أثار اعلان مصر عن بدء الاعداد لاصدار سندات مصرية (باليورو) لأول مرة مع مطالع العام المقبل 2001 ردود أفعال متباينة في الأوساط الاقتصادية وجمعيات رجال الأعمال ما بين متخوف ومحبذ لهذه الخطوة. وكان وزير الاقتصاد المصري الدكتور يوسف بطرس غالي قد وجه الدعوة لعدة بنوك عالمية للمشاركة في الحملة التي تعد لها مصر بهدف الترويج لسندات (اليورو) خلال سبتمبر الجاري أوضح غالي أن مجلس الوزراء المصري وافق مبدئيا على هذا الاصدار دون أن يحدد قيمته أو مدته ورهن مجلس الوزراء موافقته النهائية بعد استكمال الدراسات اللازمة لتحديد حجم السندات ومواعيد سدادها ونسبة الفائدة عليها وسبل انفاق قيمة هذه السندات. تبديد المخاوف وفي الوقت الذي يبدي الخبراء الذين التقهم (البيان) مخاوفهم الشديدة من توقيت الطرح الذي رافق هروب عدد من رجال الأعمال الذين طرحوا سندات للاكتتاب العام سواء في مصر أو عبر شهادات ايداع دولية في بنوك عالمية قيمتها 800 مليون دولار رغم مشاركة جهات دولية متخصصة في هذا المجال لها سمعتها الطيبة مثلما حدث مع مجموعة رامي لكح جروب والذي قام بنك باركليز لندن, ومؤسسة نمور اليابانية بالترويج لهذا السند بضمان بنك القاهرة علاوة على تدني قيمة عملة (اليورو) أمام الدولار مما قد يعرض أصحاب السندات الى انخفاض قيمة السندات وتعرضهم لتقلبات نتيجة تدهور سوق الصرف. لكن وزير المالية المصرية الدكتور مدحت حسانين يبدد مخاوف الخبراء مشيرا الى أن طرح سندات دولية للاقتراض سيكون لها عبء أقل من نظيرتها اذا حصلنا على الاقتراض من البنوك العالمية والمحلية, ويتميز بأنه تمويل متوسط وطويل الأجل يخصص لتمويل المشروعات القومية للبنية الأساسية في مصر. خاصة أن توقيت الطرح مناسب حيث يأتي عقب حصول مصر على تقدير عالمي للائتمان وقليل المخاطر من خلال مؤسسات مالية عالمية مثل بورصات ستانلي وميريل لينش. ويضيف حسانين أن تشجيع الحكومة للقطاع الخاص على الاقتراض من الخارج عبر الأسواق الدولية يجب أن تسبقها خطوة حكومية, تدعمها حتى يتم وضع مصر على مسافة الاقتراض العالمي بشروط جيدة على أن يتم تشجيع القطاع الخاص على ذلك عبر تداول أذون الخزانة والسندات الحكومية مشددا على أن الحكومة تستهدف الحصول على تمويل مختلف الأجل سواء من الداخل أو الخارج لتقليل المخاطرة وزيادة فعاليته بقوة من أجل احداث سيولة في السوق. سند وتمويل ويتفق رئيس هيئة سوق المال المصري السيد عبدالحميد ابراهيم مع ما سبق ويقول أن حجم اجمالي السندات في السوق المصري تبلغ 7.17 مليار جنيه بينها 7.13 مليار جنيه سندات خزانة حكومية والباقي سندات لصالح القطاع الخاص تخص نحو 33 شركة قطاع خاص منها سند واحد فقط قابل للتحويل لأسهم موضحا أن سوق السندات الخاص في مصر لم يتعد نسبته 1% من اجمالي سوق الأوراق علما أنها أحد مصادر التمويل. وأضاف أننا سوف نعد جدولا جديدا للتداولا خاصا بالسندات بعيدا عن الجدول العام لتداول الأسهم. ويقلل ابراهيم من مخاوف بعض الخبراء من طرطح سندات دولية باليورو في السوق العالمي لمصر إذ أن (اليورو) وصل الى أدنى مستوياته أمام (الدولار) وتعكس كافة المؤشرات ا لاقتصادية الاتجاه التصاعدي, ويوفر تمويل بفائدة أقل من الاقتراض المصرفي ويمنح مدة تتراوح بين 10 الى 20 عاما تحتاج لها في تمويل مشروعات ذات مردود اقتصادي طويل الأجل علاوة على أن السوق المصري بما اتبعه من خطوات اصلاحية مهيأ نفسيا واقتصاديا لمثل هذه الخطوة التي تأخرت عامين. ويرى الدكتور حمدي عبدالعظيم عميد معهد