اعتبر تقرير اقتصادي صدر في الكويت امس ان ما تم انجازه في مجال الاصلاح الاقتصادي كان قليلا ودون الحد المطلوب. واشار هذا التقرير الذي يصدره مكتب (الشال) للاستشارات والذي يديره الخبير الاقتصادي المعروف جاسم السعدون ان الحكومة الكويتية ليست في حاجة الى دراسة من فريق البنك الدولي الذي يزور الكويت هذه الايام, ولا الى تشكيل لجان محلية جديدة لتقديم النصح لها. فهناك العديد من الدراسات التي قدمها هذا الفريق في السابق وقدمتها اللجان ايضا ولكنها ظلت حبيسة الادراج, وكل المطلوب من الحكومة هو اعادة جلبها والبدء في تطبيقها وفق برنامج زمني محدود. واشار التقرير الى الزيارة التي يقوم فريق من البنك الدولي بها الى الكويت حاليا بغرض اجراء دراسة تساهم في قيام الحكومة بتحقيق نوايا الاصلاح المعلن عنها, كما ينشط النائب الأول لرئيس الوزراء ـ رئيس الوزراء بالنيابة ـ في الاجتماع بأكثر من جهة او مختص لذات الغرض. ويذكر نائب رئيس مجلس الوزراء لشئون مجلس الوزراء ومجلس الامة بأن من اولويات الحكومة المضي باقرار قوانين التخصيص والاستثمار الاجنبي المباشر وحماية براءات الاختراع والعلامات التجارية والمدن الجديدة وذلك بعد اجتماعه برئيس مجلس الامة وذكر بأن الحكومة بلغت مراحل متقدمة في تنفيذ وثيقة الاصلاح الاقتصادي وانها تنوي تبني وتنفيذ خطة اعلامية لتسويقها, وكان كل من الحكومة ومجلس الامة قد اقرا قوانين الاستثمار الاجنبي غير المباشر وحماية الملكية الفكرية ودعم العمالة الوطنية خلال النصف الأول من العام الحالي. واعتبر التقرير انه وعلى الرغم من ذلك الا ان ماتم انجازه مازال قليلا ولا يكفي, والواقع ان الحكومة لاتحتاج الى دراسة فريق البنك الدولي الجديدة ولا الى تشكيل لجان محلية جديدة لتقديم النصح لها. فقد سبق للبنك الدولي ان قدم دراسة حذر فيها من تكدس العمالة الحكومية عندما كان عدد موظفي الحكومة الكويتية من الكويتيين 103 آلاف موظف في عام 1992, وكانت البطالة المقنعة في حدود 20 ـ 40% منها, واصبحت عمالة الحكومة الكويتية من الكويتيين 211.4 الف موظف كما في 30/6/2000. وسبق له ان حدد عدد الشركات القابلة للبيع وقيمتها والمؤسسات القابلة للتخصيص وقيمة بعضها وحدد المدى الزمني لذلك بنحو 5 سنوات بدءا من نوفمبر 1993, ولاشيء تقريبا تحقق. وسبق له ان عرض في تقريره المذكور لمشكلات الدعم لاسعار الخدمات والسلع العامة وكيفية التعامل معها حتى انه نصح بدفع مبالغ نقدية لمن يوفر في استهلاكها ولم يتحقق شيء. وشكلت الحكومة ـ طبقا لجريدة القبس ـ 52 لجنة منذ التحرير لبحث الشأن الاقتصادي الى جانب المجلس الاعلى للتخطيط ووزارات الشأن الاقتصادي, وقدمت لجنة تعديل المسار توصيات تفصيلية للتعامل مع كل شيء تقريبا لكل ما يتعلق باعادة تسعير السلع والخدمات العامة وكانت تضم كل وزراء الشأن الاقتصادي, ولم يتحقق شيء. ولكن تبقى الحصيلة من كل تلك الدراسات موجودة, وهي قابلة ودون تعديل جوهري لجلبها من الرفوف وتطبيقها ضمن برنامج زمني محدود ومحترم, وذلك كله في حدود الممكن. والواقع ان المجلس الاعلى للتخطيط ووزارة التخطيط بصدد تبني خطة تضع اهدافا عامة رقمية لتخفيض مساهمة الحكومة في الاقتصاد, ومساهمة قطاع النفط فيه, ومساهمة ايرادات النفط في تمويل المالية العامة ولو تم في تبني تلك الاهداف واحترامها فستكون البلد بخير. فالبلد فيها ما يكفي من موارد, اذ تبلغ مدخراتها الخارجية العامة والخاصة اكثر من 100 مليار دولار امريكي, وفيها رسميا 9% من احتياطي النفط العالمي, وهي صغيرة مساحة وسكانا ومكتملة في بنيتها التحتية, وفيها نظام سياسي متقدم فيه فصل للسلطات, وفيها خزين من الخبرة والتجربة, وفيها لحسن الحظ للسنة الثانية فائض في المالية العامة بحكم المستوى العالي نسبيا لاسعار النفط. وما دامت الموارد متوفرة وهي العائق الرئيس في اكثر من 95% من الدول النامية, وما دامت الدراسات والخبرات موجودة, فلا بد وان العجز يكمن في قدرتنا على ادارة هذه الوفرة عكس غيرنا عندما يعجز عن التعامل مع ندرة موارده ونعطيه بعض العذر. ونعتقد ان ادارة الموارد تحتاج الى فريق سياسي ـ اي مجلس وزراء ـ متجانس وقادر ويعرف لغة العالم الجديدة ويقاتل من اجل الدفاع عن قناعاته تحت هاجس حماية الأمن الوطني للبلد لأطول من الزمن القصير. واشار التقرير الى انه تتوارد تباعا اخبار طيبة عن نوايا لاعادة بناء احتياطي الاجيال المقبلة الى مستواه كما في حقبة ما قبل الغزو عندما كان يبلغ نحو 100 مليار دولار امريكي, ذكر ذلك وزير النفط في معرض تعليقه على اقرار تعويضات لقطاع النفط, وكرره الاسبوع الفائت كل من وزير المالية والعضو المنتدب للهيئة العامة للاستثمار. امران في هذه الدعوات يجب وضعهما في اطارهما الصحيح, الأول هو الحذر من ربط رقم تعويضات قطاع النفط الاخيرة البالغة 15ر9 دولارا امريكيا بحجم احتياطي الاجيال المقبلة, فزمن استلامها قد يطول كثيرا وهناك شك كبير في استلام القسم الاكبر منها, والثاني ضرورة ربط الحديث عن تنمية ذلك الاحتياطي ببرنامج زمني لا يتبع تماما حركة اسعار النفط. ورغم ذلك, تظل تلك نوايا طيبة لان غياب رؤية واضحة وملتزم بها للنهج التنموي المحلي تحصر خيارنا الوحيد في الزمن القصير, في عدم زيادة حجم النفقات العامة وحجم الحكومة, وزيادة حجم تراكم المدخرات العامة والأجنبية منها بالتحديد حتى تتضح رؤيتنا التنموية. اذ ان ذلك سيعزز من ملاءة البلد المالية, وسينوع قليلا من تركيبة اصولها وبالتبعية مصادر دخلها, ويخفف تدريجيا من مخاطر الاعتماد على النفط. ومع انفتاح العالم على بعضه, يمكن لاحقا لو احسنت ادارته ان يكون في جزء منه احد خيارات اية استراتيجية تنموية للبلد, والواقع ان ذلك قد يكون خيارا ضروريا. الكويت ـ أنور الياسين