إذا كان تحديدنا فيما سلف لمقومات المناخ الاستثماري في الإمارات هو أمر مهم لبيان مصادر القوة في الاقتصاد والتي تشجع الاستثمارات الوطنية والاجنبية على السواء. وإذا كنا على يقين بوجود تلك المقومات في اقتصادنا الوطني فإن تحديدنا لماهية المعوقات والتحديات في نظرنا هي الأهم, وذلك من منطلق قناعتنا بمدى أهمية تحديد ذلك الجزء الأهم وذلك في إطار تشخيصنا لواقع المناخ الاستثماري في الإمارات. كما إن نجاح السياسة الاستثمارية في الدولة مرهون بمدى استفادتنا من توظيف المقومات في معالجة المعوقات وفي مواجهة التحديات التي تعترض مسيرة نجاح الاستثمارات أو المشاريع الاستثمارية. معوقات الاستثمار وتحدياته في الامارات أولاً: إنها كانت سبباً في نزوح رؤوس أموال ضخمة وفوائض مالية كبيرة من السوق المحلية إلى أسواق عالمية شرقية كانت أم غربية ولاسيما إبان الطفرة النفطية في فترة السبعينيات حيث كانت البيئة الاستثمارية غير مشجعة بالقدر الكافي ولم تكن الاوعية الاستثمارية معروفة وقادرة على استيعاب كل تلك الفوائض, وبالتالي كانت العوامل المشكلة للبيئة طاردة وسبباً لهجرة تلك الاموال إلى الخارج لتستقر هناك في هيئة ودائع في مصارف غربية وشرقية تتآكل بفعل التضخم النقدي والاقتصادي فيما لم توظف في خدمة الاقتصاد الوطني وفي تنمية قطاعاته ولاسيما الانتاجية, في الوقت الذي ننادي بضرورة فتح الباب على مصراعية أمام الاستثمارات الأجنبية وكما أشرنا سابقاً فقد قدرت مصادر مصرفية أجنبية بأن حجم الثروات في منطقة الخليج تتراوح ما بين 800 مليار و 1000 مليـار جنيه استرليني (1,3-1,6) تريليون دولار أمريكي) مشيرة إلى أن 90 في المائة من هذه الثروات موظفة في الخارج من خلال المصارف ومراكز (الافشور) العالمية. (تشير التقارير والبيانات إلى أن تحويلات العمالة الهندية وحدها قد بلغت في عام 1999 نحو 4,4 مليارات درهم (1,2مليار دولار) أي بمعدل 370 مليون شهرياً ولاشك ان هذه التحويلات تشمل عوائد الاستثمار اضافة إلى ادخار الهنود العاملين في الدولة. هذا في الوقت الذي تشير تقارير هندية في الدولة إلى أن حجم التحويلات قد سجل انخفاضاً مقارنة بعام 1998 حيث بلغ 7,3 مليارات درهم تقريباً (ملياري دولار)) , وفيما إذ استثنينا عوائد الاستثمارات الهندية فإن تحويلات العمالة الهندية وإن كانت كبيرة إلا أنها في حقيقة الأمر تعود ضخامتها إلى حجم العمالة الهندية في سوق العمل بالدولة, ولكن الدخل الفردي للعامل الهندي محدود. ثانياً : إنه لا يمكننا أن ننتظر من الاستثمارات الأجنبية أن تقوم بدور فاعل وحقيقي في تنمية الاقتصاد وفي صياغة اقتصاد إنتاجي ما لم نحدد ونشخص طبيعة هذه التحديات والمعوقات,, ووضع المعالجات اللازمة لها وتذليلها أمام حركة الاستثمارات وصولاً لوضع سياسات استثمارية على مستوى الدولة, وبالتنسيق مع دول مجلس التعاون لتفعيل الاستثمارات في خدمة الاقتصاد الوطني الذي مازال يتصف باتكالية واضحة على فعل الحكومة أو الحكومات المحلية من خلال الإنفاق لايرادات مبيعات لمادة قابلة للنضوب ولو بعد حين. كما إن تشخيصنا لطبيعة هذه التحديات والمعوقات وتشخيص واقع سوق الإمارات يشكل خطوة أولى وأساسية نحو تعزيز ثقة المستثمر الوطني قبل الأجنبي في اقتصاد بلده وفي إمكانية تحقيق معدلات نمو جيدة ننشد تحقيقها في الاقتصاد الوطني, وتحقيق صياغة جديدة لسياسة استثمارية توصلنا إلى تحفيز عناصر التنمية الاقتصادية. ويمكننا أن نشخص طبيعة تلك المعوقات والتحديات من خلال ما يلي: غياب استراتيجية التنمية لعل السؤال المبدئي الذي يطرح هنا عن أهمية الاستثمارات سواء الوطنية أم الأجنبية. أي: ما الهدف من الاستثمارات؟ والرد على هذا التساؤل يقودنا إلى تحديد مدى استفادة الاقتصاد الوطني من الاستثمارات إذ يعتمد ذلك على وجود استراتيجية تنموية شاملة فعلية وعلى مستوى الدولة, وتطبيقها على أرض الواقع. إن المتغيرات الاقتصادية التي استجدت في الساحة العالمية, والمفاهيم الاقتصادية التي استجدت في الفكر الاقتصادي الحديث, ومتطلبات المرحلة المستقبلية من الاقتصاد العالمي الذي يشهد اليوم تحديات كبيرة من شأنها أن تغير وجه العالم, وتفرض واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً مغايراً وهذا ما حدا بالدول وفي مقدمتها الدول المتقدمة إلى رصد طبيعة تلك المتغيرات وتحديد كنه وحقيقة تلك التطورات والتحولات وذلك من خلال مؤسساتها المعنية إيماناً منها بأن حالة العشوائية والتلقائية التي تعتمد عليها معظم دول العالم الثالث ومنها الامارات سواء في التخطيط أم توظيف الموارد أم السياسات التنموية لا تؤدي إلى تنمية اقتصادية فعلية, ولن تمكن هذه الدول من تحقيق استقلالها الحقيقي وحريتها, وانما سوف تبقى رهينة لهيمنة أجنبية, وتسودها التبعية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية. ومن هذا المنطلق فإن مواكبة تلك المتغيرات وتحقيق الاستقلال والانعتاق لا يمكن أن يحدث إلا من خلال تحقيق تنمية اقتصادية فعلية بدراسة الأوضاع الاقتصادية ووضع الخطط الكفيلة بتحقيق استراتيجية تنموية تتضمن الأهداف والآليات والوسائل. ومن هنا فإن الإمارات على الرغم من أنها تنشد ذلك إلا أن مرور تسعة وعشرين عاماً من قيام الدولة لم يشجع الدولة من خلال أجهزتها التخطيطية أو الاقتصادية من القيام بوضع استراتيجية تنموية, فمازالت تفتقر إلى استراتيجية أو خطة اقتصادية عامة تحدد من خلالها الأهداف المرحلية والنهائية, وكذلك الدور التنموي الذي يمكن أن يسهم فيه القطاع الخاص والقطاع الحكومي. إن المطالبة المستمرة من قبل أجهزة الاعلام وبعض الفعاليات الاقتصادية, وكذلك الدراسات الاقتصادية التي تعدها المؤسسات المعنية لم تجد صدى لدى أصحاب القرار بالتفكير والشروع في وضع خطة اقتصادية باستثناء تلك الخطة الخمسية التي وضعت في أوائل الثمانينيات (1981- 1985) والتي لم تجد طريقها إلى النور. وإذا كانت معطيات الواقع وتحديات المستقبل ومطالبات الاقتصاديين لم تجد صدى لدى المسئولين عن القرار الاقتصادي فما الجدوى من وجود استثمارات وطنية كانت أم أجنبية!!؟ وبينما كانت الدول الخليجية ذات الظروف المتشابهة باقتصادنا وبتركيبة بيئتنا الاقتصادية قد سعت إلى وضع خطط تنموية حينما شعرت بأن هذه الخطط أو الاستراتيجيات هي السبيل نحو تحقيق أهداف التنمية والاستقرار في دولها, فإننا نجد أن الإمارات والتي توفرت فيها إمكانيات جيدة وحوافز استثمارية عديدة لم تحرك ساكناً حتى الآن ومازالت التلقائية والعشوائية هي سمة النشاط الاقتصادي في الدولة, فيما سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية, وأخيراً الكويت قد سعت جاهدة نحوالتخطيط والتنمية على أساس استراتيجية طويلة المدى بعدما أدركت أن ذلك هو سبيلها نحو تحقيق الاستقرار والتنمية الداخلية والتطور والحضور في الساحة العالمية. إن وجود استراتيجية للتنمية