لقد عكست الآراء التي أبدتها الفعاليات الاقتصادية ورجال الأعمال والمحللون والباحثون والمسئولون أيضاً مدى التباين في وجهات النظر حول طبيعة وكيفية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية وتنقسم إلى أربع شرائح هي: ــ الشريحة الأولى: مؤيدة لدخول الاستثمارات الأجنبية وجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمامها. ــ الشريحة الثانية: ترى إضافة إلى الرأي الأول إعطاء المزيد من التسهيلات والاغراءات لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. ــ الشريحة الثالثة: إغلاق الباب أمام الاستثمارات الأجنبية لما فيها من آثار سلبية سوف تنعكس على أوضاعنا الاقتصادية مستشهدة لذلك بما حدث في دول جنوب شرق آسيا (الأزمة الآسيوية 97). ــ الشريحة الرابعة: ترى ان يتم فتح الباب بشكل تدريجي شريطة مراعاة مصالح المستثمرين والاستثمارات الوطنية.. ولاشك إن لكل شريحة مبرراتها وأسبابها المنطقية في بعض الاحيان ولقد تباينت الآراء أكثر عند طرح الملكية في تملك المشاريع والشركات (51%, 49%) . وفي ضوء الآراء تلك ومراعاة للاعتبارات التي تفرض فتح أسواق الإمارات أمام الاستثمارات الأجنبية كان لابد من وضع صيغة مناسبة أمام هذا التباين وذلك من واقع طبيعة اقتصاد الإمارات ومراعاة للمصالح الوطنية واعتبارات المتغيرات الاقتصادية العالمية وتستند رؤيتنا للاستثمارات الأجنبية على أهمية فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية ولكن وفق صيغة يراعى فيها مصالح الدولة والاستثمارات الوطنية والرغبة في إندماج اقتصاد الإمارات ضمن الاقتصاد العالمي, والمحافظة على سلطة القرار الاقتصادي وعدم المساس بمكتسبات الامارات ومنجزاتها التي حققتها الدولة طوال الفترة الماضية مع الأخذ بالإجراءات التالية: ــ مراجعة القوانين والتشريعات ولاسيما المواد المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية الواردة في قانون الشركات رقــم (8) لســنة 84 لتتلاءم مع متغيرات العصر والتطورات المستجدة في الساحة العالمية ولاسيما الملكية الأجنبية في المشاريع الجديدة شريطة ألا تتجاوز النسبة عن 50% وبحيث تؤمن التشريعات القانونية المعدلة الأمن والاستقرار للاستثمار الأجنبي ودرجة من المرونة في إدارة المستثمر للأموال مع مراعاة عدم الاضرار بالاقتصاد الوطني وأمن الوطن واستقراره وعدم المساس بمصالح الدولة العليا. وهذا يأتي من خلال ضوابط قانونية تحد من أية تجاوزات غير قانونية يمارسها المستثمر الأجنبي وفيها إضرار بالاقتصاد والأمن والبيئة والمجتمع الإماراتي وفي هذا الشأن يمكن الاستئناس بقوانين الاستثمار الأجنبي في كل من السعودية والكويت وسلطنة عمان مع أهمية وضرورة مراعاة طبيعة اقتصاد الإمارات التي تختلف إلى حدما عن اقتصاديات تلك الدول لذلك نري ضرورة: ــ إصدار قانون خاص بالاستثمارات الأجنبية أسوة بقوانين الاستثمار في كل من السعودية وعمان والكويت. ــ ضرورة تشجيع الاستثمارات الوطنية المهاجرة لتعود إلى الامارات لتساهم في نهضة البلاد الاقتصادية وزيادة الطاقة الاستيعابية للاستثمارات ورفع مستوى معدلات الاستثمار في الامارات وخلق منافسة مع الاستثمارات الأجنبية في السوق وخلق فرص عمل وقاعدة انتاجية. ــ وضع وتحديد قنوات وأوعية الاستثمارات الأجنبية في الإمارات وذلك للحيلولة دون حدوث مضاربة قد تؤدي إلى اهتزاز سوق الإمارات المالية مع أهمية توجيه هذه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية السلعية كالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية والقطاع الصناعي تحديداً وذلك نظراً لأهمية هذين القطاعين في توفير احتياجات المجتمع وتحقيق الاستقرار والأمن الغذائي والتنموي وكذلك لأهمية رفع نسبة مساهمة هذين القطاعين في الناتج المحلي الإجمالي, ثم لوجود فرص استثمارية جيدة فيهما ويحتاجان لكثافة رأسمالية. ــ أهمية توجيه الاستثمارات الأجنبية إلى مشاريع نوعية ومنتقاه من شأنها تعزيز الاقتصاد الوطني وتدعيم مسيرة التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل وهذا مشروط بضرورة قيام الدولة من خلال أجهزتها ومؤسساتها المعنية وخاصة (وزارة الاقتصاد ووزارة التخطيط) بوضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية تكون طويلة المدى (عشر سنوات) وتحدد من خلالها دور الاستثمارات الأجنبية والقطاع الخاص. ــ أهمية توجيه الاستثمارات الأجنبية نحو المشاريع الانتاجية السلعية بهدف إنتاج السلع التي تغطي جزءاً من الواردات, ومن ثم تحويل الفائض إلى التصدير, وذلك مع الحد من السلع الاستهلاكية رغبة في ان يكون للدولة القدرة على المنافسة في إنتاج السلع التصديرية ويتم ذلك من خلال إعفاءات وتسهيلات أكثر في القطاعات السلعية وخاصة فيما يتعلق بالصناعات الوسيطة الداخلة في المشاريع الإنتاجية كأن تعفى من الرسوم الجمركية. ــ ضرورة وجود أجهزة رقابية ومحاسبية تتمتع بصلاحيات واسعة ومرونة عالية لمراقبة ومتابعة حركة الاستثمارات الأجنبية, ومدى التزام المستثمر الأجنبي بقوانين الدولة وتشريعاتها ومدى تحقيق هذه الاستثمارات للأهداف المرسومة لها من قبل أجهزة الدولة. ــ يجب ان تكون الاستثمارات الأجنبية تحت سيطرة دقيقة ورقابة لصيقة من قبل أجهزة الدولة الاقتصادية (وزارة الاقتصاد والتخطيط, الدوائر الاقتصادية, غرف التجارة) والأمنية والإدارية والرقابية أو تشكيل هيئة عليا أو مجلس اتحادي للاستثمار بالدولة وذلك للحيلولة دون حدوث تشوهات اقتصادية تضر بالاقتصاد الوطني كالمضاربة, أو استنزاف السيولة, الاغراق, التلاعب بأسعار الصرف والمضاربة على العملة وتفاقم البطالة, شراء الشركات الوطنية, الإخلال بالأوضاع المصرفية والمالية كما حدث في الجرائم الاقتصادية التي قام بها بعض المستثمرين الآسيويين, كما لابد من الحد من إنشاء صناديق استثمارية دولية تعمد إلى المضاربة في سوق الإمارات لا الاستثمار فيها وقد تؤدي إلى وجود هزات عنيفة بسبب انسحابها المفاجىء إلى أسواق أخرى وانهيار العملة كما حدث في دول آسيوية وعربية أيضاً. ــ ضرورة التنسيق بين دوائر الترخيص في الإمارات عند الترخيص للاستثمارات الأجنبية سواء من حيث الإجراءات أو أدوات الرقابة أو إجراءات الترخيص وذلك درءاً لتلاعب مقصود من قبل المستثمرين الأجانب لاختراق السوق بشكل غير قانوني بقصد التخريب لما في ذلك من انعكاسات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية والاستثمارات الوطنية والأجنبية الأخرى وكذلك الأوضاع الأمنية والاجتماعية وخاصة الأضرار التي يمكن ان تلحق بالبيئة وبصحة الإنسان. ــ أهمية قيام الدولة من خلال أجهزتها المختصة (وزارة المالية) بدراسة وضع ضرائب معينة على دخل الاستثمارات الأجنبية نظير التسهيلات الكبيرة التي تقدمها الدولة وهذا لايتعارض مع بنود اتفاقية منظمة التجارة العالمية .د.ش.