الصناعة في اليمن, هذا المولود الذي طالت معاناة مخاض ولادته يواجه اليوم مشكلة الوأد في المهد.. حدود مفتوحة أمام الصناعات المهربة, تهرب جمركي وضريبي من بعض التجار والمصنعين من ذوي النفوذ, منافسة غير متكافئة تواجهها الصناعات اليمنية مع الصناعات المستوردة الأقل ثمنا رغم رداءتها وقرب انتهاء صلاحياتها, وتسهيلات ضريبية يحصل عليها التجار على حساب المصنعين. هذا الوضع دفع بالمصنعين اليمنيين إلى إغلاق حوالي 38 مصنعا في اليمن خلال العامين المنصرمين لعدم القدرة على مواجهة هذه التحديات التي يقال بأنها ضربت الكثير من الصناعات اليمنية في مقتل وبالذات التي ما زالت تمر في مرحلة المخاض. ويقول مدير عام الإدارة الصناعية في مجموعة هائل سعيد أنعم الصناعية عبد الجبار هائل سعيد أن الصناعة اليمنية تواجه سياسة الإغراق من قبل الصناعات الأسيوية الوافدة إلى السوق اليمنية عبر الخليج (وهذا يشكل ضررا بالغا على الصناعات الوطنية وعلى المستهلك والبيئة لانتهاء صلاحية هذه الصناعات المستوردة أو قرب انتهاء صلاحيتها بفترة قصيرة) . وطالب الحكومة اليمنية باتخاذ قرارات تهدف إلى تشجيع الصناعات الوطنية من خلال منع استيراد السلع الخارجية التي يوجد لها سلع مماثلة محليا (على الأقل تطبيق ذلك على في الوقت الراهن على السلع الغذائية التي تضررت كثيرا من المنافسة غير المتكافئة مع السلع المستوردة والمشكلة ليست في وجود الصناعات المستوردة في الأسواق اليمنية إذا وصلت إلى البلاد بطرق مشروعة وعبر الأطر الرسمية) . أما المصادر الرسمية اليمنية فتقول أن القطاع الصناعي في البلاد يحظى بالرعاية والاهتمام الكامل لدوره الرائد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومساهمته في تحقيق التكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة وقد عملت الحكومة خلال العقد الأول من عمر الوحدة على إعادة توجيه القطاع وتنشيط دوره في إطار توجهات وسياسات الدولة الجديدة, فقامت بتحديث التشريعات لتواكب التغيرات الاقتصادية, وإصدار القرارات الخاصة بمعالجة أوضاع المؤسسات الصناعية المتعثر حتى تتمكن من الإنتاج في ظل أجواء المنافسة, وإنشاء وتفعيل دور الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة للعمل على تحسين مستوى وجودة المنتجات في السوق المحلي وأخيرا إنشاء المجلس الأعلى للصادرات والمنوط به تطوير وتشجيع الصادرات الوطنية وفتح أسواق جديدة لها. ويعتقد وزير التخطيط والتنمية أحمد صوفان أن السياسة الاقتصادية اعتمدت وحتى عهد قريب على تشجيع كل من القطاع الخاص والقطاع العام في مجال الاستثمار الصناعي والذي انعكس في توظيف القطاع العام لحوالي 53% من عمالة الصناعات الكبيرة وخاصة في نشاط النسيج والإسمنت وتكرير النفط, في حين ينخفض نصيبه بشكل كبير في المنشآت الصغيرة والمتوسطة وأن الاستثمارات في قطاع الصناعة التحويلية تضاعفت خلال النصف الثاني من التسعينات بشكل كبير من خلال استثمارات القطاع الخاص والتي ستظهر نتائجها في الأعوام القليلة المقبلة. في حين يرى وزير الصناعة عبد الرحمن محمد علي عثمان أن قطاع الصناعات التحويلية حقق نموا متواضعا خلال الفترة 90 ـ 1999 بسبب الصعوبات التي واجهت الاقتصاد في النصف الأول من التسعينات وفي ظل إعادة هيكلة الاقتصاد وقطاعاته المختلفة نتيجة تحرير التجارة وتحديات العولمة. وتشير المصادر