يبدو أن ما تشكو منه أوروبا من ارتفاع أسعار البترول, هو سبب استمرار الإنتاج من حقول بترول بحر الشمال البريطانيةلا يزال الحديث يتواصل عن الشغل الشاغل للعالم بغربه وشرقه هذه الآونة. لا تزال جلبة اسعار البترول تشغل المجتمع الغربي وخاصة الدول الصناعية الكبرى فضلاً عن دول اخرى تتأثر ايضاً بارتفاع اسعار البترول, لكن لكل اسبابه ومبرراته لوجود المخاوف والهواجس. فقد تزايدت المخاوف من ان تزامن ارتفاع اسعار البترول وانخفاض سعر اليورو حيث حذرت الشركات من انخفاض ارباحها في ظل العاملين السلبيين القت شركة دوبونت للكيماويات باللوم كله على ارتفاع اسعار البترول في ارتفاع تكلفة عملياتها, وقالت ان انخفاض سعر اليورو من ناحية اخرى يخفض عائداتها. وقد انخفض سعر سهم الشركة بنسبة 11% في وول ستريت مما ادى ايضاً لخفض اسعار اسهم منافسيها حيث انتشرت المخاوف في قطاع المنتجات الكيماوية بكامله بسبب فكي الكلابة, ارتفاع البترول وانخفاض اليورو. وانخفضت ايضا اسهم شركة داوكيميكال 5.7% وأي سي.أي البريطانية وباسف الالمانية ومواطنتها باير بنسبة 5.2%. وحذرت ايضا مجموعة الكتريكال انفسيز من ان ارباحها سوف تتهاوي وارجعت ذلك إلى انخفاض سعر اليورو وركود اسواق السلع الرأسمالية وبداية الانخفاض في قطاع الاسكان الامريكي. ويقول جريفورجر يثام خبير الاستراتيجيات الاقتصادية في ميريل لينش انه يخشى ان يؤدى ارتفاع اسعار البترول إلى كساد اقتصادي اكبر من المتوقع. ويقول بيتر اوبنهايمر الخبير الاقتصادي في البنك البريطاني اتش.إس.بي.سي يحتمل ان يؤدى ارتفاع اسعار البترول إلى رفع اسعار الفائدة في اوروبا, مما يسبب ركوداً اقتصادياً ويطلق مزيداً من تحذيرات انخفاض الارباح للشركات. ويبلغ سعر خام برنت حالياً 5.34 دولاراً للبرميل وهو مستوى قياسي لم يصل من قبل. لكن السعر انخفض إلى 95.33 دولاراً للبرميل على خلفية تطمينات من السعودية بشأن رفع انتاج البترول من خلال منظمة اوبك. وتعاني اليورو من ادنى مستوى بلغه حتى الآن حيث ابدى المستثمرون بعض الحذر قبيل اجتماع وزراء المالية الاوروبيين. ولا يزال بعض التجار قلقين من امكانية تدخل البنوك المركزية لدعم العملة الاوروبية الموحدة. نمو الارباح في الميزان كان نمو الأرباح في الشركات الامريكية والاوروبية مرتفعاً خلال العام الجاري بفضل قوة النمو الاقتصادي خلال النصف الاول من العام. لكن علامات بطء ظهرت خلال الاسابيع القليلة الماضية في الولايات المتحدة وبريطانيا خاصة قطاع الصناعات التحويلية, في الوقت الذي اثبت مؤشر انفو الالماني انخفاض معدل الثقة في الاعمال التجارية. وقد ادى ارتفاع اسعار البترول إلى رفع تكلفة الشركات في قطاعي الكيماويات والنقل, في الوقت الذي دفع فيه ايضا البنوك المركزية إلى رفع اسعار الفائدة للوقاية ضد اخطار التضخم وضغوطه. وفي الوقت الذي يعزز فيه اليورو )المنخفض( من فرص الصادرات فهو يعقد مشكلة اسعار المواد الخام لان البترول وسلعاً اخرى مقيمة بالدولار الامريكي, ويزيد ذلك من ضغوط التضخم في دول منطقة اليورو. وقد رفع البنك المركزي الاوروبي اسعار الفائدة مؤخراً وتركها كل من البنك الامريكي والبنك البريطاني دون تغير في آخر اجتماعاتهم. وقالت شركة دوبونت في الولايات المتحدة ان تضافر عاملي ارتفاع اسعار البترول وانخفاض اليورو سوف يكلف الشركة اكثر من مليار دولار منقوصاً من حجم الارباح قبل خصم الضرائب. ارتفاع الاسعار نعمة على بحر الشمال كان من المتوقع بالنسبة لحقول بحر الشمال ان تتوقف عن الانتاج نتيجة انخفاض انتاجها بعد الاستهلاك لفترة طويلة. لكنه يبدو ان مصائب قوم عند قوم فوائد. في الوقت الذي يشكو فيه العالم الغربي بصفة عامة واوروبا بصفة خاصة من ارتفاع اسعار البترول, وتزامنها