ط إذ إن جميع دول العالم ومنها الدول الصناعية قد وضعت ضرائب ورسوماً على الاستثمارات الأجنبية لاسيما وإن الإمارات تعاني من عجز متزايد في موازنتها الحكومية بحكم الانفاق الرأسمالي الكبير الذي قد انفقته خلال السنوات الماضية على الهياكل الأساسية والبنى التحتية, فضلاً على ان تلك الهياكل والبنى تحتاج إلى إنفاق دائم لصيانتها وترميمها كي تحافظ على مستواها, في خدمة الاستثمارات والمستثمرين, كما إنها تحتاج إلى تمويل لميزانياتها لتغطية التوسعات في تلك البنى والهياكل ثم لتغطية متطلبات الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم للمواطنين والمقيمين ومنهم المستثمرون والعمالة التي استقدمتها أو تلك التي سوف تستقدمها شركات الاستثمار الأجنبية. ــ أهمية اعتماد الشفافية والدقة والقواعد العلمية في دراسة أوضاع الشركات المساهمة الحالية سواء الوطنية منها أم الأجنبية وذلك للحيلولة دون حدوث أزمات مالية أو تحايل كما حدث في شرق آسيا في مايو عام 1997م حينما تبين ان الشركات الكبرى فيها لم تكن سوى شركات جوفاء كانت تعاني من فساد إداري ومالي ومحاسبي وكانت تقدم للمساهمين والمستثمرين والمتداولين لأسهمها تقارير لحسابات مزيفة تتنافى مع أبسط أسس الرقابة والشفافية والمحاسبة أدى ذلك إلى هزة عنيفة وقوية أضرت باقتصاديات (النمور الصفر) حينها تحولت تلك الاقتصاديات إلى اقتصاديات تعاني من إخفاقات خطيرة وأضرار جسيمة. ــ يجب ألا يقتصر فهمنا للاستثمارات الأجنبية على رؤوس الأموال أو السيولة وإنما تشمل تلك الاستثمارات التكنولوجيا والتي يجب ان تشملها الاستثمارات هذه لتدخل الدولة عوضاً عن العمالة الأجنبية الرخيصة وغير الفنية, كما تعني الاستثمارات هذه مجموعة من الخبرات الإدارية والفنية التي يجب ان تشترطها الدولة أمام المستثمرين الأجانب, ثم مجموعة من الآراء والأفكار والرؤى التي تساهم في خلق وعي استثماري جيد يساهم في النهوض بالاقتصاد الوطني, وهذا ما يجب ان تؤكده الدولة بأجهزتها المختلفة عند منح الاستثمارات الأجنبية فرصاً للاستثمار فيها. ــ يجب ان تساهم الاستثمارات الأجنبية في خلق فرص عمل ووظائف للمواطنين الذين تتزايد اعدادهم وأصبحوا يعانون من بطالة واضحة, كما يجب ان تعتمد تلك المشاريع الاستثمارية الأجنبية اعتمادات في ميزانياتها لتدريب وتأهيل المواطنين سواء بالمشاركة في إنشاء معاهد متخصصة, أم بابتعاثهم في دورات مكثفة خارجية تمكنهم بعد عودتهم من الاسهام في إدارة دفة العمل بتلك المشاريع سواء كإداريين أم فنيين لاسيما في المشاريع المشتركة التي تتطلب تواجداً فعلياً للعناصر المواطنة المؤهلة. ــ أهمية توجيه الاستثمارات الأجنبية في قنوات تصب في أوعية استثمارية طويلة الأجل وذلك لأن الاستثمارات طويلة الأجل عادة ما تكون في القطاعات الإنتاجية وبالتالي يستفيد الاقتصاد في خلق قاعدة إنتاجية متنوعة ولاسيما في القطاعات التقليدية, ثم لضمان استقرار وديمومة الاستثمارات الأجنبية بدلاً من تركزها في هيئة استثمارات قصيرة الأجل الهدف منها تحقيق أرباح سريعة دون مراعاة لتنمية الاقتصاد مع الاشارة هنا إلى أهمية تدوير الأرباح المتحققة في الاقتصاد الوطني من خلال إقامة مشاريع أخرى بدلاً من تدفقها إلى الخارج. ــ يجب ان نعي بأن اختراق سوق المنافسة في الأسواق العالمية لم يعد يعتمد على حركة السلع والخدمات من خلال تواجد الشركات والمشاريع في دولة ذات مساحة محدودة وكثافة سكانية صغيرة, وسوق ضيقة وإنما تعتمد حالياً على قنوات الكترونية وتكنولوجيا متطورة سواء بالتسويق بواسطة الانترنت, أم في عمليات الإنتاج التي تعتمد على التكنولوجيا