إن ما حدث في سوق الأسهم بالإمارات فـي صيف 1998م كان من المتوقع حدوثه في ظل السياسة الاستثمارية والاقتصادية المفتوحة وغير المقيدة بقوانين وتشريعات وضوابط تحول دون حدوث تجاوزات, وفي ظل غياب الرقابة الفاعلة, والشفافية المناسبة, ثم لعدم وجود جمعيات عمومية فاعلة وحاضرة فعلياً تقوم بمتابعة الشركات ومراجعة حساباتها ومناقشة نتائج أعمالها, وكذلك في غياب الأسس والضوابط المحاسبية والمالية هذا من ناحية, ثم إن عدم وجود المسوحات التي تحدد الأوعية الاستثمارية, أو الفرص الاستثمارية التي من شأنها أن تستوعب السيولة المتنامية في سوق الإمارات. لقد كان لتلك العوامل الأثر المباشر في حدوث ممارسات غير قانونية وتجاوزات لها انعكاساتها على أوضاع سوق الأسهم وبالتالي على الاقتصاد الوطني, إذ إن الطلب المتزايد على أسهم الشركات المساهمة ولاسيما تلك التي تجد دعماً كبيراً ومساهمة كبيرة من قبل حكومتي أبوظبي ودبي هدفها تعزيز الثقة في هذه الشركات. وكان لتزايد الطلب على أسهم هذه الشركات الحديثة خاصة والمضاربات المفتعلة الأثر في ارتفاع أسعار الأسهم بمعدلات قياسية وغير طبيعية وصلت إلى ذروتها في صيف 1998 قبل حدوث هزة عنيفة في الأسعار أدت إلى تراجع كبير في أسعار الأسهم أثرت وبشكل واضح على مختلف القطاعات الاقتصادية ولاسيما قطاع العقارات وقطاع التجارة وقد ذكرتنا تلك الأزمة بما حدث في الكويت حينما أدت ازمة سوق المناخ والتي حدثت في سبتمبر 1982 إلى انعكاسات اقتصادية واستثمارية مالية ليس على مستوى الكويت فحسب وإنما على منطقة الخليج وذلك عندما شهدت حركة التداول في الأسهم بالكويت أزمة حادة بسبب المعاملات الآجلة ليصل حجم التعاملات في ذلك الشهر إلى 72 مليون سهم مقابل 602 مليون سهم في شهر أغسطس من العام نفسه, وذلك بعد تداولات بدأت في ديسمبر 1981 واستمرت الأسعار في تصاعد حاد في عام 1982 قبل حدوث أزمة سوق المناخ في سبتمبر 1982. وساهمت بعض الأقلام التي دأبت على نشر تحليلاتها وتصوراتها واستشفافها لمستقبل هذه الشركات ولسوق الأسهم الإماراتية, وكذلك للتوقعات التي تضمنتها تلك التحليلات في أسعار أسهم الشركات الحديثة منها والقديمة. ساهمت إضافة إلى العوامل المشار اليها آنفاً في تغييب الحقائق عن المستثمرين, بل إن بعض هؤلاء المحللين قد ساهموا في تورط عدد من صغار المستثمرين الذين دفعوا كل ما لديهم, واقترض البعض منهم من المصارف التجارية لشراء أسهم الشركات وخاصة الحديثة وذلك بناء على ارشادات ونصائح نفر من المحللين الذين يكتب البعض منهم في صحافة الإمارات حيث تضمنت أعمدتهم تلك النصائح والإرشادات التي دفعت بالمستثمرين الصغار الذين لا يتمتعون بخبرة أو دراية بحركة التداول أو الاستثمار إلى تحمل عبء أكبر من قدراتهم حينما تورطوا في شراء أسهم شركات سرعان ما سجلت أسعارها تراجعاً حاداً. كما أن بعض مكاتب الوساطة, وبعض الوسطاء غير المعتمدين الذين وجدوا في هذه الحركة فرصة لتحقيق أرباح دون أن تكون لديهم معرفة أكيدة ولا قدرة تحليلية لأوضاع الشركات, واستغل بعض كبار المستثمرين هذه اللعبة بعد ما فطنوا إليها وساهموا فيها فقاموا بالإيعاز إلى بعض الوسطاء