يدخل كل مفاوض غرفة المفاوضات وفي ذهنه ما يمكن ان يحدث له في حال الاخفاق فتأثيرات الفشل لا يقتصر مداها على دائرة ضبقة من الاشخاص بل تمتد وتتسع داخل المؤسسة وخارجها, لهذا يلزم المفاوض المتمرس اعداد نفسه وتجهيز كل ما هو ضروري عشية المفاوضات وهكذا فإن الليلة السابقة للمفاوضات وما يتم فيها تشكل ركنا اساسياً في عوامل النجاح في المفاوضات ولابد من الحرص على ان تمر على افضل ما يكون ليدخل المفاوض غرفة المفاوضات وهو في احسن حالاته. كيف يتسنى للمفاوضين الوصول إلى مستوى رائع من الصبر وقوة التحمل؟ وما هي التدابير التي يتخذونها قبل بداية اية مفاوضات خاصة خلال الليالي التي تسبق الجلسات؟ ان المفاوض الماهر يدرك دائماً بأن امامه معركة شرسة يتعين عليه ان يخوضها في ساعة محددة من اليوم وان خسر تلك المعركة فستكون الخسارة له شخصياً والشركة او المؤسسة التي يتفاوض باسمها فعلى المستوى الشخصي سيعرف زملاؤه واصدقاؤه بأن الهزيمة قد لحقت به الامر الذي سيخفض من اسهمه ويضر بسمعته داخل نطاق العمل وخارجه ومن الناحية الاخرى ستعرف ادارة المؤسسة او الهيئة بأنه الحاق الضرر بموقفها وبسمعتها يعرضها للخسارة بدلاً من تعزيز مكانتها وتحقيق مكاسب لها. ونظراً لأن المفاوضات تدور عادة حول مواضيع وامور مهمة فإنها تتطلب الاعداد الجيد والمسبق والتهيؤ لها بحشد الجهود والطاقات وحين نعرض لعمليات الاعداد فإننا لا تعنى دراسة المستندات والوثائق وتحديد الاهداف فقط بل تتضمن هذه المستندات والوثائق ايضاً الحالة الذهنية واعداد الجسد بشكل يضمن عدم التعرض لاية انتكاسات بسبب الوهن الذهني او الجسدي ولهذا ينصح المفاوضون المتمرسون بتوخي الحذر والاحتياط خلال الليلة التي تسبق المفاوضات وينصحون باتخاذ عدة تدابير يرونها لازمة لنجاح المفاوض. ان هذه التدابير هي بالتحديد العوامل التي تجعل المفاوضين الماهرين في قمة استعدادهم وتحول قاعة المفاوضات إلى خلية من النشاط والحيوية وتؤدي إلى خروج الاطراف وهي قانعة بما توصلت اليه من نتائج. وتبدأ هذه التدابير من ادراك ان لكل انسان قوة دفع ذاتية خاصة به أو بعبارة اخرى ما يمكن ان نطلق عليه (دورة طاقة) بمعنى ان ذهن وجسد الانسان يكونان في قمة عطائهما خلال فترة زمنية محدودة كل يوم وينحسر هذ العطاء ويتراجع اثناء فترة زمنية معينة وهكذا فإن أول هذه التدابير هو تحديد تلك الفترة من اليوم الذي يكون فيه ذهن المفاوض هادئا وصافيا ومتيقظا و(مضادا) لكل انواع الوهن والعجز ويكون فيها جسده في وضع ممتاز يمكنه من الجلوس خلف طاولة المفاوضات لمدة طويلة لا يفترض خلالها ولا يشكو من أية حالات ضعف او كسل تجعله يتثاءب كثيرا خلال المفاوضات والغالب ان هذه الطاقة الذهنية والجسدية الممتازة لمعظم الاشخاص خلال ساعات الصباح ولهذا يفضل المفاوضات ان تبدأ الناقشات في وقت مبكر من اليوم. ولننظر الآن الى هذه التدابير التي يطلق عليها كبار المفاوضين اسم (تدابير اليوم الحاسم) وهي: ـ تفادى العبء والارهاق اذ يجب على المفاوض تنظيم وقته وقضاء اطول فترة زمنية ممكنة في اراحة عقله وجسده ويفضل دائما ان يتبع المفاوض نظام حياة عادي وصحي حتى يظل منتبها ويقظا فالتعب والارهاق يضعفان القدرة على التركيز والثقة بالنفس ويدمران القدرة على الصبر وهدوء الاعصاب كما يمكن ان يتسببا في وقوع اكثر المفاوضين مهارة وحزما في اخطاء شنيعة وفادحة وتجعلهم لقمة سائغة سهلة الالتهام والهضم وقد تجعلهم يستسلمون لطلبات الاطراف الاخرى التي تستهدف اتخاذ قرارات سريعة لانهاء المفاوضات قبل دراسة كل الحجج والاقتراحات التي قد يرغبون في طرحها. ويمكن التعب والارهاق ان يفقد المفاوض القدرة على تركيز ذهنه على المسائل الجوهرية واتاحة الفرصة للطرف الآخر لاستنزاف قسط هائل من الوقت المحدد للمفاوضات في الافاضة بالحديث عن اشياء ثانوية وتحويل المفاوضات الى ماراثون في محاولة لارهاق المفاوض مع اقتراب الوقت المحدد من نهايته. ان احدى الاستراتيجات الفعالة لمحاربة التعب والارهاق هي وجود مفاوض آخر (قوة احتياطية) يكون مستعداً ومهيأ للتدخل عندما يستدعى الموقف فوجود مثل هذه القوة الاحتياطية الجاهزة يساعد كثيرا في كبح محاولات الطرف الآخر لاستنزاف طاقات المفاوض وارهاقه. ـ عدم تقمص شخصية السوبرمان او الرجل الخارق بحيث ينبغي تفادي المفاوضات المطولة والتي تستغرق الليل بأكمله حتى ولو كانت الصورة التي ارتسمت في مخيلاتنا عن المفاوض المتمرس والماهر هي ذلك الانسان معقود الحاجبين الذي يقضي الايام والليالي وهو يجادل واضعا امامه فنجانا للمتلئا بالقهوة دائما وأكواما من المستندات والوثائق فالمفاوضات في جوهرها ليست ماراثونا لاختبار القدرة على التحمل بل انها مناسبات تستهدف التوصل لاتفاقات محددة وحلول واضحة للمشكلات. ويمكن للمفاوض ان يطلب تأجيل بدء المفاوضات لعدة ساعات اذا شعر ان حالته الصحية ليست في افضل وضع لها نظرا لانه لا جدوى من الاقدام على شيء والانسان في اسوأ حالاته الصحية ان نتائج طلب التأجيل ستكون اقل خطورة بالتأكيد من ارتكاب خطأ فادح بسبب ضعف الحالة الصحية كما يفضل ايضا ان يحدد المفاوض وعلى نحو صارم موعد فترات تناول الوجبات وفترات الراحة ومحاولة اختبار هذه الفترات بطريقة تتناسب مع نمط حياته اليومية. ـ عدم الاستجابة للتجريح والتقزيع فهناك دائما بعض الاشخاص الذين يحاولن تحويل مسار تفكير الآخرين بالتلميح لبعض المسائل التي يدركون بأنها قد تثير الغضب ويطرحون اسئلة تهدف اساسا لاثارة الاطراف الآخرى وتلمس جوانب حساسة في حياتهم فعلى سبيل المثال قد يسأل احدهم (كيف حال الاولاد؟) )وهو يعلم تماما ان الطرف الآخر لم يشاهد اولاده خلال السنوات الخمس الماضية او قد يطلق عبارات مثل (ستتأخر مرة اخرى عن تناول وجبة العشاء) )وهو يعلن ان الطرف الآخر لم يتناول وجبة العشاء في مواعيدها طوال ايام الاسبوع السابق بل لن يقوم بانجاز اي شيء في ميعاده ايضا بسبب انهماكه في انجاز اعمال عاجلة ومهمة. ـ التركيز اذا يفضل قبل اي مفاوضات مهمة مهما كانت الظروف استثمار وقت كاف لتركيز الذهن والاعداد للمعركة التي توشك ان تقع ويستحسن اجراء تمرينات الاسترخاء والتأمل والتخيل لبرمجة اللاوعي وافضل وقت لاجراء هذه التمرينات هو ذلك الوقت يسبق مواعيد النوم او عند الاستيقاظ في الباح واذا وصل المفاوض الى اعلى مستويات صفاء الذهن فإن تأثير تصوراته وتخيلاته الذهنية سيكون كبيرا على اللاوعي. ـ تدليل الذات فالتدليل له فعل السحر في النفس البشرية ويعزز الثقة في الذات وعلى سبيل المثال اذا لزم على المفاوض ان يسافر الى مكان الطرف الآخر بالطائرة فيفضل له ان يحجز بالدرجة الأولى او درجة رجال الأعمال والنظر الى قيمة تذكرة السفر على اساس انه استثمار في المؤسسة او الهيئة ـ إن السفر المريح يقلل مخاطر الاصابة بالتعب والارهاق ويساعد على صفاء الذهن كما ان السفر بالدرجة الأولى يعزز الأنا والثقة بالنفس ويفضل عادة أن يخلد الانسان للراحة والاستجمام عند وصوله بدلاً من الذهاب مباشرة لقاعة المفاوضات. ـ الابتعاد عن الترفيه والترويح عن النفس بحيث يدرك المفاوض ان المناسبة التي يذهب اليها مناسبة مهمة يجب ان يحصر كل تفكيره فيها وهناك العديد من الفرص للترفيه والترويج عن النفس بعيداً عن هذه المناسبات أي المفاوضات لكن يجب التفكير جيداً قبل قبول الدعوات لتناول العشاء على ضوء الشموع والاستمتاع بأمسيات المدينة. ان مثل هذه الدعوات قد تكون جزءاً من استراتيجية الطرف الآخر لاستنزاف طاقات المفاوض (الضيف) الذي يظل ساهراً حتى الفجر في الوقت الذي يكون فيه الطرف الآخر مستغرقاً في نومه يحلم بالتهام الفريسة في الصباح التالي ويمكننا جميعاً ان نتخيل آثار تلك (السهرة) على الموقف التفاوضي للطرفين. ـ الأكل الجيد وهذا لايعني ان يعبىء المفاوض معدته بكل ما لذ وطاب فالإفراط في تناول الطعام لايعني بالضرورة ان المفاوض سيجري مفاوضات ناجحة كما لايمكن الاعتماد على الوجبات السريعة والسندويتشات فقط ولابد ان يتيح جدول المفاوضات فسحة من الوقت لتناول الوجبات في أجواء هادئة ولطيفة ومريحة للأعصاب كما ينبغي أيضاً عدم عقد جلسات تفاوضية بعد تناول وجبات دسمة لأن عملية الهضم تسبب النعاس وتقلل من القدرة على التركيز وإذا تعذر على المفاوض المشاركة في وضع جدول أعمال المفاوض المشاركة في وضع جدول أعمال المفاوضات وهو ما يحدث غالباً فيجب اتخاذ التدابير التالية: ـ تناول وجبات خفيفة تساعد على اليقظة والتنبيه وتفادي تناول الأطعمة التي يصعب هضمها وتناول الأطعمة البحرية والطيور بقدر المستطاع. ـ تأجيل موعد تناول الوجبات لحين الانتهاء من المناقشات والتوصل لاتفاق (اذا استغرقت المفاوضات يوم عمل كامل( والتمتع بتناول كل مالذ وطاب بعدها لأنه في اثناء المفاوضات يحتاج المفاوض لحشد كل طاقاته الذهنية وابقائها على درجة عالية من اليقظة واستنفار حاسته السادسة )الحدس( والتي تتأثر سلباً بالوجبات الدسمة. ـ محاولة الانتظار لمدة عشرين دقيقة بين تناول الطبق الرئيسي والحلوى وان أمكن يفضل عدم تناول الحلوى بتاتاً لأن السكريات تعقد عملية الهضم وتجعلها بطيئة لذا فإن قطعة واحدة من فطيرة لذيذة قد تكلف المفاوض غالياً في بعض الاحيان. ـ ممارسة الأنشطة الرياضية بشكل عادي ويجب ألا يجد المفاوض نفسه مضطراً لكسر نمط حياته اليومية وتغيير عاداته بفعل المفاوضات بل على العكس من ذلك فإن رياضات مثل الهرولة والسباحة تساعد المفاوض على الاحتفاظ بلياقته الجسدية والذهنية في أعلى مستوياتها. ـ التعقل وعدم التسرع بقبول الدعوات لتناول العشاء أو الغداء مثلاً بحجة انه مقام على شرف المفاوض فمثلاً إذا وصل المفاوض الى المدينة التي ستجرى فيها المفاوضات ليلاً وتقرر ان يبدأ الاعداد النهائي للمفاوضات صباح اليوم التالي وفجأة جاء من يدعوه لتناول العشاء بأحد المطاعم الراقية فماذا يتعين على هذا المفاوض ان يفعل؟ عليه ان يتعقل ويرفض الدعوة في تهذيب شديد بقدر المستطاع متعللاً بأن عليه ان يعمل طوال الليل للاعداد والتحضير لموقعة الغد بينما هو ينوي في واقع الأمر ان يخلد للراحة ويذهب في نوم عميق وفي الوقت نفسه يعبر عن سروره لقبول تلك الدعوة عند انتهاء المفاوضات وإذا لم تتم الدعوة للعشاء (على شرفه بعد ذلك( عندها فسوف يتأكد له ان الدعوة الأولى لم تكن سوى مصيدة نصبها له مضيفوه الكرماء. وان كانت الدعوة )حقيقية وضرورية ومغرية) فيجب عندها التأكد من ان كبير مفاوضي الطرف الآخر سيكون موجوداً وإذا تأكد للمفاوض ان كبير المفاوضين لن يحضر ذلك العشاء فعليه ان يدرك ان الدعوة ما هي إلا شرك كبير أما اذا لم يستطع المفاوض رفض الدعوة بتهذيب شديد أو إذا كان الطرف الآخر يصر بشدة على موقفه بدرجة يتعذر معها الرفض فيمكن عندها قبول الدعوة شريطة الالتزام بشروط تناول الطعام السابقة استناداً الى القانون الذي يقول (تناول وجبة خفيفة قبل وقت طويل من ذهابك الى النوم) .