وأدوات الإنتاج المتطورة وليس المساحة المكانية أو العمالة الرخيصة ومن هنا فإن الأمر يحتم علينا إدراك حقيقة التطور في العلاقات الإنتاجية والتجارية التي تخترق الحواجز خلال دقائق!! وبالتالي ما لم توفر الاستثمارات الأجنبية كل تلك العناصر المتطورة فإن جدوى وجودها سوف يكون محدوداً. ــ إنه لابد وأن يكون عند تناولنا للاستثمارات الأجنبية ان نميز ونفرق بين الاستثمارات الخليجية والعربية والاستثمارات الأجنبية وذلك وفق حتمية التكامل والتعاون الاقتصادي وتشابك المصالح بين الإمارات ودول مجلس التعاون ومنطقة الخليج لاعتبارات عديدة منها وجود الأرضية القانونية لحركة التجارة والاقتصاد بين الإمارات ودول مجلس التعاون بموجب الاتفاقية الاقتصادية الموحدة ثم أهمية وضرورات تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاستثماري لشعوب دول المجلس والخليج من ناحية وتحقيق بنية اقتصادية قوية وصلبة لدول المجلس والخليج لمواجهة طبيعة التحولات التي سوف تشهدها المرحلة المقبلة ويتم ذلك من خلال إعطاء مزايا وأفضليات وإعفاءات وتسهيلات للاستثمارات الخليجية. كما ان هناك التزامات يفرضها واقع الأمة العربية وتحدياتها والظروف المحيطة بها, والمشاكل التي تحتم معالجتها وخاصة الاقتصادية منها الأمر الذي يجب إفساح المجال أمام حركة رأس المال العربي والاستثمارات العربية كي تساهم في تنمية الاقتصاد العربي وتحقيق الاستقرار والأمان للشعب العربي كي تتمكن أمتنا العربية من تحقيق نهضتها الاقتصادية والاجتماعية وهذا يتم من خلال إنشاء تكتلات اقتصادية ومشاريع مشتركة وبرأسمال عربي واستثمارات عربية مكثفة تحقق أهداف التنمية الاقتصادية العربية من خلال مشروع التجارة العربية البينية, ومن خلال تفعيل السوق العربية المشتركة, ومن خلال قيام المنظمات الاقتصادية العربية وصناديق التنمية بتوجيه الاستثمارات العربية نحو مشاريع التنمية في ظل قوانين وتشريعات تؤمن الاستقرار لهذه الاستثمارات لاسيما وأن دولنا العربية لديها كل مقومات وامكانيات التنمية والفرص الاستثمارية التي تحقق العائد والتنمية ومن ناحية أخرى فإن اعطاء الأولوية للعمالة العربية ولاسيما الفنية منها في مشاريع الاستثمارات الأجنبية يؤكد حقيقة الانتماء العربي وتعزيز الاقتصاد العربي. ــ إن الإمارات عامة ودبي خاصة التي شهدت مرحلة متطورة من الاتصالات السلكية واللاسلكية قد حققت قفزة في الانترنت ولاسيما بعد إنشاء مدينة للانترنت وشبكة متطورة وفي ضوء ذلك فإن هذه الثورة في الاتصالات من شأنها ان تشكل انفتاحاً كبيراً على العالم في زيادة حركة التجارة الاقتصاديةوالترويج لفرص الاستثمارات في الإمارات أمام رؤوس الأموال الأجنبية, كما إنها تشكل فرصة مستقبلية سوف تساهم كثيراً في التعريف بفرص الاستثمار ليس في الإمارات وإنما في مختلف دول العالم الأمر الذي قد يعزز في اتجاه جذب رؤوس أموال أجنبية إلى البلاد, مع الاشارة إلى ان ذلك قد يؤثر في نزوح رؤوس أموال من الإمارات حينما يصبح العالم قرية صغيرة بحكم ثورة الاتصالات وثورة الانترنت. (16) لما كان الاهتمام العالمي بالبيئة أصبح يدخل ضمن أولويات السياسات والاستراتيجيات للدول وفي صميم اهتمامات الشعوب والمنظمات والدول وذلك حفاظاً على الإنسان وعناصر البيئة الأخرى فإن الإمارات ومن خلال أجهزتها المختلفة المعنية بالبيئة (البلديات) مطالبة بأن تكون طرفاً معنياً وبشكل مباشر عند وضع صيغة التعامل مع الاستثمارات الأجنبية وذلك في ظل توجيهات