ونظير دفعات مالية بإطلاق إشاعات حول الشركات التي يملكون فيها كميات كبيرة من أسهمها الأمر الذي جعل الأسعار تتصاعد بأسعار غير متوقعة وغير طبيعية مما دفع بصغار المستثمرين والمضاربين إلى شراء ما يتم طرحه من أسهم في سوق الأسهم من خلال الوسطاء سواء المعتمدين أو غير المعتمدين وتمكن كبار المستثمرين من التخلص من محافظهم الاستثمارية بعد ما حققوا أرباحاً قياسية لم يكونوا يحلمون بتحقيقها فيما حصد صغار المستثمرين نتيجة تورطهم في شراء أسهم شركات بأسعار عالية دون وعي أو دراية بأوضاع السوق وبحقيقة اللعبة التي مارسها البعض!! ولم تشفع المحاولات التي قامت بها الحكومة الاتحادية من خلال مؤسساتها المختلفة, ومنها الإعلان عن إنشاء سوق للأوراق المالية لتنظيم سوق الأسهم ومنع الممارسات والتجاوزات التي يمارسها البعض!! ولم تشفع محاولات الحكومات المحلية ومنها تجميد الإعلان عن إنشاء أو تأسيس شركات جديدة, وكذلك محاولات بعض الفعاليات الاقتصادية والتي أرادت أن تحرك الركود الذي أصاب سوق الأسهم, ولم تشفع محاولات وسائل الاعلام المختلفة عن متابعتها ونشرها عن المشاريع التي تزمع الشركات المساهمة القيام بها, فتلك المحاولات لم تنجح في الحد من تراجع أسعار أسهم الشركات حيث تشير معطيات سوق الأسهم المحلية للنصف الأول من عام 2000 إلى مدى عمق الركود الذي تعاني منه السوق المحلية إذ يشير دليل الأسهم المحلية 2000 الصادر عن بنك أبوظبي الوطني إلى أن قيمة الأسهم المتداولة خلال النصف الأول من العام الحالي بلغت 781 مليون درهم وتمثل 84.0% من القيمة السوقية للأسهم المدرجة في السوق والتي تقدر بحوالي 93 مليار درهم. لقد كان لهذا التراجع الحاد من آثار وانعكاسات واضحة على مختلف المجملات الاقتصادية وفي مختلف إمارات الدولة ومنها: ـ ارتفاع حجم المديونية لدى القطاع المصرفي العامل في الإمارات, فالمصارف التجارية التي توسعت في منح تسهيلات ائتمانية لشريحة من عملائها بقصد شراء أسهم عند التأسيس أو بقصد المضاربة في سوق الأسهم قد وجدت نفسها بأنها في وضع غير مريح بسبب الانخفاض الكبير الذي حدث في أسعار الأسهم وانعكس بالتالي على صغار المستثمرين المدينين لهذه المصارف لاسيما تلك التي شجعت عملاءها بالاقتراض وشراء أسهم بل إن البعض منها قد قام بتمويل صفقات الأسهم بواسطتها, وحينما لم يتمكن المدينون من سداد ديونهم سعت هذه المصارف نحو جدولة هذه الديون فيما تعثر البعض من سداد ديونهم, وبالتالي حدثت مشكلة المديونية لدى بعض هذه المصارف مما استدعى الأمر إلى تدخل الجهات والسلطات المعنية ومنها الحكومات المحلية, والمصرف المركزي لمعالجة هذه المشكلة حيث طالب المصرف المركزي المصارف التجارية بوضع مخصصات للديون المشكوك في تحصيلها لتكون غطاء للقروض الممنوحة من قبلها. ـ تراجع حاد في الأسعار بالقطاع العقاري في مختلف الإمارات سواء في الأراضي والعقارات المعروضة للبيع, أم تلك الوحدات السكنية المعروضة للايجار إذ شهدت السوق العقارية ركوداً واضحاً بسبب زيادة العرض مع محدودية الطلب والناجمة عن قيام بعض المضاربين وصغار المستثمرين المدينين للمصارف أو الذين تورطوا في إعطاء شيكات