قالت بعض اجهزة الاعلام العربية في الآونة الاخيرة ان التراجع النسبي الذي حدث على مؤشري داوجونز وناسداك كان يتصل بحالة الانتظار التي سادت السوق ترقبا لما يفعله الاحتياطي الفيدرالي الامريكي, بشأن رفع سعر الفائدة. ولابد ان من كتبوا هذا يشعرون الآن ببعض الحرج, فالاحتياطي الفيدرالي لم يرفع سعر الفائدة في اجتماعه الثلاثاء الماضي, اي انه ابقاها عند مستوى 6% على القروض البينية المصرفية.. مع ذلك فقد استمر اداء داوجونز وناسداك على ما كان عليه قبل الاجتماع. فلو افترضنا ان السوق المالية كانت متحفظة بسبب انتظار اجتماع الاحتياطي الفيدرالي فلماذا لم تنطلق اذن بعد هذا الاجتماع؟ انه سؤال محرج يواجه بعض التحليلات التي قرأناها مؤخراً والتي سقط من اهتمامها ـ سهوا ربما ـ العنصر الوحيد الذي يفسر مراوحة داوجونز في موقعه نفسه تقريبا, والتراجع المنتظم الذي يطرأ على ناسداك: عنصر الاعلان ربع السنوي عن ارباح الشركات. ماكانت السوق المالية تنتظره حقا هو تقارير ارباح الشركات, وليس قرار الاحتياطي الفيدرالي. صحيح ان اي قرار برفع سعر الفائدة الآن سيؤدي الى تراجع ـ مناسب في حجمه لذلك القرار ـ على مؤشرات سوق الاسهم الامريكية. ولكن احدا لم يتوقع من الاصل ان يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة هذه المرة. كل العيون كانت متجهة الى تقارير الشركات. ولم تجد هذه العيون ما يثير الاعجاب حين اصدر المديرون تقارير اداء مؤسساتهم. فهناك نحو60% من الشركات الاساسية التي يجري التعامل في اسهمها في وول ستريت حققت قدرا من الارباح يقل عما كان متوقعا. لم يكن هناك اذن سبب للبهجة في وول ستريت لهذا السبب بالذات وليس لما فعله ـ او ما لم يفعله ـ آلان جرينسبان. وسوف تجتمع اللجنة المكلفة بتحديد اسعار الفائدة داخل الاحتياطي الفيدرالي مرة اخرى في 15 نوفمبر, وليس من المتوقع ـ مرة اخرى ـ ان ترفع سعر الفائدة. مع ذلك فإن اداء سوق الاوراق المالية الامريكية ـ خاصة ناسداك ـ سوف يتراجع على اي حال حتى وان خفض جرينسبان سعر الفائدة, هو الامر الذي لا يتوقعه احد. ذلك ان مشكلة ناسداك الآن هي اننا نمر بحقبة انتقالية سريعة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة في الولايات المتحدة. المراحل الانتقالية ـ في هذا القطاع ـ باتت شديدة التقارب فقبل نحو ثلاثة اعوام فحسب بدأ مهرجان الـ(دوت. كوم) , او شركات التجارة الالكترونية. إلا ان المهرجان انتهى الآن. قبل ثلاثة اعوام كان اي شخص يضع فكرة ما ـ مجرد فكرة ـ على قطعة من الورق, ويقدم حدا ادنى من الادلة على قابلية هذه الفكرة للتطبيق, بوسعه ان يجد من يرعى اصداره الاولى من الاسهم, وان يجد من يتسابق على شراء هذه الاسهم, ثم ان يجد (كوما) لابأس به من الفلوس يمكنه من بدء مشروعه. ولكن اغلب هذه المشروعات لم يصل الى شيء.. المثل الاقوى على ذلك هو (آمازون دوت كوم) اكبر شركات التجارة الالكترونية في العالم على الاطلاق. ذلك ان آمازون, التي لم يكن احد يجد سهمها معروضا للبيع في السوق الا بصعوبة وبثمن مرتفع, لم تحقق اي ارباح حتى الآن, بل حققت خسارة صافية متراكمة. وليست هذه هي الحالة الوحيدة على اي حال. إلا ان تضافر الحالات على هذا النحو اسفر عن انتقال السوق الى مرحلة جديدة, وهي مرحلة شركات البنية التحتية للانترنت, وخصوصا شركات الاتصالات. فها هي شركة عملاقة مثل (اية. تي. آند تي) . تعرض خدمات الاتصالات الدولية وبين الولايات للبيع كي تتمكن من تكثيف جهودها في مضمار انشاء شبكة اتصالات بالغة التطور. ان هذه الشركة العملاقة تدرك ان شهية السوق مفتوحة الآن لتمويل شركات البنية التحتية, وهي تدرك ان شبكات الاتصالات التقليدية القديمة لن تعمر طويلا, واننا قد بدأنا