تشهد الساحة العالمية حالياً سباقاً محموماً نحو جذب الاستثمارات الأجنبية إلى أسواقها المحلية, ولا يقتصر هذا التسابق على الدول النامية والفقيرة فحسب, وإنما شمل الدول المتقدمة والصناعية, ومن أجل تحقيق ذلك فإن الدول اتخذت مجموعة من السياسات وسنت العديد من التشريعات لضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية اليها واستقرارها فيها. وفي هذا السياق فإن هذه الدول وفي إطار التنافس فيما بينها على حصص الاستثمارات الأجنبية فإنها عمدت إلى وضع حوافز ومشهيات, وأعطت اعفاءات وتسهيلات بغية جذب جزء من حجم الاستثمارات الأجنبية إليها. إن لكل دولة أو مجموعة الدول أسبابها ومبرراتها في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية إليها, فهي ما قدمت كل تلك التسهيلات إلا لحاجة ماسة لتلك الاستثمارات لتوظيفها في مشاريع التنمية أو النمو الاقتصادي لديها باعتبارها إحدى مصادر التمويل التي تلجأ إليها الدول للتقليل من فجوة الموارد التي تعاني منها هذه الدول فالدول الصناعية في إطار سعيها إلى المنافسة في سوق الاستثمارات الدولية فإن ذلك يأتي من منطلق سعيها لتصحيح بعض الاختلالات الهيكلية لديها أو لتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهة متطلبات العولمة, أو التنافس الشرس في سوق الإنتاج العالمية, ولمواجهة الاحتدام المحتمل والصراع القائم بين التكتلات الاقتصادية العالمية سواء في أوروبا (الاتحاد الأوروبي), أو في الولايات المتحدة, أو في أمريكا اللاتينية, وهذه الدول رغم ما تمتلكه من فائض رأسمالي إلا إنها تنافس من أجل تحقيق السيطرة وتحقيق مركز متقدم بين الدول الرأسمالية, بل إنها حينما تسعى لتقديم قروض واستثمارات في الدول النامية فإن لها أهدافها غير المعلنة!! أما الدول النامية فإن في سعيها نحو اقتناص جزء من الاستثمارات الأجنبية أو استجدائها للدول الصناعية (ذات الفائض) لتقديم قروض أو استثمارات مباشرة إنما تعمد إلى ذلك لمعالجة الاختلالات الهيكلية الشديدة في بعض الأحيان والتي تعاني منها هذه الدول سواء في موازين مدفوعاتها حيث تعاني من اختلالات وعجز مزمن وبالتالي فإن الجزء الأكبر من القروض والتسهيلات والاستثمارات تذهب إلى معالجة المديونية أو العجز في تلك الموازين أو لتمويل السلع المستوردة بقصد تنفيذ مشاريع وبرامج تنموية. وفي أحيان أخرى فإن هذه الدول تسعى إلى الاستثمارات الأجنبية بقصد تمويل العجز المزمن في الميزانيات الحكومية حيث تعاني من تفاقم حجم الانفاق مع إنخفاض في الإيرادات, ولعل الجزء الأكبر من الإنفاق يكون أما انفاقاً عسكرياً لتحصين الأنظمة القائمة, أو لشراء سلع استهلاكية لتوفيرها للشعوب لاسكات صوتها خشية الاضطرابات والانقلابات!! أما الشكل الآخر للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة للدول النامية فبقصد معالجة التضخم الناجم عن إرتفاع الأسعار بفعل إنخفاض أسعار الصرف لعملاتها وبالتالي فإن الدول النامية تسعى للحصول على قروض واستثمارات لمعالجة الاختلالات في أسعار صرف عملاتها كي لا تتفاقم الأسعار أكثر من ذلك وتملي أوضاعاً معيشية واجتماعية لها انعكاساتها الخطيرة على الأوضاع الأمنية وعلى أنظمة الحكم فيها. أما الاستثمارات المباشرة والتي تتم من خلال إنشاء شركات ومشاريع برأسمال أجنبي في دول العالم الثالث فإن قصد الدول النامية من ذلك هو تصنيع