غيرقابلة السداد إلى عرض ممتلكاتهم العقارية للبيع لسداد الالتزامات المترتبة عليهم وتحسين مراكزهم المالية, وعدم التورط في مشاكل قانونية بسبب الشيكات المرتجعة. ومما زاد الأمر تعقيداً هروب بعض المستثمرين الأجانب المتعاملين في هذه السوق عندما لم يتمكنوا من تغطية التزاماتهم المالية تجاه الملاك أو المصارف لاسيما حينما وصل هذا القطاع إلى درجة عالية من التشبع انعكست على الانخفاض الحاد في الأسعار. ـ كان لأزمة الأسهم آثارها السلبية على القطاع التجاري والمالي بالدولة ففي ضوء تراجع أسعار الأسهم انعكس ذلك على الطلب على السلع والخدمات لاسيما حينما برزت ظاهرة تسريح عدد من الشركات العاملة في القطاع التجاري لشريحة من عمالها وموظفيها بقصد تقليص النفقات الأمر الذي كان أحد عوامل الركود الاقتصادي الذي أصاب القطاع التجاري والمالي. ـ كان من الطبيعي أن تترك أزمة أسعار الأسهم في سوق الإمارات بظلالها على مختلف الأوضاع الاقتصادية عامة والأوضاع المالية والمصرفية خاصة, ومنها قيام بعض المستثمرين والمودعين لدى المصارف العاملة في الدولة بسحب جزء من أرصدتهم مما أثر ذلك على السيولة المحلية, ثم كان لتزايد حجم الشيكات المرتجعة إثر عمليات الاعسار التي عانى منها بعض المضاربين والمستثمرين وارتفاع عدد القضايا المالية بسبب ذلك في محاكم الدولة ومؤسساتها القضائية والشرطية الاثر المباشر في اهتزاز الثقة بالشيك المصرفي. ولم تشفع محاولات الاجهزة المعنية بتخفيف أثار وانعكاسات الأزمة على هذا القطاع الهام كما أن مؤشرات حجم التداول في سوق الأسهم تؤكد على التراجع في الطلب الكلي على أسهم الشركات رغم تدني اسعارها التي تغري بشراء كميات أكبر من الأسهم واستمر هذا التراجع حتى الربع الأخير من عام 2000. ـ لا يمكن أن نغفل آثار الأزمات التي شهدتها منطقة الخليج خلال السنوات العشرين الأخيرة سواء العسكرية منها (الحرب العراقية الايرانية التي بدأت في عام ,1973 ثم أزمة الخليج الثانية بغزو القوات العراقية للكويت في أغسطس 1990 أم الأزمات الاقتصادية ومنها أزمة سوق المناخ في الكويت والتي بدأت ظهور بوادرها في سبتمبر 1982 ثم الأزمة المالية في دول آسيا, ثم أزمة أسعار النفط في عام ,1998 إذ إن تلك الأزمات قد تركت آثاراً مباشرة على مختلف الأوضاع الاقتصادية والنفسية على المستثمرين وعلى حركة الاستثمار سواء في الإمارات أم منطقة الخليج إجمالاً وذلك بحكم طبيعة اقتصاديات المنطقة التي تتصف بالانفتاح على أسواق العالم. إن تلك الأزمات (العسكرية والاقتصادية) قد أوجدت جواً من عدم الثقة في الأسواق المالية وفي اقتصاديات المنطقة, وكذلك عدم ثقة المستثمرين أنفسهم بالتعامل مع هذه الأسواق في استثمارات طويلة الأجل, ومما يؤكد ذلك هو تدفق الاستثمارات الخليجية إلى الأسواق العالمية وقد قدرتها مصادر مصرفية عالمية هي (رويال بنك أو في اسكتلند ـ البريطاني) بأن حجم الثروات في منطقة الخليج العربي قد تراوحت ما بين 800 مليار جنيه و1000 مليار جنيه استرليني (6.1 ـ 3.1 تريليون دولار أمريكي) وقد اشارت هذه المصادر إلى أن 90% من هذه الثروات موظفة في الخارج من خلال ايداعات مصرفية لدى مصارف ومراكز (الأفشور) العالمية كما بلغت استثمارات الإمارات في استراليا في عام 1999 سواء الحكومية أو الخاصة إلى نحو 65.5 مليار درهم وما يعادل 5.2 مليار دولار استرالي (2.2 مليار دولار أمريكي) هذا في الوقت الذي نطالب باستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لمنطقة الخليج!! ـ من واقع قراءتنا للواقع الاقتصادي ومعطياته نجد أن الحكومات الخليجية عامة والحكومات المحلية في الإمارات خاصة مازالت تشكل المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي وذلك من خلال الانفاق الحكومي, فيما نجد أن القطاع الخاص مازال هو المستفيد ودوره في عملية التنمية معطل, وفي ظل المعطيات الحالية والمستقبلية والتي استجدت والتي سوف تستجد على الساحة العالمية ولاسيما سوق النفط العالمية فإن الدور الحكومي سوف يتضاءل مع تراجع أسعار النفط وانعكاساتها على الإيرادات النفطية وبالتالي إيرادات مالية الحكومة ـ الحكومات وعليه فإن الانفاق الحكومي لن يظل مستمراً بنفس القوة خاصة وأن الميزانية الاتحادية صارت تعاني من عجز أصبح مزمناً مع السنوات بلغ في عام 1999 إلى 2.28 مليار درهم عندما صارت الإيرادات النفطية تشكل 95% من إيراداتها. وإن قيام الحكومة الاتحادية بالسحب من الاحتياطيات الأجنبية للدولة لتغطية التزاماتها أو لسد جزء من عجز موازنتها من شأنه أن تكون له آثار مباشرة على السوق المحلية وعلى حركة الاستثمار, وعدم الإقبال من قبل المستثمرين على شراء أسهم الشركات المساهمة العامة في الإمارات خشية قيام الحكومة ببيع حصتها وبالتالي اهتزاز الثقة في هذه الشركات.. وعليه فإن الإصلاحات المالية ومنها معالجة العجز في الميزانية يصب في تعزيز الثقة في الاسثتمار داخل الدولة وتفعيل أكبر لدور القطاع الخاص, ثم معالجة الإختلالات الهيكلية في مختلف القطاعات الاقتصادية تشكل أولويات الدولة (الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية) لما يعني ذلك من تعزيز ثقة المستثمرين في اقتصاديات الدولة. ـ إن المتغيرات الاقتصادية العالمية والتي برزت على الساحة الدولية (كمنظمة التجارة العالمية W.T.O. ثم العولمة الاقتصادية ثم التجارة الالكترونية) أو المفاهيم الاقتصادية المستوحاة من الفكر الاقتصادي الغربي سوف تترك آثاراً وانعكاسات على السياسات الاقتصادية للدول والحكومات ولا سيما دول العالم الثالث ومنها الإمارات التي يتصف اقتصادها بالاقتصاد المفتوح, وهذا يعني أن درجة تأثر اقتصاد الإمارات بتلك المتغيرات والمفاهيم سوف يكون كبيراً. ومن ذلك فإن الاستثمارات الأجنبية سوف تجد لها سوقاً في الإمارات, وسوف تتواجد رؤوس الأموال الأجنبية من خلال الشركات العالمية ذات الجنسيات المختلفة, وهذا التطور من شأنه أن يملي سياسات اقتصادية واستثمارية على الإمارات, الأمر الذي يتطلب من المؤسسات والجهات المعنية الحكومية والأهلية العمل سوياً من أجل اتخاذ الاحتياطات اللازمة للحد من التأثيرات السلبية المستجدة بفعل تلك المتغيرات والمفاهيم الدولية والاستفادة من الاستثمارات الأجنبية قدر المستطاع, ومن تلك الاجراءات أو الخطوات المطلوبة: مراجعة القوانين والتشريعات وخاصة قانون الشركات والمتضمن مواداً حول ملكية الشركات المساهمة العامة, ثم قانون الوكالات التجارية, وضرورة أن يكون هناك قانون للاستثمار الأجنبي يحدد أهداف هذا النوع من الاستثمار ومجالاته وقنواته وحدوده دون إفساح المجال له بالتمكن من السوق كلياً, خاصة وأن بعض الفعاليات الاقتصادية الوطنية وغير الوطنية بدأت تطالب الأجهزة المعنية بمراجعة المواد التي تنص على ملكية الأجانب في الشركات المساهمة العامة ورفع نسبتها من 49% إلى 100% فيما نجد أن بعض شرائح المستثمرين والفعاليات الاقتصادية تطالب بأهمية التريث والدراسة وعدم التسرع في الغاء أو تحديد نسبة الملكية في رأس مال شركات المساهمة العامة. هذا التباين في الآراء والتوجهات بين مختلف الشرائح المتعاملة في سوق الإمارات يؤكد على ضعف الوعي الاستثماري من ناحية لدى الشريحة الأكبر وعدم الفهم الدقيق لطبيعة التحولات الاقتصادية المستجدة, ثم الخوف من الانفتاح الكبير أمام الاستثمارات الأجنبية التي قد تحصد شركاتنا واستثماراتنا الوطنية التي تتصف بهشاشة قاعدتها الرأسمالية وخبرتها الإدارية وقدراتها التشغيلية والفنية. إن هذا الخوف له مبررارته أيضاً فمن خلال قراءتنا لواقع القطاع الخاص يتبين لنا مدى حجم الاستثمارات الأجنبية ونوعيتها في سوق الإمارات, حيث تصل نسبة الملكية الأجنبية في بعض القطاعات ولاسيما الخدميـة منهـا إلى 100% على الرغم ما نص عليه قانون الشركات, ناهيك عن هيمنة أجنبية واضحة في الإدارة والعمالة في مختلف شركات القطاع الخاص الأجنبية منها والوطنية!! إن إنشاء سوق للأوراق المالية في الإمارات يعد خطوة اساسية وهامة في سياق تصحيح وتنظيم سوق الأسهم في الدولة وتعزيزاً للمناخ الاستثماري بعد سنوات من العشوائية وغياب الشفافية والفوضى والتجاوزات التي شهدتها هذه السوق خلال السنوات الماضية ولكن وجود هذه السوق في الإمارات لا يعني بالضرورة تحسن أسعار الأسهم وعودة الأسعار إلى ماكانت عليه في الربع الثالث من عام ,1998 ولا حتى أن يكون هناك ارتفاع كبير في المنظور القريب, ذلك أن تحسين الأسعار مرهون بمدى تطوير وتحسين قدرات الشركات المساهمة وتعزيز قدرتها المالية وقاعدتها الرأسمالية وأدائها الاقتصادي, ثم إن ذلك يعتمد على مدى التطورات المستجدة في السوق النفطية واستقرارها, وكذلك بمدى استقرار الأوضاع الاقتصادية في دول آسيا التي تشكل المستورد الرئيس لنفط الإمارات, كما أن ذلك مرتبط بمدى التطورات الإيجابية في القطاع المالي والمصرفي بالدولة. ومن ناحية فإن التحسن في أسعار الأسهم بالدولة مرتبط بمدى جدية الدولة في تصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد وتحقيق الاصلاحات المطلوبة في مالية الدولة ومعالجة العجز في الميزانية وتقليص الإنفاق الحكومي. ثم افساح المجال أمام الشركات المساهمة للعمل في القطاعات الإنتاجية وخاصة قطاع النفط والصناعات البتروكيماوية. إن استمرار الاقتصاد الإماراتي بهذه الوضعية من شأنه إحداث صراعات شرسة ومحتدمة في سوق الإمارات ومنافسة غير متكافئة بين الاستثمارات الأجنبية والاستثمارات الوطنية تفضي إلى انحسار الاستثمارات الوطنية أو