رئيس الدولة الذي يؤكد على أهمية المحافظة على البيئة, وعلى تلك الجهات ان تتخذ كافة احتياطياتها للحيلولة دون استغلال الاستثمارات الأجنبية لبيئة الامارات بأن تنشىء مصانع وشركات تشكل خطراً على البيئة وعناصرها وتشكل تهديداً مباشراً للإنسان والحيوان والنبات وذلك كما حدث ويحدث في بعض دول العالم الثالث التي تحولت إلى مخازن للنفايات السامة والقاتلة!! ــ يجب على الجهات المعنية عند الشروع بوضع صيغة لقانون الاستثمار الأجنبي ان تراعى بأن هناك قطاعات تشكل أهمية استراتيجية للدولة يجب مراعاة عدم توسع ملكية الاستثمارات الأجنبية فيها ويجب تحديد نسبة الملكية الأجنبية فيها كالقطاع النفطي وجزء من قطاع الخدمات والاستيراد ذات العلاقة بالنواحي الأمنية حيث لابد من غلق الباب أمام الاستثمارات الأجنبية فيها أو تقليص نسبة الملكية في البعض الآخر. إن الاتجاه المثالي في التعامل مع الاستثمارات الأجنبية في مراعاة الاعتبارات السالفة الذكر مع العمل الجاد نحو مزج رأس المال الوطني والعمالة الوطنية المدربة والمؤهلة مع الخبرة والتكنولوجيا والأفكار الأجنبية وذلك وفق صيغة تحفز الاستثمارات الأجنبية التي يمكن ان نفسح أمامها المجال كي تدخل إلى أسواقنا في هيئة تكنولوجيا وخبرات فنيةوأفكار مثمرة وجزء من السيولة وذلك في ضوء تحقيق كل أسباب النجاح لعملية المزج هذه سواء من خلال صيغة قانونية يؤكدها القانون أو الإجراءات والممارسات والتسهيلات والمزايا التي توفرها الدولة والوفورات الموجودة في سوق الإمارات. إن دراسة البيئة الاقتصادية في الإمارات من مختلف المجالات والزوايا وتشخيص الأوضاع الاقتصادية تشكل خطوة أولية تتبعها وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية تحدد أدوار الاستثمارات الوطنية الحكومية والخاصة, والاستثمارات الأجنبية ومن خلال تلك الاستراتيجية يمكن رسم أهداف وآليات وسبل الاستثمارات الأجنبية ومن خلال تلك الاستراتيجية يمكن ان نحدد ملكية رأس المال للمشاريع من حيث الحجم والنسبة, فهناك مشاريع تشكل مشاريع وطنية أساسية لا يجب ان تتجاوز نسبة الملكية الأجنبية فيها بأي حال عن النسبة التي أقرها قانون الشركات وهي 49% فيما هناك مشاريع أخرى يمكن ان يتم رفع نسبة الملكية الأجنبية فيها لأكثر من ذلك وهذا يعتمد على طبيعة المشروع وأهميته بالنسبة للاقتصاد الوطني, مع أهمية إعطاء فرصة التملك بالأساس للقطاع الخاص الوطني أي رأس المال الوطني وذلك في إطار الخصخصة التي تتجه إليها الدولة في سياق الإصلاحات الاقتصادية وتفعيل دور القطاع الخاص, وفي ضوء ذلك نستطيع تحديدالفترة الزمنية التي يمكن من خلالها ان يتملك القطاع الخاص الوطني لبعض المؤسسات والشركات, ثم الفترة الزمنية التي يتم خلالها رفع نسبة الملكية الأجنبية في المشاريع الاقتصادية سواء الجديدة أو المشاريع القائمة حالياً ويأتي ذلك في سياق التطورات الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية والضرورات التي تحتمها الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الوطني كي يكون قادراً على مواجهة التحديات المستقبلية ومن تلك الاصلاحات مراجعة القوانين والتشريعات الاقتصادية لاسيما تلك القوانين التي تشترط الملكية الكاملة للمواطنين مثل المادة (25) من القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 والتي تنص على ان يكون جميع المساهمين في شركات التضامن من المواطنين وكذلك ما نص عليه القانون الاتحادي رقم (9) لسنة 1984 في