الاقتصادية في الإمارات قد بات أمراً في غاية الأهمية بعدما تأكد لنا بأن التلقائية والعشوائية لن توصلنا إلى نتيجة, وبعدما تأكد لنا بأن القطاع الخاص لا يمكن أن يقوم بدوره التنموي أو قيادة قاطرة التنمية في الامارات وتحمل جزء من أعباء التنمية ما لم يكن هناك دور مرسوم له من قبل الدولة وفق هذه الاستراتيجية. كما إن الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني لا يمكن أن تعالج دون وجود إستراتيجية تعزز من وضعية الاقتصاد وتقوي من أركان التنمية ثم إن الهزات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني بفعل الأزمات التي تحدث في السوق النفطية والتي حدثت في السنوات الماضية لا يمكن أن تحد من تأثيراتها السلبية ما لم تعمل الدولة من خلال خطة أو استراتيجية التنمية إلى تنويع مصادر الدخل ووجود قاعدة انتاجية وتحول الاقتصاد من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي, كما إنه لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد فعلي وحقيقي وقادر على استيعاب استثمارات وطنية وأجنبية ما لم يعالج الضعف في القاعدة الانتاجية وتصحيح مسارات الاقتصاد وذلك بتصنيع المادة الخام المصدرة من قبل الدولة وهو (النفط) على هيئته الأولية... كما لا يمكن أن يأمن الاستثمار الخاص من التوسع والقيام بدوره المنتظر في الاقتصاد الوطني حينما يجد إن ميزانية الدولة تعاني من عجز مزمن ومازالت الايرادات النفطية تعتمد على الصادرات النفطية المعرضة للتذبذب لما في ذلك من خطورة واضحة على استراتيجية التنمية. ومن ناحية أخرى فإن الاستثمارات الاجنبية خاصة تنظر إلى ميزان المدفوعات كمؤشر في رسم سياستها الاستثمارية في أية دولة, والامارات التي تعاني من اختلالات هيكلية في ميزان المدفوعات بسبب الاعتماد الكلي في الصادرات على النفط الخام يجعل الاستثمارات الاجنبية في حالة احجام عن المساهمة الفعلية في الاقتصاد الوطني حيث تتركز في القطاعات الخدمية والقابلة للكسر والخروج في أول أزمة أو هزة أو وجود فرص استثمارية ذات مزايا أفضل في دول ومناطق أخرى. إن غياب الاستراتيجية التنموية في الامارات لن يشجع على استقرار الاستثمارات الوطنية في المدى الطويل وكذلك حال الاستثمارات الأجنبية التي سوف تبقى مجالات عملها محدودة وفي نطاق الخدمات أو الآجال القصيرة. وبالتالي فإن استثمارات القطاع الخاص لا يمكن أن تأتي بمردود ايجابي ما لم يكن هناك تخطيط طويل المدى, أو استراتيجية اقتصادية ذات أجل طويل. إن أحقية كل إمارة في إدارة شئونها المالية والداخلية حسب ما نص عليه الدستور لا يعطي هذه الإمارات الحق في العمل أو رسم استراتيجيات تنموية منفصلة ولكن يجوز ذلك في ظل وجود إطار عام أو خطة عامة على مستوى الدولة يحدد دور كل إمارة وأحقيتها في وضع خطتها المنسجمة مع استراتيجية تنموية على صعيد الدولة, ومتسقة مع مشاريع التنمية دون أن يكون هناك إزدواجية في التخطيط أو التنفيذ الذي يؤدي إلى هدر المزيد من الإمكانيات المالية والمادية وهدر الطاقات البشرية. إن الاستمرار في سياسة الدولة هذه بغياب الاستراتيجية من شأنه أن يضعف من سمعة الدولة على الصعيد العالمي وسوف تسجل تراجعاً واضحاً في الساحة الإقليمية والعالمية وبالتالي فإن الاستثمارات على أنواعها وجنسيتها تعتمد على ضرورة وجود استراتيجية تنموية طويلة المدى تحدد فيها الأهداف والآليات وأدوار كل من القطاع الحكومي والخاص. التشريعات القانونية إن صدور قانون هيئة سوق الأوراق المالية والسلع في الإمارات والمقرر العمل بموجبه خلال الفترة القادمة لا يغني بالضرورة عن وجود تشريعات قانونية, وأنظمة ولوائح تنظم وتساهم في ضبط نشاط هذه الهيئة لما في ذلك من تأطير للعمليات الاستثمارية وبناء جسور الثقة. وتنظيم حركة التداول وتعزيز من درجة الشفافية والدقة في المعلومات والبيانات التي تعلنها الشركات ومكاتب الوساطة العاملة في سوق الاسهم. ومن ناحية أخرى فإن القوانين والتشريعات التي وضعتها الدولة في بداية الثمانينيات وخاصة القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات التجارية, وكذلك القانون الاتحادي رقم (18) لسنة 1993 في شأن المعاملات التجارية تحتاج هذه القوانين وغيرها إلى الكثير من المعالجات نظراً لعدم مواكبة بنودها لطبيعة التطور الذي تنشده الامارات, وما يتطلبه السوق حالياً ومستقبلاً ولاسيما في اطار جذب وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية لممارسة نشاطها في الدولة والمساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني. إذ اتسمت القوانين والتشريعات والأنظمة المحلية المشجعة للاستثمار بأنها قوانين وأنظمة لا تراعي أهمية الجدوى الاقتصادية للمشاريع الاستثمارية التي يتم انشاؤها في الإمارات, وفي غياب التنسيق بين الإمارات فإنه كثيراً ما تحدث ازدواجية في المشاريع مما ينعكس على أوضاع السوق والاقتصاد الوطني على المدى البعيد ومن أمثلة ذلك التوسع في الترخيص لمشاريع إقامة صناعة المنسوجات في الدولة والتي جاءت في معظمها برؤوس أموال أجنبية اعتمدت على استيراد العمالة الرخيصة. ولم يكن الهدف منها تحقيق إضافة نوعية للاقتصاد الوطني بقدر ما كانت تهدف إلى الاستفادة من حصة الدولة التصديرية من المنسوجات إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية الأمر الذي أدى إلى تضارب المصالح عندما حدث خلاف بين الإمارات والولايات المتحدة على حصة الإمارات من صادرات المنسوجات إلى الأسواق الأمريكية. إن تلك التشريعات وإن خدمت الإمارات في مرحلة سابقة فإنها لم تعد كافية في ظل الانفتاح الكبير ومتطلبات السوق, ومتغيرات العصر, وطبيعة الاحداث الاقتصادية العالمية, ومنها رغبة الإمارات بفتح سوقها أمام الاستثمارات الأجنبية, وكذلك مطالبة القطاع الخاص بمساهمة فاعلة في الاقتصاد وتحمل دوره في المرحلة المقبلة, كذلك وضع الشركات العائلية التي هي مطالبة في ظل وجود تعديلات تشريعية إلى القيام بدورها أيضا في الاقتصاد الوطني. لقد حدد القانون الإتحادي رقم (8) لسنة 1984والمعدل بالقانون الاتحادي رقم (13) سنة 1988الشكل القانوني للشركات التجارية في الإمارات ومتطلبات تأسيسها وانقضائها وحلها أو اندماجها, ولكن فيما يتعلق بفروع الشركات التجارية الأجنبية فلم يتضمن القانون سوى أربع مواد هي من ((313)- (316)) والمتضمنة للشروط الواجب توفرها عند الترخيص للشركات الأجنبية لمزاولة نشاطها. وعلى الرغم من أن هذه المواد وكذلك من قرار وزير الاقتصاد والتجارة بتحديد الأنشطة المسموح بها للشركات الأجنبية بمزاولتها, إلا أن ذلك يعتبر قصوراً واضحاً في القانون الأمر الذي يتطلب مراجعة تلك المواد, وإعادة صياغة القانون وتوسيع المواد المتعلقة بالشركات الأجنبية, وكذلك المادة (22) من القانون نفسه كي ينسجم هذا القانون مع طبيعة التطورات العالمية أو يصار إلى إصدار قانون جديد خاص بالاستثمارات الأجنبية في الدولة خاصة وأن المرحلة المقبلة سوف تشهد انفتاحاً أكبر للسوق الإماراتية أمام الاستثمارات الاجنبية, ثم إن دولاً كالكويت وسلطنة عمان والسعودية قد قامت بخطوات فعلية في سياق وضع قوانين للاستثمارات الأجنبية من منطلق قناعاتها بطبيعة التطورات المستقبلية وأهمية مواكبة المتغيرات الاقتصادية المستجدة في العالم. كذلك فإن القانون التجاري الذي يحدد طبيعة الأوراق التجارية وشكلها وكل الجوانب القانونية والتجارية أصبح ضرورة ملحة لتنظيم سوق الإمارات كي تصبح مواكبة للتطورات الاقليمية والعالمية. إن العمل على استكمال التشريعات القانونية المنظمة للسوق الإماراتية سواء فيما يتعلق بالحركة التجارية أم الاستثمارية الاقتصادية من شأنه أن يوجد بيئة استثمارية ومناخاً استثمارياً يساهم في توسع المشاريع الاستثمارية والإنتاجية التي يمكن أن يساهم بها الاستثمار الخاص. ويعزز من البنية الاقتصادية وتوسيع القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد المحلي. وإذا كانت إمارة دبي هي الامارة الوحيدة التي سنت تشريعاً محلياً يعالج موضوع الاستثمارات الأجنبية, وهو قانون المنطقة الحرة لجبل علي رقم (1) لسنة 1980وكذلك القانون رقم (2) لسنة 1986 في شأن الاعمال في المنطقة الحرة بجبل علي فإن هذا القانون لن يفي بغرض الاستثمار وتحقيق الجدوى من الاستثمارات الأجنبية ما لم يكن هناك قانون منفصل لرؤية مستقبلية يتضمن آليات ووظائف وأهداف الاستثمارات عامة والاستثمارات الأجنبية خاصة. محدودية السوق المحلية يعتمد نجاح الاستثمار أو الفرص الاستثمارية على كيفية استغلال أو الاستفادة من تلك الفرص التي من شأنها أن توفر جزءاً من متطلبات وحاجة المجتمع في حال استثمارها بشكل ايجابي. ولكن هناك محددات تواجه نجاح أو تحقيق الاستثمار الأمثل للفرص ومنها القدرة الاستيعابية لسوق الإمارات في ظل منافسة السلع المستوردة, والتي تجد جاذبية واقبالاً شديداً من قبل المستهلكين سواء أكان مرجع هذا الاقبال بفعل جاذبية هذه السلع مقارنة بالسلع المنتجة محلياً, أم لكون المستهلكين في المجتمع عادة يشجعون السلع المستوردة من بلادهم وذلك دعماً لاقتصادات الأوطان المنتمين اليها. إن سياسة الانفتاح وغياب الدعم الحكومي للمنتجات الوطنية وغياب سياسة تسويقية ناجحة للمنتجات الوطنية تجعل السلع والمنتجات المستوردة الأرخص والأكثر قبولاً إلا في حالات استثنائية, الامر الذي يتطلب توسيع السوق المحلية وحمايتها من سياسة الإغراق ويتم ذلك من خلال الانفتاح على الأسواق الخليجية, وكذلك من خلال إقامة المشاريع المشتركة بين دول المجلس تحت مظلة الإتفاقية الاقتصادية الموحدة, ومن خلال توحيد القوانين والتشريعات الخليجية وذلك على غرار توحيد التعرفة الجمركية بموجب قرار القمة والمقرر العمل بها اعتباراً من عام 2005. إن إنشاء سوق خليجية موحدة للأوراق المالية من شأنه أيضاً تجاوز عقبة ضيق السوق التي تعاني منها معظم الاسواق الخليجية من ناحية, والتأكيد على أهمية دعم المشاريع الاستثمارية المشتركة التي تعزز الوحدة الاقتصادية بين أبناء دول المجلس, وتحد من ازدواجية المشاريع, والمنافسة غير الموضوعية, وتعزز المصالح المشتركة التي تحقق الإستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي والإجتماعي في منطقة الخليج, ثم إن هذا التوجه يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الخليجية في الأسواق العالمية ويفتح آفاقا أوسع وأكبر أمام الاستثمارات الخليجية في ظل التحول من الاستثمار ذي الحجم الصغير كما هو عليه الأمر حالياً إلى الاستثمار ذي الحجم الكبير. هيمنة الدولة والقطاع العام على الانشطةالاقتصادية على الرغم من توجه الدولة نحو خصخصة بعض المرافق والمؤسسات الحكومية وخاصة في إمارة ابوظبي التي سعت إلى تخصيص مرافق الكهرباء والماء, إلا إن السمة البارزة في القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية منها هي سيطرة أو هيمنة القطاع الحكومي أو العام, وذلك سواء من قبل الحكومة الاتحادية, أم الحكومات المحلية, ومن الواضح أن هذه الهيمنة سوف تستمر خلال الفترة المقبلة من القرن الحالي بسبب أن الخصخصة التي استجدت لم تكن من منطلق الرغبة في مواكبة التطورات العالمية, أو اتاحة الفرصة للقطاع الخاص ومؤسساته, ولم يكن هذا التوجه مبني على أساس استراتيجية التنمية الاقتصادية غير الموجودة. وانما الدافع الرئيس وراء هذا التوجه هو تزايد العجز في الميزانية الاتحادية, وتزايد الأعباء المادية على الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية وعدم قدرتها على الإستمرار في صيانة مشاريع البنية التحتية التي توسعت بها خلال فترة السبعينيات والثمانينيات لاسيما في ظل تذبذب أسعار النفط وتراجع العوائد النفطية وتقلص الفوائض المالية للدولة. إن تفتيت الملكية الحكومية وطرح بعض شركات ومؤسسات القطاع الحكومي أو العام للقطاع الخاص ينسجم مع التطورات العالمية ومن شأنه أن يؤدي إلى زيادة وتفعيل حركة ونشاط السوق الاماراتية وتركيبة رأسمال الشركات والمؤسسات ولكن هذا التوجه مرهون بمدى مراجعة وتفعيل القوانين والتشريعات التي تشكل ضوابط قانونية للحيلولة دون حدوث احتكار. ثم تحقيق المزيد من الشفافية والموضوعية. إن تفعيل القطاع الخاص وشركاته والمؤسسات المخصخصة وتوسيع قاعدة الاستثمارات الخاصة وعملها على زيادة الإنتاجية وخدمة الاقتصاد الوطني يعتمد أيضا على وجود حوافز وإعانات لدعم القطاعات الإنتاجية ولاسيما الفرص الاستثمارية في القطاع الصناعي المهيمن عليه من قبل الدولة, ثم ضرورة إعطاء الصناعات الوطنية ذات الميزة النسبية فرصة للنمو والتطور من خلال توفير الخدمات كالكهرباء والماء بأسعار تشجيعية, وتوفير الموارد الطبيعية بأسعار مشجعة تشكل دعماً للقطاع الخاص في تحفيز وتوظيف استثماراته في قطاعات تتضمن فرصاً استثمارية جيدة وتحقق عائداً جيداً وتساهم في تحقيق معدلات نمو اقتصادي جيد. محدودية آجال الاستثمار في الامارات إن غياب استراتيجية التنمية حسبما أشرنا إلى ذلك, وعدم مواكبة التشريعات القانونية خاصة في جانب الاستثمار للتطورات التي تحدث في الأسواق المالية العالمية, وضعف الوعي الاستثماري لدى المستثمر في الإمارات جعلت تلك العوامل آفاق الاستثمار تتجه نحو الاستثمارات قصيرة الأجل, حيث يتركز معظم الاستثمار المحلي في قطاعات خدمية كقطاع التجارة, وقطاع العقارات, وقطاع الخدمات الأخرى ذات المدى القصير. إن التوجه الذي يجب أن يسير فيه الاستثمار المحلي هو نحو الاستثمارات طويلة المدى لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية, بحيث تتركز إضافة إلى القطاعات السالفة الذكر في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية كقطاع الزراعة, وقطاع الصناعة, وذلك لزيادة قدرة التشغيل فيهما في ظل خطة تهدف إلى تنمية هذين القطاعين وذلك لأهميتها في الاقتصاد الوطني. إن ما يؤكد على محدودية آفاق أو آجال الاستثمار في الإمارات هو توجه المستثمرين نحو المضاربات في سوق الأسهم, وذلك كما حدث في سوق الأسهم في صيف 1998م حيث كانت المضاربات المحمومة والتسابق السريع نحو شراء وتملك اسهم أو الاكتتاب في اسهم الشركات الجديدة من قبل شرائح المجتمع في الإمارات ولاسيما كبار المستثمرين الذين قام البعض منهم بممارسات كان لها شديد الضرر على سوق الأسهم حيث كان لتلك التصرفات انعكاسات خطيرة أدت إلى تراجع حاد في أسعار الأسهم انعكس على الاوضاع الاقتصادية وأكدتها مؤشرات السوق آنذاك. إن تلك التطورات قد عكست غياب الشفافية في سوق الامارات, وانعدام العلاقة الحقيقية بين المستثمرين والشركات التي ساهموا فيها بينما لا تقوم الشركات بنشر موازناتها أو تقاريرها السنوية وذلك وفقاً للقانون والأعراف والتقاليد التي تحكم السوق. أما المؤشر الآخر الذي يعكس محدودية آفاق الاستثمار هو توجه المواطنين والمقيمين على السواء نحو شركات توظيف الأموال سواء المرخصة من قبل ا لمصرف المركزي أم غير المرخصة على الرغم من علمهم بعدم ترخيص بعض الشركات, وتحولت هذه الشركات إلى قنوات لضخ السيولة المحلية إلى خارج نطاق سوق الإمارات ولتؤثر بالتالي على حجم السيولة والائتمان المصرفي وذلك في ظل غياب الرقابة وضعف القانون وإنتفاء الشفافية, ليحدث ما كان في الحسبان حينما تهاوت أوضاع هذه الشركات الواحدة تلو الأخرى ليبحث المودعون عن أصل ودائعهم, فيما تتبخر أحلامهم, ويؤدي الأمر إلى خسارة سوق الإمارات إلى حجم الودائع المتزايد لدى المصارف العاملة في الدولة سواء الأجنبية أم الوطنية وسواء بالعملة المحلية أم الأجنبية, وبسبب تزايد تلك الودائع لدى الجهاز المصرفي, ومع محدودية قنوات الاستثمار وأوعيته طويلة المدى وبسبب غياب استراتيجية التنمية الاقتصادية في الإمارات ادى ذلك إلى تراجع أسعار الفائدة الأمر الذي حدا بالمصارف التجارية إلى تحويل جزء كبير من تلك الودائع إلى فروعها الخارجية, أو مصارف دولية لتتحول تلك الأرصدة إلى ودائع خارج الجهاز المصرفي بالامارات لتستقر في اقتصادات الدول الأخرى وبالتالي يحرم الاقتصاد الوطني من فوائض مالية هو في حاجة إليها. في ضوء ذلك فإن الأمر يتطلبُ سرعة وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية طويلة الأجل, وتحديد السياسات الاقتصادية والآليات الفنية التي تكفل تنفيذ تلك الاستراتيجية, والعمل على تحسين المناخات الاستثمارية ذات الآجال الطويلة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المشاريع الإنتاجية, مع أهمية قيام المؤسسات الاقتصادية المعنية بالتنمية والاقتصاد بالدولة مثل غرف التجارة, والدوائر الاقتصادية المحلية, ثم المصرف الصناعي والمؤسسات الأخرى ذات الصلة بتقديم دراسات جدوى اقتصادية للمشاريع الإنتاجية ذات الآجال الطويلة, وذلك بأسعار رمزية أوبدونها. ومن المناسب هنا أن يكون للقطاع الخاص دور أكبر في المساهمة في قطاع الصناعات البتروكيماوية من خلال اتاحة الفرصة أمامه ووفق ضوابط معينة وفي إطار سياسة الخصخصة التي تسعى الدولة إلى انتهاجها والرامية إلى تشجيع القطاع الخاص بالدخول في القطاعات الإنتاجية كالقطاع الزراعي وقطاع الثروة السمكية والحيوانية, فضلاً عن قطاع الصناعات البتروكيماوية وهذه القطاعات تتوفر فيها ميزة نسبية تشجع من الاستثمار فيها.