تراجعها أمام الاستثمارات الأجنبية خاصة في قطاعات معينة. ومن ناحية أخرى فإن الاستثمارات الوطنية لن تجد مساحة جيدة أمام الاستثمارات الأجنبية في ظل الأوضاع الاقتصادية والقانونية التشريعية الحالية وسوف تستمر رؤوس الأموال الوطنية بالتدفق إلى الأسواق العالمية حيث التآكل بحكم التضخم أو التذبذب في أسعار الصرف. فيما سوف تفتح الأسواق في ظل هذه المنافسة وتصبح أبوابها مشرعة أمام الاستثمارات الأجنبية بما فيها الاستثمارات (الإسرائيلية) التي تأتي في هيئة شركات متعددة الجنسية, أو تحت مظلة مشروع الشرق أوسطية, الذي تنادي به (اسرائيل) وتجد في ندائها صداً في بعض الدول العربية والأوساط الاقتصادية بعد ترجمة بنود اتفاقيات السلام.. إذ لا تخفي (اسرائيل) طموحها في الوصول بشركاتها واستثماراتها إلى المنطقة الدافئة بالخليج العربي سواء من خلال شركات أمريكية أو أوروبية و في بعض الأحيان عربية حيث تجد في الخليج فرصة لتحقيق سيطرتها على الفرص الاستثمارية ورؤوس الأموال الخليجية والأسواق الخليجية ذات الفائض, ثم السيطرة على نصيب من الاستثمارات في القطاع النفطي الاستراتيجي يؤهلها في تحقيق ذلك امتلاكها لتقنية عالية وخبرة طويلة ومعرفة جيدة بشئون الاستثمار, والأسواق العالمية والقدرة على تصريف وتسويق منتجات شركاتها. فيما الأسواق العربية تتسم بالتخلف في الآليات والتشريعات وتعاني من شح مواردها المالية وخبرتها الفنية. إن دراستنا لطبيعة المتغيرات الاقتصادية والتحولات الاستراتيجية المستجدة في السوق العالمية وتحديد أسباب الأزمات الاقتصادية في دول ذات أوضاع متشابهة مع أوضاعنا الاقتصادية تشكل خطوة أساسية ونحن نسجل انفتاحاً أكبر للاستثمارات العالمية فالأزمة الأسيوية التي انفجرت في مايو عام 1997 محدثة دوياً هائلاً وضخماً في الأوساط المالية والاقتصادية ليس في دول شرق آسيا التي يطلق عليها بالنمور الصفر وإنما في العالم تستحق هذه الأزمة الدراسة لتحديد أسبابها وتداعياتها وتحليل آثارها وانعكاساتها إذ تبرز أهميتها ليس بدراستها من هذه الناحية وإنما بدراسة أسباب نجاحات تلك الدول فيما حققته, فإذا علمنا بأن أهم أسبابها هي عمليات الاحتيالات التي قام بها بعض مدراء الشركات المساهمة حينما قدموا حسابات مزيفة أدت إلى الإنهيار الكبير والتشكك في الأسواق المالية لتلك الدول, فإن دراسة أسباب تلك الإنهيارات, ثم الإجراءات والخطوات التي اتخذتها هذه الدول في معالجة آثار تلك الأزمة تشكل أمراً في غاية الأهمية لأن هناك ممارسات مشابهة قد تحدث في أسواقنا وفي شركاتنا الأمر الذي يتطلب تحصين هذه الشركات بعدد من الضوابط القانونية والمحاسبية والرقابية للحيلولة دون حدوث أي تصدع في نظامنا المالي وسياستنا الاستثمارية, لاسيما إذا علمنا بأن هناك أزمتين حدثتا في العالم سبقتا الأزمة الأسيوية قد حدثتا في الاقتصاد الروسي الذي أصبح يعاني من اضمحلال وضعف واضح وعدم القدرة على تجاوز أزمته, ثم أزمة الاقتصاد البرازيلي بسبب الحسابات المظللة والممارسات الخاطئة, مما يؤكد على أهمية الالتزام بالشفافية والدقة وتطبيق المعايير الدولية في المحاسبة على شركاتنا العاملة في الإمارات.