شأن الوكالات التجارية حيث اقتصرت ملكية الوكالات على المواطنين سواء شخصيات طبيعية (أفراد) أو شخصيات اعتبارية (شركات). وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تضمين قانون الاستثمار الأجنبي مادة تنص على عدم أحقية الدولة والحكومات المحلية في تأميم المشاريع الأجنبية وذلك بهدف تحقيق استقرار أكبر لرؤوس الأموال الأجنبية, ثم لتعزيز توجه هذه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية بشكل يحقق الاطمئنان للمستثمرين الأجانب والديمومة والاستقرار للاقتصاد الوطني. وفي المقابل فإن مراجعتنا للتشريعات والضوابط المنظمة للاستثمار الأجنبي يجب ان تستند على اعتبارات جدوى الاستثمارات الأجنبية في المدى المتوسط والطويل ودرجة استفادة الاقتصاد الوطني من هذه الاستثمارات مع الأخذ بعين الاعتبار معطيات هذه الاستثمارات وانعكاساتها الإيجابية والسلبية على الاقتصاد الوطني والمجتمع الإماراتي خلال السنوات الطويلة الماضية. إن رؤيتنا للصيغة المناسبة للاستثمارات الأجنبية يجب ألا تعتمد على بعدها الاقتصادي المادي فحسب وإنما يجب ان تعتمد أيضاً على الأبعاد الأمنية والاجتماعية والثقافية لمجتمع الإمارات الذي أصبح يعاني من أخطار داخلية بفعل التمدد أو التوسع والانفتاح على العالم الخارجي مع تغييب القضايا الداخلية, وبالتالي فإن مراعاة المصالح العليا للدولة والشعب والأبعاد المختلفة يجب ان تكون في نصب عيون متخذي القرار الاقتصادي ورسم الاستراتيجيات, لاسيما في ظل دراستنا لتجارب الدول الأخرى في تعاطيها مع الاستثمارات الأجنبية وفتح أسواقها لرؤوس الأموال الأجنبية مع مراعاة الإختلاف في طبيعة ظروف تلك الدول ومدى حاجتها للسيولة والأموال الأجنبية لتمويل المشاريع لديها. إننا نحتاج إلى الكثير من المناقشات والمداولات والمواجهة الصريحة والموضوعية للوصول إلى الصيغة المناسبة للتعامل مع الاستثمارات الأجنبية في ظل رؤيتنا لمستقبل الدولة وتحقيق مصالحها في الاستقرار والتنمية والتطور, وايجاد التوازن بين ايجابيات الاستثمارات الأجنبية وسلبياتها. إن قيام شركة اعمار باتخاذ قرارها بشأن تملك الأجانب نسبة 20% من أسهم الشركة لا يعني بالضرورة قيام المستثمرين الأجانب بالتجاوب السريع مع هذه الدعوة وانتهازها كفرصة تحقق لهم مكاسب معينة, وهذا الأمر ينسحب على مختلف الشركات المساهمة الأخرى العاملة في سوق الإمارات, وليس بالضرورة ان يساهم هذا القرار في تحسن أسعار الأسهم في سوقنا المحلية لاسيما وان توقيت هذا القرار غير مناسب إذ جاء في وقت تشهد فيه سوق الأسهم المحلية ركوداً واضحاً وضعفاً في اقبال المساهمين على تداول الأسهم هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فإن المستثمر الإماراتي, والمقيم في الدولة على دراية بأوضاع السوق المحلية, وحقيقة الاقتصاد الوطني, وكذلك الأوضاع المالية والتأسيسية والقاعدة الرأسمالية والأوضاع الإدارية والفنية للشركات المساهمة العامة. إن فتح باب تملك أسهم الشركات المساهمة العامة من قبل الأجانب يعتبر خطوة جيدة في إطار الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية شريطة اختيار الوقت المناسب, وقبل كل هذا يتطلب الأمر معالجة حقيقية لأوضاع شركاتنا المساهمة العامة من مختلف جوانبها المالية والإدارية والفنية, واعتماد الشفافية والمعايير الدولية ووجود قوانين وتشريعات تحقق الاطمئنان للمستثمر المحلي قبل الأجنبي, فتلك القوانين ومنها قانون الاستثمار تكفل حقوق