الموارد الطبيعية أو الموارد الأولية التي تحتاج إلى تصنيع أو تطوير أو استثمار وهي تفتقر إلى رؤوس الأموال الأجنبية التي تأتي اليها على هيئة أموال سائلة, أو معدات وآليات وتقنيات, أو أيدي عاملة متخصصة وذات خبرة عالية. إن الدول النامية حينما يتحقق لها ذلك فقد توصلت إلى مبتغاها من الاستثمارات الأجنبية من إتاحة الاستثمارات الأجنبية هذه فرصاً للعاملين المواطنين فيها, وكذلك تحقيق اكتفاء ذاتي أو جزئي من الصناعات التي يفرزها الاستثمار الأجنبي, أو تتحول الدولة من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة يتحسن من خلال صادراتها ميزان مدفوعاتها, وتستطيع بذلك ان توجد رصيدا.. أو تزيد من رصيدها من الموجودات الأجنبية تعزز من وضعية سعر صرف عملتها وتتمكن من توفير إحتياجات مجتمعها وأفراده من السوق العالمية. إنه على الرغم من كل التنازلات التي تقدمها الدول النامية والتي بعضها تمس السيادة وحرية القرار السياسي إلا إن الدول الصناعية حينما تقدم مساعداتها للدول النامية على هيئة استثمارات في مشاريع بتلك الدول, إنما تهدف إلى تحقيق أهداف مرحلية ومنها تحقيق الربح السريع والتحكم في إدارات تلك المشاريع ونوعية المشروعات وملكيتها!! ومن ناحية أخرى فإن رغم ما يعلن من خلال الاعلام عن حجم الاستثمارات الأجنبية للدول الرأسمالية في الدول النامية أو دول العالم الثالث فإن التقارير الدولية ومنها تقرير (الأونكتاد) تؤكد على أن النصيب الأكبر من الاستثمارات الأجنبية تصب في اقتصاديات دول صناعية محدودة العدد وعلى رأسها الولايات المتحدة حيث تسعى تلك الدول وحسبما اشرنا إلى تعزيز مواقعها ومراكزها الرأسمالية لمواجهة متطلبات المرحلة المقبلة وهي مرحلة القرن الحالي (الحادي والعشرين) حيث تكون المنافسة قوية بين مراكز النفوذ الاقتصادي والتجاري. لقد وجدت الشركات النفطية الأجنبية فرصة سانحة أمامها عندما دعت كلا من الكويت والمملكة العربية السعودية الشركات الأجنبية بالاستثمار في أهم القطاعات الاقتصادية فيهما وهو قطاع النفط حيث تسابقت هذه الشركات في تقديم خدماتها وبذلك تعلن هاتان الدولتان عودة الاستثمارات الأجنبية اليهما على الرغم من أن الكويت قد حققت نجاحات كبيرة في هذا القطاع سواء في المسوحات أو التنقيب أو الإنتاج والتسويق وذلك من خلال شركاتها الوطنية منذ تأميمها لهذا القطاع الحيوي في عام ,1980 فيما بدأت المملكة العربية السعودية تأميم قطاعها النفطي منذ عام 1973م بتأسيسها لشركة (أرامكو) والتي تمتلك امكانيات فنية ومادية كبيرة والتي حققت من خلالها تطوير كبير في قطاع النفط السعودي الذي يشكل أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لما تمتلكه المملكة من مخزون نفطي وغازي ضخم. في ضوء الاعتبارات السابقة الذكر نشخص حقيقة الدعوة إلى الانفتاح الكلي أو الجزئي لسوق الإمارات أمام الاستثمارات الأجنبية وذلك من حيث الدواعي والمبررات ثم الايجابيات والمخاوف. ثم ننتهي إلى محاولة لوضع صيغة مناسبة لكيفية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية في ضوء اعتبارات الإنفتاح العالمي والمتغيرات الاقتصادية العالمية. دوافع الاستثمارات الأجنبية لقد أشرنا إلى مقومات المناخ الاستثماري في الإمارات سواء من حيث الإستقرار السياسي والاقتصادي والأمني, أو الحرية الاقتصادية وسياسة الباب المفتوح وانضمام الإمارات إلى