مع انخفاض سعر اليورو, فإن ارتفاع اسعار البترول يجعل من استمرار الانتاج من حقول بحر الشمال عملية مربحة اقتصادياً وتجارياً. ولم يكن يتوقع الخبراء ان تكون حقول بحر الشمال بهذه القوة بعد مرور 25 عاماً على بدء الانتاج فيها. فقد اتفق غالبية الخبراء على ان الانتاج سوف يتوقف بحلول نهاية القرن العشرين اي في السنين الجارية. وقد قدمت حقول بحر الشمال ما ينبغي عليها واكثر حيث درت 90 مليار استرليني (5.130 مليار دولار امريكي) ووفرت 330 الف وظيفة حتى الآن واذا توقفت ابار البترول والغاز عن الانتاج في الوقت الحالي لن يكون في ذلك غضاضة. كان هذا الرأي سائداً حتى 18 شهراً مضت, وادى انخفاض اسعار البترول آنذاك إلى نحو 9 دولارات للبرميل إلى ان تتوقع الشركات العاملة في بحر الشمال انخفاض الاستثمارات بنسبة 50% في قطاع البترول البريطاني بحلول عام 2002. لكن الارتفاع الهائل في اسعار البترول ليتخطى مستوى 30 دولاراً للبرميل, اضافة إلى جهود رفع الكفاءة وخفض تكلفة الانتاج قد ضخت دماء جديدة في عروق آبار بحر الشمال وقطاع البترول البريطاني. وقالت شركة شل الملكية الهولندية وهي مجموعة بترول بريطانية هولندية ان بريطانيا اصبحت من اكثر مناطق الاستثمار جذباً وسوف ترى ارتفاعاً بنسبة 50% في الانفاق الاستثماري خلال العام الجاري. وتلى ذلك اعلان شركة اموكو البريطانية للبترول انها تعد لاستغلال حقل كلير اكبر حقول البترول البريطانية التي تحتاج إلى تطوير, الذي تم اكتشافه من 20 سنة او اكثر ولم يتم تنميته حتى الآن. وقال سيرجون براون رئيس اموكو التنفيذي ان هدفها ليس الاحتفاظ بنفس مستوى الانتاج الحالي فقط برغم انخفاض الارباح من بعض الحقول لكن رفع مستويات الانتاج ايضا. وقد اضطرت صناعة البترول البريطانية خلال الاعوام القليلة الماضية إلى تطوير تكنولوجيا جديدة لاستغلال جيوب بترولية صغيرة وذلك خوفاً من توقفها عن الانتاج وتوقف الصناعة بكاملها. وادى التعاون بين الحكومة وشركات البترول لانشاء مؤسسة بيلوت المسئولة عن تنمية صناعة البترول إلى خفض تكلفة العثور على ازدياد الانتاج منها. وتتكلف وحدة الانتاج لشركة شل حالياً نصف تكلفة الانتاج التي كانت عليها من عشر سنوات برغم ان ظروف التشغيل اصبحت اكثر صعوبة. ويعتقد بعض الخبراء في صناعة البترول انه لا يزال من الممكن استخراج 36 مليار برميل من البترول والغاز من حقول بحر الشمال, مقارنة بـ 26 مليار برميل تم انتاجها بالفعل, اذا كانت الظروف الاقتصادية مواتية. غير ان آخرين يقولون ان الاساسيات في بحر الشمال لم تتغير, وان تكلفة الانتاج في بريطانيا سوف تظل دائماً مرتفعة مقارنة بأماكن مثل انجولا اونيجيريا. ويقول سيرايان وود رئيس مجموعة وود احدى اكبر شركات المقاولات البحرية في بريطانيا ان ارتفاع الاستثمارات هو وسيلة صناعة البترول لاقناع الوزراء بعدم رفع الضرائب على المنتجين مع خفض الضرائب على المستهلكين للوقود. ويقول ايان وود ان الرسالة التي نريد ان نوجهها للحكومة هي ان تتجه إلى الجانب المالي لأن الميزة الاساسية للعمل في القطاع في بريطانيا هي الاستقرار الاقتصادي والسياسي. والثقة في مدينة ابردين الاسكتلندية معقل صناعة البترول لا تزال كما هي منذ اكثر من عام مهما كانت الدوافع لزيادة الانفاق الاستثماري وفق ما قالته اماندا هارفي الرئيس التنفيذي لغرفة تجارة ابردين لكنها تقول انه في الوقت الذي يحتمل ان ترتفع فيه الاستثمارات, قد يكون اثرها على الوظائف محدوداً في ظل اتجاه القطاع إلى بذل اقصى ما يمكن من اجل خفض التكلفة ورفع الكفاءة. وقالت انهم لاحظوا ان الفترة العصبية التي مروا بها من عام اصبحت ماضياً, لكن لا ينبغي ان ننخدع بأن هذه قد تكون فترة طفرة طويلة. اعداد: أشرف رفيق