المستثمرين جميعاً مواطنين وأجانب, وتضمن عدالة تنفيذ القرار وتعزز الثقة في سوق الأسهم إضافة إلى الاجراءات المطلوبة الأخرى. إن فتح باب التملك هذا يجب ان يسبقه خطوات بوضع آليات وقنوات وطرق وأسس قيام المستثمر الأجنبي المقيم وغير المقيم في كيفية التملك وحجمها ليس في شركة بعينها وانما في جميع الشركات المساهمة, لاسيما في ظل بروز التجارة الالكترونية واهتمام الدولة بهذا التطور النوعي في مجال التجارة. إن المستثمر الأجنبي يدرك جيداً بأن تملكه لنسبة من أسهم هذه الشركة أو غيرها لا تمنحه ثقلاً في اتخاذ القرار, إذ يعرف جيداً بأن سلطة القرار في كثير من الشركات المساهمة العامة اما ان تكون بيد الحكومات المحلية الداعمة لها والمؤسسة لها والمساهم الأكبر فيها, أو بيد مجالس الإدارات المواطنة التي تعمل على خدمة مصالحها أكثر من خدمة الاقتصاد أو باقي المساهمين!! كما يجب ان نعرف ان هذا التوجه هو نفس توجه دول مجلس التعاون الأخرى التي أعلنت بفتح باب التملك أمام المستثمرين الأجانب ولكن وفق قوانين خاصة اصدرتها حكومات تلك الدول والتي بموجبها يمكن للأجانب ان يتملكوا نسبة من أسهم الشركات العامة فيها. إن قيام الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بتحقيق الاصلاحات الاقتصادية والاستثمارية التي أشرنا إليها في الباب السابع يجب ان تسبق خطوة فتح الباب لتملك أسهم شركاتنا من قبل الأجانب تعزيزاً لثقة المستثمرين المواطنين في سوقهم قبل الأجانب. ولعل أهم الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وضع استراتيجية التنمية الاقتصادية ذات المدى الطويل, ثم اصدار التشريعات الاقتصادية كالقانون التجاري وقانون الاستثمار الأجنبي, ثم معالجة الثغرات الواضحة في تشريعاتنا الاقتصادية الحالية كقانون الشركات, وقانون المعاملات التجارية. ووجود سوق واحدة للأسهم على مستوى الدولة ثم العمل على ربطها بالأسواق المالية بدول المجلس. كما يجب ان ندرك جيداً بأن هناك منافسة عالمية, وصراعاً محموماً على رؤوس الأموال الأجنبية ولاسيما من قبل الدول التي تتوفر لديها امكانيات وموارد طبيعية ضخمة وتعاني من بطالة وشحة المال لديها إذ سوف تعطي أفضلية كبرى لرؤوس الأموال الأجنبية كي يتم توظيفها في أسواقها. هذا من ناحية, وأما من ناحية أخرى فإن المستثمرين الأجانب لا يجدون جدوى من الاستثمار في الأسواق المالية الناشئة وذات الحجم الصغير ومنها سوق الإمارات, الأمر الذي نجد انه لا مناص من الخروج من هذا المأزق من خلال صيغة العمل المشترك على مستوى دول المجلس بوجود سوق مالية خليجية واحدة تحقق الاستقرار لرؤوس الأموال الوطنية, والأمان لرؤوس الأموال الأجنبية, وتستقطب استثمارات أجنبية جديدة. إن ثقة المستثمرين الاماراتيين في اقتصادهم أصبحت ضعيفة, كما ان ثقة المستثمرين الخليجيين في أسواق المال بدول المجلس محدودة أيضاً إن لم تكن ضعيفة, وقد اهتزت الثقة بعد الأزمات التي حدثت فيها, ثم بسبب ضعف اقتصادات دول المجلس واعتمادها الكلي على النفط كمصدر وحيد للدخل, وعلى الانفاق الحكومي في حركة النشاط الاقتصادي, مع ضعف القاعدة الإنتاجية لاقتصادات تلك الدول في ظل انعزالها عن بعضها البعض, وبالتالي وفي ضوء هذه المعطيات وتلك فإن الطفرة التي حدثت في سوق الأسهم في صيف 1998 لن تتكرر, ولن تتحسن أسعار الأسهم إلا في ظل معالجات حقيقية على صعيد الاقتصاد الوطني والاقليمي, ثم على صعيد معالجة أوضاع الشركات المساهمة مالياً وادارياً وفنياً.