ادى هذا الأمر الى اتساع المجال أمام الشركات المستقلة, كذلك اتصفت هذه الاتفاقيات بأنها شملت مساحات محدودة من الامارات, كما تم ادخال مبدأ التخلي عن الاتفاقيات القديمة. أي ان شركات البترول العاملة قد الزمت بأن تتخلى كل فترة زمنية معينة عن مساحة نسبية عن امتيازاتها للامارات, وكذلك فان مدة الاتفاقيات تتراوح مدتها بين عشرين وخمسة وعشرين سنة فقط, أما الشروط المالية فقد تضمنت مميزات مالية جديدة وبموجبها تلتزم شركات البترول ان تدفع قبل اكتشاف البترول ايجاراً سنوياً أكبر من (100 ألف دولار) وأن تدفع بعد انتاج البترول ريعاً (يصل الى 20%) وضريبة دخل (تصل الى 85%) مما يضمن للحكومات حصة الأسد من عائدات بترولها. ومع ظهور النفط في الامارات وقيام الدولة, ومع بدء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الدولة ولاسيما خلال فترة السبعينيات, حرصت الشركات الاجنبية والاستثمارات الاجنبية على التواجد في سوق الامارات لتستفيد من الطفرة الاقتصادية التي شهدتها الامارات خلال تلك الفترة, ولعل من أهم هذه الشركات توسع المصارف التجارية الاجنبية في الدولة حيث حرصت المصارف الاجنبية على التواجد في سوق الامارات والتوسع في انشطتها وتقديم خدماتها بغية ان تستأثر بنصيب من الائتمان المصرفي ومن الوفورات المالية الضخمة التي نجمت عن صادرات الدولة من النفط: فقد ارتفع عدد المصارف الاجنبية وفروعها العاملة في الامارات من (29) مصرفاً اجنبياً بفروعها البالغ عددها (36) فرعاً وذلك في عام 1974 الى (29) مصرفاً لها (221) فرعاً في عام ,1980 ومع الاجراءات التي اتخذها المصرف المركزي خلال فترة الثمانينات فقد تقلص اجمالي فروع المصارف الاجنبية العاملة في الدولة الى ( 119) فرعاً في عام 1990 موزعة على أبوظبي بواقع (42) فرعاً وبي (44) فرعاً ثم الشارقة (19) فرعاً بينما بلغ عدد فروعها في الامارات الشمالية الاخرى الى (14) فرعاً.
صناعة اللؤلؤ اجتذبت الاستثمار الأجنبي منذ بداية القرن التاسع عشر, الموقع الاستراتيجي للدولة ساعدها في استقطاب الاستثمارات الاجنبية منذ نشأتها ــ الحلقة الحادية عشرة ــ تأليف: نجيب عبدالله الشامسي