منظمة التجارة العالمية, أو البنى والهياكل التحتية المتطورة, أو غياب الضرائب ومحدودية الرسوم, أو الفرص الاستثمارية المتوفرة في الإمارات, أو قوة السيولة وزيادة الطلب على السلع الإستهلاكية وما إلى ذلك من أسباب القوة التي تشكل دوافع ومبررات مباشرة أمام الاستثمارات الأجنبية. وعلاوة على ذلك فإن الإمارات تعتبر من الدول النفطية ذات الفائض الكبير, وتتمتع بسيولة عالية, بل إنها من الدول المصدرة لرأس المال. أما دخل الفرد فيها فيعتبر من أعلى الدخول في العالم وهذا يشير إلى ضرورة أن يكون هناك ادخارات عالية تفضي إلى استثمارات عالية, أما من حيث الكثافة السكانية فالإمارات ذات كثافة سكانية محدودة ولاسيما المواطنين منهم وهذا يعني امكانية تقليص الطلب من السلع والخدمات من الأسواق العالمية. في ضوء ذلك يجدر التساؤل حول مدى الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية؟! ومدى الحجم الذي تحتاجه سوق الإمارات؟! وما هي أشكال الاستثمارات؟! ما هي قنواتها؟! ما هي تكلفة تلك الاستثمارات الأجنبية على الاقتصاد والمجتمع الإماراتي! ما هي الضوابط التي يجب وضعها للحد من تأثيرات الاستثمارات الأجنبية السلبية؟ وهل يتم فتح الباب أمامها بشكل واسع وكلي أم بشكل ضيق ومتدرج؟!! وما هي نسبة التملك؟ وماهي القطاعات التي يمكن دخول الاستثمارات الأجنبية اليها؟! ايجابيات الاستثمارات الأجنبية إن تناول ايجابيات الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الوطني للدولة لا يجب أن يتم من زاوية المصالح الفردية الآنية والضيقة التي تجدها شريحة من رجال الأعمال والفعاليات الاقتصادية وإنما من منطلق مصالح الدولة ومواطنيها والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني, وتحقيق التنمية الاقتصادية بعيداً عن الهزات أو المضاربات التي تهدف تحقيق أرباح خيالية في وقت قياسي, ويمكن أن تتحد فوائد أو ايجابيات الاستثمارات الأجنبية فيما إذا كانت هناك ضوابط وتشريعات وقوانين تحمي مصالح الدولة وأمنها واستقرارها, ويجب تحديد مجالات الاستثمارات الأجنبية والجدوى منها قبل فتح باب سوقنا على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية, مراعين في عين الاعتبار تجارب بعض الدول ومنها دول آسيا (النمور الصفر) التي حولتها الاستثمارات الأجنبية إلى خراب بعدما دمرت فيها مؤسساتها وأسواقها وعملاتها. من هنا فإن التعامل مع الاستثمارات الأجنبية يجب أن يتم في غاية الدقة وفي إطار المصالح العامة والمحافظة على منجزات الدولة ومكتسباتها لاسيما في ظل انضمام الإمارات إلى منظمة التجارة العالمية التي سوف تملي واقعاً مختلفاً ثم ايضاً متطلبات العولمة الاقتصادية. إن قضية الاستثمارات الأجنبية يجب دراستها من كل الجوانب لتحديد آثارها الإيجابية وسلبياتها والحد من تأثيراتها السلبية هذا على الرغم من حجم الاستثمارات الأجنبية المتواجدة في سوق الإمارات وعلى الرغم من الرغبة الأكيدة من قبل الشركات الأجنبية بفتح فروع لها في سوق الإمارات, وعلى الرغم من القوانين التي تسمح بتملك 49% من رأسمال الشركات المشتركة فيما يتملك المواطن نسبة 51% إلا أن حقيقة الأمر تؤكد على إن غالبية الشركات العاملة في الإمارات وفي القطاع الخاص تصل نسبة الملكية الأجنبية فيها إلى 100% فيما يقتصر دور الشريك المواطن على مكافأة سنوية في نهاية كل عام!! فيما تدار