ذكرت تقديرات رسمية باكستانية ان عدد الاطفال الذين يعملون في العديد من الصناعات الباكستانية يبلغ 3.3 ملايين طفل بينما تذهب تقديرات مستقلة الى ان الرقم الحقيقي هو عشرة ملايين طفل. وربما يكشف هذا العدد الكبير عن المهمة الصعبة التي تنتظر الحكومة الباكستانية للقضاء على ظاهرة عمالة الاطفال وهي ظاهرة تعرقل توسيع نطاق الصادرات الباكستانية للخارج بسبب اعتراض الكثير من الدول وخاصة في الغرب على استيرا منتجات من دول تسمح بتشغيل الاطفال. وواقع الحال ان العديد من الدول الغربية التي تفرض حظرا على الصادرات الباكستانية بسبب عمالة الاطفال انما تسعى لارغام السلطات الباكستانية ليس على اصدار تشريعات تمنع عمالة الاطفال فحسب وانما ايضا لتبني سياسات لرعاية الطفولة. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية تعرضت باكستان لضغوط دولية مكثفة للتصدي لظاهرة عمالة الاطفال وخاصة في قطاع صناعة السجاد وهو قطاع من اكثر قطاعات الصادرات الباكستانية ربحية. وانتشرت وحدات صناعة السجاد عبر اقليمي البنجاب والسند كما امتدت الى الاقليم الحدودي الشمالي الغربي غير ان الضغوط الغربية حدت بالحكومات الباكستانية على مدى العقد الاخير لتبني تشريعات مضادة لعمالة الاطفال جنبا الى جنب مع شن حملات اعلامية لمقاومة هذه الظاهرة. ولكن الواقع اليومي للحياة في باكستان يكشف عن ان الامر سيستغرق وقتا طويلا حتى يتسنى بالفعل اجتثاث ظاهرة عمالة الاطفال وكما يقول البعض في اسلام اباد فان الظاهرة ستستمر الى ان تجد العائلات الفقيرة سبلا للكسب تغنيها عن تشغيل اطفالها وان الكلمات الوردية وحدها لا تستطيع ان تدفع غائلة الجوع. والى جانب صناعة السجاد وكرات القدم التي قد يلهو بها اقرانهم في دول اخرى خاصة في الشمال المتقدم يعمل الاطفال الباكستانيون في دباغة الجلود وصيد الاسماك والتطريز وصنع (الخلاخيل) وورش اصلاح السيارات فضلا عن الزراعة التي تستأثر بالنسبة الاكبر منهم. ويحق القول بأن اولئك المتحمسين للقضاء على ظاهرة عمالة الاطفال في باكستان هم على حق في ضوء البيئة القاسية وغير الصحية التي يعمل فيها الاطفال خاصة الذين كتب عليهم العمل في دباغة الجلود حيث يتعرضون لمشاكل صحية خطيرة من جراء التعامل مع الاحماض والكيماويات فضلا عن استشراء التلوث البيئي. وتفيد الاحصاءات ان قطاع الزراعة يستأثر بنسبة تصل الى 67 في المئة من اجمالي الاطفال العاملين في باكستان فيما يعمل 11 بالمئة منهم في القطاع الصناعي وتتوزع النسبة الباقية بين العمل في قطاع الخدمات وتجارة الجملة وانشطة اخرى متنوعة. وكان عمر أصغر خان وزير العمل الباكستاني قد تعهد مؤخراً بأن تبذل حكومة الجنرال برفيز مشرف جهودا مكثفة للقضاء على ظاهرة عمالة الاطفال فيما امتدح الرئيس الامريكي بيل كلينتون في كلمة وجهها لمؤتمر منظمة العمل الدولية في العام الماضي جهود حكومة مشرف في هذا الصدد. وقد رصدت الحكومة الباكستانية مبلغا يصل الى 100 مليون روبية لتمويل برنامج لمكافحة ظاهرة عمالة الاطفال كما اسهمت منظمة العمل الدولية واللجنة التنفيذية التابعة للاتحاد الأوروبي وصندوق رعاية الطفولة التابعة للامم المتحدة (اليونيسيف) في برنامج اخر يجرى تنفيذه لمقاومة هذه الظاهرة وان كان اجمالي ميزانية البرنامج الذي اشتركت كل هذه الجهات الدولية في تمويله مع الحكومة الباكستانية لايزيد على 1.7 مليون دولار. ومع هذا الضجيج حول برامج مكافحة عمالة الاطفال في باكستان فان العين تلحظ من اول جولة في العاصمة اسلام اباد ان هناك عددا كبيرا من الاطفال يعملون في المطاعم وورش اصلاح السيارات والدراجات النارية ومراكز التسوق.. وهي حقيقة يرجعها عمر اصغر وزير العمل الى عامل رئيسي هو الفقر الذي خصصت حكومة الجنرال مشرف 15 مليار روبية للتخفيف من ويلاته. ويوضح وزير العمل الباكستاني ان ظاهرة عمالة الاطفال هي ظاهرة مركبة ومعقدة.. فالهجرة من الريف الى المدن عامل اخر يؤدي لاستشراء ظاهرة عمالة الاطفال وعدم التكافؤ في الفرص التعليمية عامل ثالث بين منظومة يصح وصفها ومنظومة يصح وصفها (بمنظومة الفقر) التي تبقى اقوى بكثير من توقيع باكستان على خمس اتفاقيات من بين سبع اتفاقيات دولية لمكافحة ظاهرة عمالة الاطفال فيما يسعى عمر اصغر خان (لوضع الكرة في ملعب الغرب) بقوله (على دول الشمال المتقدم ان تسقط ديوننا بصورة كاملة او حتى جزئيا بدلا من فرض عقوبات بسبب عمالة الاطفال.