الرسمية إلى أن متوسط النمو السنوي للقيمة المضافة والمتولدة في هذا القطاع بالأسعار الثابتة بلغ حوالي 4%, كما تزايد استيعاب هذا القطاع للقوى العاملة المتنامية حيث ارتفع عدد العاملين في أنشطة الصناعة التحويلية المختلفة من حوالي 60 ألفاً إلى 100 ألف عامل خلال الفترة نفسها وبمتوسط نمو سنوي بلغ 6% خلال الفترة 90 ـ 1999. وتستحوذ صناعة السلع الاستهلاكية في اليمن على غالبية القيمة المضافة في القطاع نتيجة توفر السوق المحلي حيث يتجه أغلب الإنتاج منها لتلبية الاحتياج المحلي وبالذات في الغذاء والملابس وتتصدر الصناعات الغذائية قائمة القيمة المضافة للقطاع ولا يزال هناك فرص كثيرة للتطور في هذا الفرع والذي يغلب على نشاطه التبغ والسجائر, كما أن هناك إمكانيات كبيرة لصناعة النسيج والملابس خاصة في ظل توفر السوق وجودة القطن اليمني ذو الجودة العالية من النوع طويل التيلة. أما الصناعات الكيماوية والتي تشمل منتجات متنوعة بما في ذلك تكرير النفط فقد حققت نموا كبيرا تعتبر الأعلى بين الفروع المختلفة ويعكس نشاط إنتاج البناء والتشييد والصناعات المعدنية نمط إنتاج كثيف العمل خاصة في ظل توفر عمالة محلية. وفيما يتعلق باالصناعات الصغيرة والحرفية فقد برزت أهميتها في اليمن لما تمثله من مردود اقتصادي واجتماعي وموروث تاريخي وتشكل هذه الصناعات قاعدة أساسية في النشاط الاقتصادي وفي توفير فرص عمل لشرائح عريضة من المجتمع اليمني كما تتميز بدورها التكاملي مع المنشآت الكبيرة باعتبارها مصدرا هاما لتوفير السلع الوسيطة, بالإضافة إلى قدرتها على الاستجابة السريعة لآلية السوق لبساطة التقنيات التي تستخدمها والمهارات الفنية التي تتطلبها والذي يمكنها من سرعة تلبية ذوق متطلبات المستهلك ومن السهولة في الانتشار في المناطق الريفية وتتركز معظم الصناعات الصغيرة في أمانة العاصمة صنعاء ومن ثم في محافظة إب ثم محافظة صنعاء. وتؤكد الإحصائيات أن عدد المنشآت الصغيرة والحرفية في اليمن بلغ 32298 منشأة بنسبة 98% من إجمالي عدد المنشآت الصناعية, يعمل فيها 53388 عاملاً يمثلون 48% من إجمالي عدد العاملين في القطاع الصناعي ويستحوذ هذا الفرع على 25% من قيمة إنتاج قطاع الصناعة التحويلية و 32% من القيمة المضافة و 21% من إجمالي الأجور. وتقول المصادر الرسمية أنه إدراكا من الحكومة لأهمية هذا النوع من الصناعات وما تحققه من تو زيع عادل للمنافع الاقتصادية والاجتماعية ولإسهامها في تحقيق التنمية الريفية والحد من الهجرة من الريف إلى المدينة ولدورها في دمج الشباب في سوق العمل وتفعيل دور المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية, لكل ذلك سعت الحكومة لتقديم الدعم والمساعدة الفنية لتطوير هذا القطاع من خلال إعداد برامج لتعزيز قدرة المشاريع الصغيرة في خلق فرص عمل جديدة وتقدم هذه البرامج النصح والإرشاد للصناعات الصغيرة بالإضافة إلى إعداد وتنظيم بعض الدورات التدريبية لمنتسبي هذا القطاع. وباعتبار التعاونيات الحرفية الصناعية تمثل أحد القطاعات الاقتصادية, وتنفيذا لقانون التعاون رقم (39) لعام 1998 تقدم الحكومة كذلك كافة أشكال المساعدة الممكنة لهذه الصناعات والمتمثلة في الامتيازات والتسهيلات الجمركية والضريبية بما يمكنها من مواكبة مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإدامة نشاطها الإنتاجي. وتبنت الحكومة