هذه الشركات من قبل الإدارات الأجنبية وعمالة أجنبية أيضاً!! إننا يمكن أن نحدد الايجابيات من الاستثمارات الأجنبية في ظل عدم المساس في ملكية الشركات بل لابد وأن يتم التأكد من حقيقة الملكية الوطنية في الشركات المشتركة وفي ضوء ذلك فإن الايجابيات المتوخاة من الاستثمارات الأجنبية تتجسد في التالي: ـ زيادة السيولة في الاقتصاد الوطني من خلال استقطاب رؤوس أموال جديدة. ـ المساعدة في تحقيق تنمية اقتصادية ورفع معدلات النمو في الاقتصاد الوطني. ـ توسيع قاعدة المستثمرين في الشركات المساهمة وتوزيع المخاطر وزيادة حجم إنتاج هذه الشركات وحجم التعامل باسهم الشركات المؤسسة برأسمال مشترك. وإقامة شركات مساهمة ذات الحجم الكبير ولديها امكانية للمنافسة العالمية. ـ استقطاب الخبرات الإدارية والفنية ذات المستوى العالي والمعرفة الجيدة التي يمكن أن تساهم في رفع القدرة التشغيلية للشركات المساهمة. ـ استقطاب التقنية العالية الأجنبية ومزجها مع الإدارة والعمالة الوطنية لزيادة فاعلية الشركات ورفع من مستوى الجودة وتقليص الزمن لإنتاج وحدات معينة من السلع والخدمات. ـ إن انشاء شركات مساهمة برأسمال مشترك لتعمل في القطاعات الإنتاجية سوف يساهم من فتح أسواق كبيرة وواسعة أمام السلع المنتجة حيث سوف تعطى الأفضلية للسلع المنتجة في أسواق الدول الأجنبية التي تساهم في رأسمال هذه الشركات. ـ إن انشاء شركات جديدة بحكم الاستثمارات الأجنبية من شأنه خلق فرص عمل للمواطنين وبالتالي الحد من تفاقم البطالة في أوساط الخريجين وقوى العمل المواطنة. ـ إن وجود استثمارات أجنبية في القطاعات السلعية سوف يشكل دعماً فعلياً للتنمية الاقتصادية في الدولة وتنشيطاً للاقتصاد الكلي وتنويعاً في القاعدة الإنتاجية ومصادر الدخل. ـ إن الاستثمارات الأجنبية وتواجدها في سوق الإمارات هو أمر يمليه واقع الإتفاقيات التي أبرمتها الإمارات مع مجموعة الدول سواء اتفاقيات الاستثمارات أو اتفاقيات منع الازدواج الضريبي, أو انضمام الإمارات إلى منظمة التجارة العالمية أو الايفاء بمتطلبات الاندماج في الاقتصاد العالمي والعولمة الاقتصادية. ـ الاستثمارات الأجنبية تساهم في تقليص التضخم الذي قد ينجم في الاقتصاد الوطني. ـ تساهم الاستثمارات الأجنبية في اكتساب الاقتصاد الوطني الخبرة العلمية المتميزة وتجارب غنية لاسيما من قبل القطاع الخاص, فضلاً عن خلق منافسة وتطور نوعي في سوق الإنتاج والعمل في الإمارات وهذا من شأنه يقلل من المضاربات التي تؤدي إلى اهتزاز السوق. ـ تساهم الاستثمارات الأجنبية في ربط السوق المالية بالإمارات بالأسواق العالمية حيث يمكن أن يتم تداول أسهم الشركات ذات رأس المال المشترك أو الشركات ذات رأس المال الأجنبي في الأسواق العالمية الأمر الذي يساعد على انتشار هذه الشركات ويعزز من أوضاعها وقواعدها الرأسمالية ويشكل حماية للاستثمارات عامة بالدولة خاصة في ظل قبول التشريعات والقوانين الاقتصادية بالدولة بفتح الأسواق أمام الاستثمارات في المشاريع ورفع نسبة ملكية الأجانب فيها. ـ تساهم الاستثمارات الأجنبية في تحقيق الاستقرار في المنطقة وتجنبها من أية اضطرابات حيث ستعمل الدول المصدرة لرؤوس أموالها إلى الإمارات أو المنطقة على حماية المنطقة من أية مشاكل داخلية أو تهديدات خارجية من منطلق حماية مصالحها الاستراتيجية واستثمارات شركاتها العاملة في الإمارات والمنطقة.