بحوث بأكاديمية السادات للعلوم الادارية أن عودة مصر ثانية للاقتراض من الخارج أمر يجب ألا يمر بشكل عادي اذ أن حجم الدين الحالي 5.27 مليار دولار أي ما يعادل 5.31% من اجمالي الناتج المحلي مقابل نحو 9.30 مليار دولار عام 1994 أي ما يوازي 9.59% من اجمالي الناتج المحلي حينذاك تحمل خلالها المواطن سياسة ربط الحزام, وسلبيات عمليات الخصخصة وآن الآوان لكي يجني ثمار هذا الاصلاح إلا أنه واجه تراجع سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية مثل الدولار. ويضيف عبدالعظيم أن طرح سندات باليورو سيكون أكثر عرضة لتقلبات سعر الصرف عن طرح السندات بالدولار الأكثر ثباتا, واستقرارا الى حد ما من أي عملة أخرى ويقبل على التعامل عليها الجميع أفراد ومؤسسات, وشركات علاوة على أن طرح سندات حكومية في الأسواق العالمية سيجعلنا أكثر اندماجا مع العالم الخارجي ويجعلنا نتأثر ايجابا وسلبا بأي تقلبات عالمية متسائلا هل الاقتصاد المصري بلغ من النمو ما يؤهله لاتخاذ مثل هذه الخطوة مدللا على ما حدث في دول جنوب شرق آسيا من انهيارات متوالية في الاقتصاد والأسهم والسندات وخروج الأجانب حائزي هذه الأوراق فور شعورهم بأية أزمة مما يعرض الاقتصاد لكبوة تضيع مكاسب برنامج الاصلاح الاقتصادي. مطالب بالتأجيل وينضم مستشار اتحاد الغرف التجارية المصرية عبدالستار عشرة الى ما سبق ويطالب بتأجيل هذه الخطوة من قبل الحكومة إذ أن سلسلة هروب عدد من رجال الأعمال من مصر بعد ارتفاع مديوناتهم و عجزهم عن ادارة مؤسساتهم, وتراجع قيمة سندات شركاتهم تقييم المؤسسات المالية الدولية حول الاقتصاد المصري من ناحية الجدارة الائتمانية, والمخاطر, ودرجة الاستثمار وعدم شفافية السياسة النقدية والمالية تفرض علينا الانتظار لفترة حتى تعود الأمور الى نصابها بانتعاش البورصة ثانية وانتهاء حالة الركود ونقص السيولة من السوق, واضطراب سوق الصرف حتى يكون هناك تقييم حقيقي لسعر الفائدة المستحقة على السندات باليورو مقابل الجنيه تفاديا لتقديرات مخالفة للسوق يدفع ثمنها المواطن العادي من رفاهيته ومستوى معيشته أو يضر بسمعة البلد في الأسواق العالمية. وينصح عشرة في حالة ما اذا كان ضروريا طرح سندات أن يكون بالدولار إذ أن اليورو مازال عملة جديدة وتتعرض لارتفاع وانخفاض شديد مقابل باقي العملات الصعبة, مشيرا الى أن تعاملاتنا مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية التجارية متقاربة 43% و38% من اجمالي حركة التجارة المصرية الخارجية البالغة 26 مليار دولار سنويا وكذلك بالنسبة لمجالات الاستثمار والخدمات مما تجعل الكفتين متساويتين في العوائد الاقتصادية لمثل هذا الطرح على الاقتصاد الوطني إلا أن الدولار أكثر انتشارا, واستقرارا من حيث القدم والتعاملات. وعلى صعيد آخر تذكر المؤسسة العربية لضمان الاستثمار على لسان مديرها العام الدكتور حسن ابراهيم أن العام الماضي شهد اندفاع عدد كبير من الشركات في الوطن العربي الى تعبئة ما تحتاجه من موارد مالية من خلال اصدار سندات بالعملات المحلية مستفيدة من حرص المستثمرين المؤسسين والأفراد على اقتناء السندات لموازنة استثماراتهم في أسواق الأسهم لافتا أن قيمة التعاملات في السندات في السوق المحلية المصرية بلغت 20% العام الماضي لتصل الى حوالي 951 مليون جنيه. ويسترسل ابراهيم قائلا أن حصة تعاملات السندات بلغت نحو 2.6 % من اجمالي قيمة التعاملات في السوق الرسمية البالغة نحو 2.15 مليار جنيه موضحا أن تداول السندات مسجل في السوق الثانوية انخفاضا حادا بلغت نسبته حوالي 93% مقارنة بالعام السابق ليصل الى حوالي 1.1 مليون سند يبرر ذلك لتفضيل المستثمرين الاحتفاظ بالسندات بعد الا ن خفاض الكبير في أسعار الأسهم. ويؤيد مدير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار طرح السندات في الأسواق العالمية إذ أن الحرص على اقتناء السندات يتضح من النشاط الكبير في السوق الأولية اذا ارتفع عدد الشركات المصدرة للسندات الى 16 شركة في السوق المصري بلغ قيمة السندا ت المصدرة حوالي 6.2 مليار منها حوالي ملياري جنيه للبنوك والباقي للشركات فضلا عن سندات حكومية تضم سندات الخزانة وسندات التنمية الوطنية والاسكان. ويقول ابراهيم انه من التطورات الجديرة بالملاحظة انخفاض نسبة السندات الحكومية لصالح السندات الخاصة ففي حين تميزت السنوات الثلاث الماضية بكثافة الاصدارات الحكومية التي بلغت قيمتها حوالي سبعة مليارات جنيه فقد شهد العام الماضي تراجعا كبيرا في هذه الاصدارات إذ طرحت الحكومة اصدارها الأول في أغسطس الماضي قيمة 500 مليون جنيه فقط أما الاصدارات الخاصة فكانت قيمتها عام 1994 نحو 30 مليون جنيه ارتفعت الى 2.1 مليار جنيه العام الماضي. ويقول ابراهيم أن أبرز الاصدارات المحلية من السندات كان البنك التجاري الدولي وقيمته 300 مليون جنيه, وسيتر بنك 200 مليون جنيه, ومجموعة لكح بقيمة 350 مليون جنيه, وأوراسكوم للمشاريع والتنمية السياحية بقيمة 80 مليون جنيه, فضلا عن عدد من الاصدارات الصغيرة مثل اصدار شركة بوادي للحلويات بقيمة 30 مليون والشركة المصرية لصناعة السيارات بقيمة 50 مليون جنيه, والشركة المالية المصرية بقيمة 30 مليون جنيه حيث تراوحت مدة هذه الاصدارات بين خمس وثماني سنوات بفائدة 11% تقريبا علما أن كل هذه سندات في صورة شهادات ايداع دولية مثلما تتجه الحكومة للاقتراض من السوق الخارجي. توقعات واصدارات ويتوقع مدير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن يتصاعد اتجاه اصدار السندات الخاصة خلال العام القادم بعد اقدام الحكومة على طرح سنداتها في الأسواق العالمية مشيرا الى أن سبعة مصارف أعلنت عن عزمها طرح سندات خلال الربع الأول من العام المقبل تبلغ قيمتها نحو 750 مليون جنيه خصوصا أن الجهات الرسمية المعنية في مصر تبذل جهودا حثيثة لتطوير سوق السندات تمثلت في صدور القانون رقم 397 لسنة 1998 الذي يلزم الشركات التي ترغب في طرح سندات للاكتتاب العام بالحصول على تقويم ائتماني بدرجة مقبول من احدى الشركات المعترف بها علما أن هيئة سوق المال رفضت استثناء أية جهة من هذا القانون بما في ذلك البنوك المملوكة للدولة والتي تكون درجة تصنيفها عادة باعتبارها لا تواجه مخاطر عدم السداد. كما سهلت عملية تحويل شهادات الايداع الدولية الى أسهم بحيث تتم العملية خلال 24 ساعة فقط. وكيل اتحاد الصناعات المصرية المهندس أحمد عز يؤيد الخطوة الحكومية بطرح سندات ولا يختلف على طرحها بالدولار أو باليورو أو بالجنيه المهم أن يتم طرحها حيث سيفتح الباب أمام الشركات الخاصة للاقتراض بشروط ميسرة من الخارج وأن اصدار سند سيادي أمر هام وضروري ولا يوجد في العالم بلد ليس لديه هذا المؤشر لتحديد أسعار الاقتراض من الخارج للشركات بالقطاع الخاص سوى في مصر. ويلفت عز أنه أمام واقع عدم رغبة الحكومة للاقتراض أو المساس بالاحتياطي النقدي الأجنبي أو أسعار الجنيه أمام العملات الأجنبية فإن الاقتراض من الخارج أمر ضروري سواء للحكومة أو القطاع الخاص حتى نحصل على أرخص تمويل وأقل شروط لمشروعاتنا التمويلية الانتاجية واجراء التوسعات المستقبلية وادخال أحدث التكنولوجيا يستلزم تمويل متوسط وطويل الأجل وسعر فائدة معقولة بدل من الاقتراض من البنوك المصرية بمتوسط فائدة 17% وفترة سماح قصيرة وغالبيته تمويل قصير الأجل علما أن غالبية المؤسسات العالمية تعتبر مصر دولة تقترض أقل من اللازم, والدولة التي تهدف تحقيق نمو فيما بين 7 الى 8% تحتاج في بعض الأحيان الى الاقتراض المهم أن يضمن سداد أصل القرض وقت استحقاقه بسهولة ويسر سواء من الحكومة أو القطاع الخاص. عروض عالمية وفي ضوء أن الرئيس المصري حسني مبارك كلف رئيس الوزراء المصري د. عاطف عبيد منذ تولي رئاسة الحكومة في سبتمبر في العام الماضي بأن لا يتعدى حجم الاقتراض من الخارج مما يتم سداده سنويا لخدمة عبء الدين وقدره 1400 مليون دولار أي أن الحكومة يمكن أن تقترض فقط في حدود 1200 مليون دولار بشرط أن يكون الاقتراض غير مكبل بقيود سياسية أو اقتصادية وميسرة, وأقل نسبة فائدة, وتوضيح كيفية سداد القرض والعائد من الاقتراض الخارجي, وعدم وجود أي التزامات على مصر (شروط) فإن المتوقع أن يكون طرح السندات (باليورو) ولن تتعدى 400 مليون دولار في المرحلة الأولى. ويرى محمود عبدالعزيز رئيس اتحاد البنوك العربية ورئيس البنك الأهلي التجاري الدولي CIB يرفض فكرة طرح سندات حكومية بالجنيه المصري في السوق العالمي خصوصا اذا كانت سوق الصرف تعاني من ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الوقت الحالي, واليورو ينخفض أمام الدولار إذ أن هذه العروض أما أنها لن تغطي بكاملها من المكتتب العالمي سواء مؤسسات أو شركات أو أفراد أو تتعرض لتقلبات شديدة سعرية تضر أكثر مما تنفع الاقتصاد الوطني وسمعة مصر مفضلا الانتظار حتى يضبط السوق المحلي أوضاعه ثانية إذ أن طرح سندات باليورو يعني مساندة وطنية لهذه العملة بالسوق العالمية ضد الدولار وعلى حساب العملة الوطنية. ويضيف أنه أمام ما لحق بعض سندات القطاع الخاص من خسائر في الأسواق المحلية وأسواق لندن من تراجع لقيمتها السوقية وعدم توافر السيولة المحلية يفضل تحريك سعر الفائدة على الجنيه المصري لتدبير التمويل اللازم عبر المدخرات المحلية اللازم لتمويل المشروعات المحلية سواء العامة أو الخاصة إذ أنها أفضل أكثر أمنا موضحا أن الجهاز المصرفي ليس غير منوط بتدبير قروض طويلة الأجل للصناعة المصرية بالقدر الكافي خصوصا أن زيادة الاقتراض طويل الأجل يتسبب في حدوث خللا في الجهاز المصرفي ككل. ويشير عبدالعزيز الى أن اجمالي المبالغ التي توظفها البنوك المصري حاليا يصل الى 235 مليار جنيه وأن النسبة الغالبة منها في صورة قروض قصيرة الأجل وهذا أمر طبيعي لأن القروض قصيرة الأجل هي السمة الغالبة للجهاز المصرفي وأن البنوك المصرية تعتبر من أقل البنوك على مستوى الشرق الأوسط من حيث رأس المال ولكنها تحقق أعلى معدل اداء في المنطقة والذي يصل حاليا الى 100% مطالبا بتقليص نسبة الاحتياطي اللازم وضعه في البنك المركزي المصري لحجم تعاملات أي بنك عن 15% الى 10 أو 5% على أن يتاح الباقي في السوق المحلي كسيولة بدلا من اللجوء حاليا للاقتراض من الخارج علما أننا سبق أن تقدمنا بضرورة طرح سندات دولية حكومية وخاصة منذ عامين عندما كانت ظروف الاستثمار والائتمان المحلية والعالمية مواتية دون جدوى وأن القروض طويلة الأجل موجودة وتتجاوز ما تقدمه البنوك العالمية النسبة المعتادة في هذا الاتجاه 25% من اجمالي القروض الموجودة بأي بنك. القاهرة ـ حسين عبدالهادي