اليمنية من خلال توجهها التنموي تحقيق توازن في توزيع الاستثمارات الصناعية بين المحافظات والحد من تركزها في المدن الرئيسية, حيث أظهرت بيانات الفترة السابقة اختلالا واضحا في توزيع الأنشطة الصناعية والاستثمارية وعشوائية في تخطيطها وإقامتها وفي مناطق لا يتوفر فيها أبسط مقومات الخدمات الأساسية, لذلك أدرجت الحكومة في خططها مشروع إقامة مدن ومناطق صناعية في عموم محافظات الجمهورية واعتبرت وثيقة الخطة الخمسية الأولى إقامتها استراتيجية وهدف للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد باشرت الحكومة خلال عامي 1997 و1998 بتحديد مواقع للمناطق الصناعية المحتملة وإجراء الدراسات الاقتصادية والبيئية اللازمة التي حددت ثلاث مواقع رئيسية كما استكملت الحكومة إعداد التصاميم والمخططات العامة للمنطقة الصناعية والتي توضح مساحة المنشآت الصناعية والمساحات العامة والطرقات والخدمات العامة, بالإضافة إلى كيفية ربط المناطق بين المستثمرين, وهي: أولا مثلث عدن ـ لحج ـ أبين حيث تم اختيار الموقع في منطقة دار المناصرة في محافظة لحج والتي تمتد من لحج جنوبا باتجاه محافظة عدن وشرقا باتجاه محافظة أبين. كما تم إسقاط المرحلة الأولى على الخرائط وتحديد أبعادها بمساحة 6 كم مربع والتي يمكن أن تتوسع إلى حوالي 20 كم مربع كمرحلة ثانية. ثانيا محافظة حضرموت حيث تم تحديد موقع إقامة المنطقة الصناعية في منطقة بروم (ظلومة) بمساحة 270 هكتار , والتي تمتاز بموقعها البحري. ثالثا محافظة الحديدة حيث تم تحديد موقع في المنطقة الواقعة غرب طريق حرض ( تقاطع طريق حرض ـ الصليف ) بمساحة 14 كم طولي وبعرض يصل إلى 7 كم. وتتوسط المنطقة ميناء الحديدة الرئيسي وميناء الصليف كما ترتبط بشبكة مواصلات إلى مختلف محافظات الجمهورية. وتشير المصادر الرسمية إلى أن تشجيع الصاد رات الصناعية وزيادة معدلاتها وتدفقها للخارج كانت ولازالت ضمن أولويات الحكومة وقد انعكس هذا الاهتمام في إنشاء المجلس الأعلى لتنمية الصادرات وجهازه الفني وفي السياسات التي تعمل الحكومة على تطبيقها من خلال تقديم القروض الميسرة للنشاط التصديري وإعفاء مستلزمات الإنتاج الداخلة في الإنتاج التصديري من الرسوم والضرائب, وجمع ونشر المعلومات والبيانات ذات العلاقة, وإعداد الدراسات حول النشاط التصديري, بالإضافة إلى عقد الاتفاقيات الثنائية والجماعية الخاصة بتشجيع الصادرات. وقد اعتبرت استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ـ وفي ضوء مؤشرات الخطة الخمسية الأولى ـ الصادرات أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التنمية حين أكدت على ضرورة الانتفاع من المزايا النسبية المتاحة من الموارد البشرية والاقتصادية وعلى إجراء التغيرات الهيكلية القطاعية اللازمة لزيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال مضاعفات الصادرات غير النفطية كما أكدت على أهمية تحقيق الاستفادة القصوى من المواد النفطية والغاز مع الحاجة إلى تقليل الاعتماد عليها عن طريق تنويع مصادر الدخل ولذلك استهدفت الخطة تحقيق تطوير قطاع الصناعة باعتباره الأكثر قدرة على زيادة كل من الإنتاج والصادرات وتهيئة الظروف المناسبة لنشاط القطاع الخاص وتشجيعه على الاستثمار في الصناعات والأنشطة الإنتاجية التصديرية من خلال تنفيذ العديد من السياسات والإجراءات. صنعاء ـ خالد الحمادي