كتب المحرر الاقتصادي: يشير انهيار شركة شيواد اليابانية للتأمين وهي خامس شركة تأمين تنهار في اليابان خلال السنوات الاربع الماضية إلى استمرار وجود ضعف هيكلي في الاقتصاد الياباني في الوقت الذي تبدو فيه ثقة رجال الاعمال والشركات مرتفعة وتتحسن ايضا. ولا يزال السياسيون في اليابان منقسمين بشأن رفع اسعار الفائدة والضعف المالي لشركات التأمين في البلاد الذي يعقد جهود حفز استئناف النمو الاقتصادي القوي. وبرغم قرار البنك المركزي الياباني برفع اسعار الفائدة بنسبة 25.0% في اغسطس العام الجاري, والتخلي عن سياسة سعر الفائدة الصغرى, فإن تكلفة الاقتراض لا تزال هي الاقل عالمياً في اليابان. وانخفاض اسعار الفائدة هو رد الفعل المنطقي للضعف الاقتصادي في البلاد, حيث ان معدل النمو الاقتصادي (نمو اجمالي الناتج المحلي) لم يرتفع طوال السنوات الاربع الماضية. وتستخدم الحكومة بديلاً آخر على نطاق واسع هو الانفاق الكبير بعجز في الميزانية حتى يستطيع الاقتصاد ان يحقق قفزة تنموية او يرتفع معدل النمو الاقتصادي بشكل كبير, ويتجه الدين الياباني العام المرتفع جداً نحو مستويات تسبب القلق والمخاوف. وأشد ما يثير القلق بشأن الوضع الحالي هو التزامن بين انخفاض اسعار الفائدة والسياسة المالية الفضفاضة التي لا يبدو انها تحقق النتائج المطلوبة. والاثر الرئيسي لارتفاع الانفاق الياباني بالعجز قد اتضح على سعر الين الياباني, الذي ادى إلى انجازات عجيبة في الانتعاش الاقتصادي لبقية اجزاء آسيا ويعني بوضوح ان طوكيو تصدر جهود التحفيز على الانفاق إلى بقية الدول الآسيوية. ولا يزال نمو اجمالي الناتج المحلي الياباني ضعيفاً برغم ميزانيات الانفاق الاضافية اليابانية, ولم يصل هذا النمو من الارتفاع الكافي بحيث يعزز العائدات الضريبية ويمكن من السيطرة على الدين العام المتزايد بشكل مرعب. ومازاد الامر سوءاً هو ضعف القطاع الخاص الياباني بما فيه البنوك وشركات التأمين وشركات اخرى. فهناك كثير من الشركات تعاني من ارتفاع كبير في ديونها لدرجة ان انخفاض اسعار الفائدة لا يؤثر تأثيراً كبيراً في تشجيعها على زيادة استثماراتها من خلال الاقتراض. وقد قال بعض المسئولين من الذين يؤيدون ارتفاع اسعار الفائدة, مثل محافظ البنك المركزي ماسارو هيامي ان خفض اسعار الفائدة سوف يزيد الامور تعقيداً عن طريق ترك الشركات ذات الادارة الضعيفة تواصل العمل وتأجيل عملية غربلة الشركات واعادة هيكلتها. والمخاطرة التي تنطوي افكار واسلوب ماسارو هيامي التي تفيد بانه لا يمكن تحقيق اي شىء دون ألم هي انهيار مزيد من الشركات خلال هذه المرحلة بما يصاحبه من انخفاض في العائدات الضريبية وارتفاع ديون البنوك وتزايد مخاطر تعميم الأزمة المالية وانتشارها في المستقبل القريب. لكن حالة شركة تشيودا للتأمين تشير الى ان الابقاء على اسعار الفائدة منخفضة جدا يشكل مخاطرة ايضا. فشركات التأمين اليابانية تؤمن لمستهلكيها عائدات ثابتة على بوالص التأمين التي باعتها من سنوات, عندما كانت أسعار الفائدة اعلى, وتسببت سياسة سعر الفائدة العنصرية في معاناة كثير من هذه الشركات عن طريق انخفاض عائداتها والضغط على استثماراتها. كما انه من الواضح ان فقدان شركة شيودا للملاءة المالية القى بظلاله على سوق الاسهم اليابانية بينما لم يكن لمثل ذلك ان يحدث هذا الاثر في اي من الدول المتقدمة الاخرى, لكن السوق اليابانية لها حساسية خاصة ومخاطر من نوع خاص ايضا. فالبنوك اليابانية تقوم بالغاء الديون المعدومة طوال العقد الماضي, لكنه مع ارتفاع معدلات افلاس الشركات, يبدو ان كثيرا من البنوك تبذل جهودا كبيرة دون تحقيق اي فائدة تذكر من حيث معدلات النمو. وما يساعد في الابقاء على ملاءة البنوك وشركات التأمين هو الفوائد غير المنظورة التي يجنوها من الاستثمار في الاسهم اليابانية, وفي الوقت الحالي تتضاءل وتتآكل هذه الفوائد, في ظل انخفاض مؤشر نيكي الى اقل مستوى له من 19 شهراً. وهناك كثير من الأمور تعتمد على ما يتوهمه المستثمرون في سوق طوكيو للاسهم. فإذا كان هناك عدد كاف من المستثمرين يصدقون ما اصبح شديد الوضوح الان بحيث لا يعرف اي منهم ماذا يفعل ازاء ازمة النمو الياباني وغموض ومتاهات سياسية أسعار الفائدة, فإن الانخفاض الكبير الذي سيحدث في أسعار الاسهم قد يعقد من الأزمة والفوضى المالية. إلى أين يتجه الاقتصاد الياباني؟ تشير آخر الاحصاءات والأرقام عن الاقتصاد الياباني مرة اخرى الى ان البنك المركزي لايزال على خلاف مع المسئولين المنتخبين ووزاة المالية حول افضل السبل لمعالجة ركود معدل النمو الاقتصادي في البلاد والمستمر من عقد من الزمان. فقد اشارت بيانات نشرها البنك المركزي الى ان ثقة المستثمرين والشركات عند اعلى معدل لها منذ ثلاث سنوات, في الوقت الذي اشارت فيه بيانات عن مكالمة التخطيط الاقتصادي الى قوة غير مسبوقة عن هذه الثقة ايضا. لكن المثير في الأمر ان كلا من الطرفين, البنك المركزي, ووكالة التخطيط الاقتصادي ذات العقلية السياسية, وتستجيب لضغوط البرلمان والوزارات الاقتصادية يعطي تفسيراً مختلفا لهذه البيانات. فقد فسر محافظ البنك الياباني ذلك بأنه دليل على ان اليابان دخلت اخيرا مرحلة الانتعاش الاقتصادي المستمر المدفوع بقوى ذاتية, لكن وكالة تخطيط الطاقة رددت رأي وزير المالية كنيش ميازاوا بأن النصف الثاني من العام الجاري سوف يشهد انخفاضاً في معدل نمو الاقتصاد مقارنة بالنصف الأول من العام. وتوقع رئيس وكالة التخطيط الاقتصادي ان يتجمد النمو الاقتصادي, لكن يبدو ان الجانبين مخطئين الى حد ما, ويهدد الاختلاف حول السياسات الاقتصادية بالقاء اليابان في بحيرة من الكساد العميق أكثر من أي سبب آخر. لقد لاحظ محافظ البنك المركزي ماسارو هيامي ان الزعماء السياسيين يناضلون من اجل حفز النمو الاقتصادي بشكل غير طبيعي من خلال رفع معدلات الدين العام )الداخلي( من اجل الانفاق, وحذر من خطورة ذلك. يصل عجز الميزانية الان الى 10% من اجمالي الناتج المحلي الياباني ويصل حجم الدين الحكومي الى 130% من اجمالي الناتج المحلي. ويمكن ان تخرج ديون الحكومة المركزية عن السيطرة اذا لم تتوقف الحكومة عن الانفاق بالعجز في الميزانية في وقت قريب, حتى اذا نحينا جانباً بعض مفاجآت المخاطر المالية الواضحة التي قد تكون غير ظاهرة الان ومنها استمرار ارتفاع مستويات الديون المعدومة للبنوك والافلاس المحتمل لكثير من الحكومات المحلية التي تفتقر الى السيولة النقدية حالياً. ولا يزال الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم يعد ميزانية تكميلية اخرى لحفز النمو الاقتصادي يصل حجمها الى 4 تريليونات ين ياباني (37 مليار دولار امريكي), وسوف تنتهى تفاصيل هذه الميزانية خلال الشهر الجاري. ويرى هيامي الذي يعد من المحافظين من الناحية الاقتصادية ان الانباء الجيدة في ثنايا البيانات الاخيرة انها توفر سلاحاً مفيداً لاثبات انه لاتوجد خسائر. وفي الوقت الذي يحق لهيامي ان يخشى ازمة الديون في القطاع العام, فانه ليس لديه بديل لمنع انزلاق الاقتصاد في هوة الكساد وتجمد معدل النمو مرة اخرى. ولا يتفق معه كثير من المحللين في تفاؤله بشأن اقتراب الانتعاش الاقتصادي, وهو ما أقنعه برفع سعر الفائدة الصفرية في اغسطس العام الجاري. فقد كانت هذه الخطوة خاطئة بكل تأكيد, واذا ادى ارتفاع سعر الفائدة الى بطء معدل النمو مرة اخرى, وهذا يبدو محتملاً, سوف يؤدي انخفاض العائدات الضريبية الناتج عن ذلك الى مزيد من تعقيدات سداد الديون الحكومية اليابانية. وهناك احتمال ان تجمع اليابان ثاني أكبر الاقتصاديات في العالم, بين اسوأ ما في العالم المتقدم والعالم النامي على حد سواء, وهو عبء الديون العام الثقيل دون ان يعوض ذلك معدل نمو سريع في النمو الاقتصادي حتى ان الانفاق بالعجز في الميزانية يمكن ان يصل بمعدل النمو الاقتصادي الياباني الى مستوى الصفر. تبدو الاتجاهات المالية في اليابان في وضع خطر اكثر من اي وقت مضى والنتيجة المحتملة ايضا قد تكون اسوأ, ألا وهي الارتفاع المفاجىء في تكلفة الاقتراض الحكومي حيث ان المستثمرين الذين يشعرون بالعصبية سوف يبتعدون عن سوق السندات, مما يدفع عبء سداد الدين الى مستويات غير مسبوقة, ويؤدي في النهاية الى انهيار مالي في البلاد.