بالفعل عصر المكالمات الهاتفية بالكمبيوتر. ولذا فإن قرارها هذا يعد مفهوما رغم انها حققت من خدمات الاتصالات التي تريد بيعها ربما صافيا تجاوز 6 مليارات دولار العام الماضي وحده, وذلك على حجم استثمار اجمالي في هذا القطاع لم يتجاوز 38 مليار دولار في نفس العام. ويدلل هذا بدوره على تبدل اتجاه الريح في ناسداك. فقد انتهى عصر شركات التجارة الالكترونية و(بيع الافكار) , وهو عصر لم يدم طويلا على اي حال, وبدأ عصر شركات البنية التحتية للانترنت. ذلك ان المؤكد هو ان الانترنت ستبقى معنا لسنوات طوال, وانها لن تتوقف عن ان تصبح بؤرة التطور الراهن في تقنيات الاتصالات بصفة عامة. اما بالنسبة لداوجونز فيكفي ان نرصد هنا ثلاث ملاحظات كافية للاعتقاد بأن هذا السوق لن يتعرض بدوره لتغيرات درامية, اللهم الا تفجرت ازمة مالية عامة ادت إلى تفجير فقاعته على نحو اسرع مما يتوقع الجميع. الملاحظة الاولى ان زيادة انتاجية العامل الامريكي الواحدة ـ وذلك على نحو ملموس خلال العامين الاخيرين ـ ادت إلى ابطال مفعول التضخم المتوقع من زيادة عدد العاملين جميعاً, اي من انخفاض نسبة البطالة. فزيادة الانتاجية لم تأت عن طريق زيادة عدد العاملين, ومن ثم صرف مرتبات اكثر, ومن ثم زيادة الضغوط التضخمية, ولكنها اتت من زيادة انتاجية كل عامل على حدة وذلك على اساس نفس راتبه ـ تقريباً ـ دون زيادة. فإذا قيل ولكن مجموع الرواتب والاجور التي تصرف كل عام زاد ايضاً على نحو ملموس, فإن الرد على ذلك هو ان الاحتياطي الفيدرالي رفع بدوره سعر الفائدة ست مرات متوالية خلال هذا العام وحده كي (يهضم) الضغوط التضخمية الناجمة عن زيادة مجموع الرواتب والاجور. وحتى يمكننا وضع ذلك بصورة مبسطة, ودون تعثر في الصياغات والالفاظ, فإن بالامكان القول ان نسبة التضخم التي كانت ستحدث بسبب زيادة عدد الوظائف ـ ومن ثم المرتبات ـ كان يمكن ان تكون اكبر بكثير مما يتسنى هضمه بسبب زيادات في نسبة الفائدة. ما جعلها غير ذلك هو ارتفاع انتاجية العامل الامريكي الواحد, ومن ثم زيادة الناتج المحلي الاجمالي بنسبة تفوق ما يتلاءم مع زيادة عدد الوظائف. الملاحظة الثانية اننا نصل الآن إلى مرحلة قريبة من نقطة التوازن بين العرض والطلب لقد نجح آلان جرينسبان في استخدام (سلاح) سعر الفائدة برفق شديد حتى يحافظ على السوق دائماً عند اقرب نقطة ممكنة من هذا التوازن. والطريف ان ما ساعده على استنتاج موقع هذه النقطة السحرية مقدماً كان هو الكمبيوتر. فبيانات العرض والطلب تسجل الآن بكفاءة عالية للغاية في الولايات المتحدة. ويعني ذلك ان لدى محافظ البنك المركزي الامريكي صورة دقيقة دائماً لمؤشرات الجانبين ومن ثم فإن بوسعه استخدام ادواته للحد من نمو هذا, او لمساعدة ذلك على النمو, حتى تقترب الكفتين. الملاحظة الثالثة هي ان الاقتصاد الامريكي الآن في افضل احواله على الاطلاق. معدلات النمو تفوق 4% في المتوسط كل سنة, مستويات الفقر هي الاقل في الولايات جميعاً منذ ما يزيد عن 30 عاماً, والناس جميعاً (مبسوطين) . ولكن الاهم من انبساط الناس هو ان ما يحدث الآن يدل على ان الآلة الاقتصادية الامريكية وجدت اخيراً الايقاع الذي يناسبها. ولا نعتقد ان احداً سيقرر ـ بخفة ـ تعديل هذا الايقاع على نحو مفاجىء. ويعني هذا ان ما هو آت سيعد استمراراً ـ ربما بصورة اكثر استقراراً ـ لما كان. كما انه يعني ايضاً استبعاد حدوث قفزات خيالية ـ كالتي رأيناها في حينه ـ داخل وول ستريت. ستواصل الاسهم اتجاهاً ثابتاً يصعد ببطء في داوجونز اذن, ففيما ستتعرض اسهم شركات الـ (دوت كوم) للتساؤلات, وسوف تنتعش اسهم شركات الاتصالات وتلك التي تعني بالبنية التحتية للانترنت. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز