اغلق سوق الاوراق المالية الامريكية في وول ستريت ابوابه في نهاية التداول يوم الخميس مسجلا اسوء خسارة لحقت به منذ افتتاحه, اذا ما قسنا هذه الخسارة ـ عند المقارنة ـ من زاوية قيمتها المطلقة وليس قيمتها النسبية. ذلك ان مؤشر داوجونز فقد نحو 379 نقطة, او 3.6% من حجمه السابق, ليهبط بذلك الى ما فوق حد العشرة آلاف نقطة بنحو 34.5 نقطة. والخسارة هذه ـ كنسبة مئوية ـ قد لاتكون مخيفة بعد, ولكنها ـ كعدد نقاط ـ تعد امرا يستحق التوقف لبرهة. وما يستدعي ايضا هذا التوقف هو ان مؤشر ناسداك تراجع بدوره بما يزيد على 94 نقطة, او 2ر9%. وفي الحالتين فإن هذه التراجعات المتوازية هي السادسة على التوالي, اي ان المؤشرين دخلا سباقا في الهبوط لم يتوقف خلال ستة ايام تداول متوالية. داو جونز كان قد تجاوز (الحاجز النفسي) لمستوى 10 آلاف نقطة في مارس 1999, ثم واصل الصعود بعد ذلك بلا توقف, ولكن ها نحن نراه يهبط حتى لم يبق بينه وبين ذلك الحاجز النفسي سوى 34 نقطة تقريبا, والسؤال الان هو: هل يواصل داو جونز مشوار الهبوط فيعبر ذلك الحاجز النفسي ولكن في الاتجاه المعاكس, اي هبوطا, بعد ان كان قد عبره صعودا قبل عام ونصف العام؟ والسؤال نفسه ينطبق ايضا ـ مع تعديلات في الارقام ـ على مؤشر ناسداك فمستوى الهبوط الذي لامسه المؤشر الآن لم نره منذ نوفمبر 1999. ولو حسبنا متوسط اداء المؤشر طيلة العام فسوف نجده قد تراجع نحو 24% خلال العام, وذلك بعد تعاملات محمومة بالفعل, اذ تم تبادل 2.1 مليار سهم خلال ساعات. الى اين اذن؟ هل يواصل داوجونز وناسداك هبوطهما؟ واذا فعلا, فإلى اين سيصلا؟ ثم هناك احتمالات بتدخل من نوع ما لوقف هذا الانحدار المتصل؟ هذه الاسئلة ـ بطبيعتها ـ تستدعي فهم الاسباب المباشرة التي ادت الى ما حدث. في البدء كان الشرق الاوسط. احداث الارض المحتلة وانفجار اليمن اسفرت عن حالة قلق عامة بشأن امدادات النفط. واسفر ذلك بدوره عن ركل الاسعار الى اعلى حيث وصلت في بعض لحظات التداول الى 36 دولاراً للبرميل. ولكن لماذا كان داوجونز وناسداك يهبطان قبل هذا الانفجار الاخير في الموقف؟ لماذا كان المؤشران يواصلان الهبوط حتى بعد ان تراجعت اسعار النفط الى 29 دولاراً للبرميل؟ لابد اذن ان قفزة اسعار البترول لم تكن السبب الوحيد الذي ادى الى ذلك اليوم العصيب في وول ستريت؟ وهو بالفعل استنتاج صحيح. ذلك ان (مزاج) السوق ازداد سوءا بعد تصريح جاء من شركة (هوم ديبوت) قالت فيه ادارة الشركة انها ستعجز عن تحقيق مستوى الاسعار المتوقع للربع الثالث من العام. ما حدث بعد هذا التصريح هو الامر المتوقع تماماً, فقد فقد سهم الشركة 29% من قيمته, او نحو 14 دولاراً للسهم الواحد. وشركة (هوم ديبوت) متخصصة في تصنيع وتوزيع مستلزمات توسعة وتجديد وبناء المنازل, وهو نشاط يتداخل مع قطاعات اخرى لها صلة مباشرة باستهلاك المشتري الامريكي العادي. ولكن المستثمرين في وول ستريت استنتجوا فوراً ان الشركات الاخرى العاملة في نفس القطاع, او تلك التي على صلة به, لابد انها لن تحقق هي الاخرى الارباح المستهدفة اذا كان (كبير القوم) ـ اي هوم ديبوت ـ لم يحققها. وهكذا هبطت اسعار اسهم (لووز) بمقدار 13ر3 دولارات للسهم (فوصل إلى نحو 38 دولاراً) كما هبطت اسعار شركة البيع بالتجزئة (وول مارث) بمقدار 2.1 دولار تقريباً (لتصل إلى 13.44 دولاراً للسهم الواحد). والمشكلة ان تلك التداعيات التي حدثت بعد بيان (هوم ديبوت) جاءت في لحظة يتوقع فيها الجميع ان تأتي ارباح الشركات التي ستعلن خلال ايام, اقل كثيراً مما قدرته هذه الشركات, ومما اتخذه المستثمرون اساساً لاستثماراتهم في اسهمها. بعبارة اخرى كان بيان (هوم ديبوت) تأكيداً لشائعات السوق عن انخفاض عام في ارباح الشركات خلال الربع الثالث من هذا العام. ثم استنتج السوق ـ بسرعة كبيرة ايضاً ـ ان اسهم المصارف والمؤسسات المالية قد تكون مهددة بدورها وذلك بسبب الارتفاع المتوقع في المخاطر المحيطة بالقروض الممنوحة للشركات. وهكذا رأينا سهم جيه.بي. مورجان يهبط بمقدار 8.10 دولارات, كما تراجع سهم سيتي جروب بمقدار 7ر2 دولار وليهمان براذرز بمقدار نحو 12 دولارا وجولدمان ساكس بمقدار نحو 7.9 دولارات. الطريف في الامر ان القطاع الوحيد الذي شهد ارتفاعاً في اسعار اسهمه كان هو قطاع شركات النفط. فالجميع يتوقع ان تؤدي قفزات البرميل إلى زيادة ارباح هذه الشركات وذلك في اتجاه معاكس للتيار العام الذي يجرف الآن اسهم اغلب شركات القطاعات الاخرى إلى الاسفل. وتراجعت اسهم شركات الطيران بارتفاع اسعار الوقود, فتراجعت بعدها اسهم شركات صناعة الطائرات بسبب التراجع المتوقع في ارباح اسهم شركات الطيران ومن ثم تقلص قدرتها على شراء طائرات جديدة.. وهكذا. المشكلة اذن يمكن ان توضع على النحو التالي: انفجر الموقف في الشرق الاوسط, وتحالف ذلك مع بيان لشركة عملاقة مثل هوم ديبوت, فاطلق شرارة الشرارة اشعلت اخشاب التكهنات السلبية السائدة حول اداء الشركات بصفة عامة (خصوصاً في قطاع (الكمبيوتر تكنولوجي) اشتعال هذه الاخشاب ادى إلى التقاط غابة التكهنات حول الركود الاقتصادي المتوقع لهذه النيران,وبدأ احتراقها بدورها. الامريكيون ليسوا واثقين الآن من ان اقتصادهم سيواصل النمو. ذلك ان هناك علامات كثيرة تقول ان مرحلة من التباطؤ قد بدأت بالفعل. واهم هذه المؤشرات هو تراجع ارباح الشركات وتراجع ست قوائم من مجموع عشر قوائم على (مؤشر الاستهلاك) الامريكي الشهير الذي يعكس بدقة حركة الاسواق والمستهلكين. إلى أين اذن؟.. هذا السؤال ينتظر بيانات الشركات عن ارباحها, ولما كان المتوقع هو انخفاض الارباح فإن من المنطقي توقع ان يتراجع مؤشر داوجونز وناسداك بدورها. الا اننا لا نواجه في واقع الحال موقفاً درامياً, وذلك بسبب الصناديق المشتركة التي تدخل السوق عادة في لحظات كالتي نراها الآن لتشتري كميات كبيرة من الاسهم باسعار مغرية للغاية. فضلاً عن هذا فإن تباطؤ الاقتصاد الامريكي هو جزء من دورة معتادة. نحن لانرى مثلاً علامات انهيار اقتصادي او ازمة اقتصادية كبيرة. من هنا فليس هناك ما يبرر اي تكهنات بانهيار في سوق الاوراق المالية. ما سنراه ـ اغلب الظن هو تراجع منظم ومتصل خلال الشهرين او الشهور الثلاثة المقبلة, حتى تصل الارقام ـ سواء في داوجونز او ناسداك ـ إلى ما يتلائم مع الاوضاع الفعلية للشركات. والاقرب إلى المنطق ساعتها ان تعود السوق الامريكية إلى مستويات اقرب إلى الاستقرار. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز