اتخذت مواجهات الانتخابات الرئاسية الامريكية خلال الاسبوع الأخير (منعطفاً نفطياً) ـ ان جاز التعبير ـ بعد ان ازاحت قضية البترول واسعاره وامداداته ما عداها من قضايا داخلية أمريكية, عن بقعة الضوء في مركز حلبة المباراة الراهنة بين جورج بوش وآل جور. ففي البداية جاءت قضية اخراج كمية من الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي ـ على تفاهتها ـ لتدشن هذه الانعطافة في مناظرات المرشحين الرئيسيين, ثم تداعى الحديث بعد ذلك الى وجود ـ أو غياب ـ حسب المعسكر الذي يقف فيه المرشح ـ استراتيجية بترولية للادارة الحالية. وفي نهاية المطاف وصل الأمر الى ذلك (السر العلني) الذي يشغل اهتمام الجميع ـ في صمت ـ وخاصة شركات النفط الامريكية الكبيرة.. وصل الامر الى مربط الفرس, اي الى تلك المناطق النائية من ولاية أمريكية نائية ـ هي آلاسكا ـ التي تسمى الجرف القاري (آركاتيكا) والتي تتضمن احد أكبر مخزونات النفط الطبيعية في العالم. فالاحتياطي المؤكد في تلك المناطق يقدر بنحو 150 مليار برميل من الخام, و60 تريليون قدم مكعب من الغاز, أما ما لم يكتشف بعد, فقد يزيد عن ذلك كثيراً. كان جورج بوش هو الذي بدأ بالضغط على هذا (الزر) الحساس فقد عرض المرشح الجمهوري استراتيجية نفطية مقترحة تتضمن 23 بنداً, وبين هذه البنود القى بوش بقنبلته الصغيرة قائلاً: على السلطات الفيدرالية ان تسمح بعمليات التنقيب والاستخراج في 5.1 مليون هكتار من مجمل المساحة التي قررت من قبل تحويلها الى محمية بيئية لايجوز فيها البحث عن البترول, والتي تبلغ 19 مليون هكتار. ان السماح بعمليات التنقيب والاستخراج التي تتحمل في نفس الوقت مسئولية الحفاظ على البيئة هو أمر ممكن عملياً. ان آل جور يقول ان الافضل لنا حماية البيئة من ان نستخرج النفط, إلا ان هذه مداخلة مزيفة, فبوسعنا ان نفعل الامرين معاً. بوسعنا ان ندخل, وان نستخرج النفط, وان نغادر تاركين فقط آثار اقدامنا. ان من ينتقدون زيادة التنقيب والانتاج يتجاهلون التقدم التكنولوجي الهائل الذي تحقق خلال السنوات العشر الاخيرة والذي ادى الى التخفيض بصورة درامية من تأثير عمليات استكشاف واستخراج النفط والغاز على البيئة) . وعدد بوش الارقام الرسمية التي تشير الى ان المنطقة المحصورة في مجرد 5.1 مليون هكتار تتضمن 35% من احتياطي النفط المؤكد في الولايات المتحدة, ثم أضاف بعض العبارات التي تعيد تذكيرنا بأن مانراه ليس مناظرة علمية أو اقتصادية, وانما هي اساساً مواجهة انتخابية, فقد قال لمستمعيه (ان ما يمكن لنا استخراجه من نفط من تلك المنطقة يمكن ان يعوضنا عما نستورده حالياً من نفط عراقي) . فحيث ان صدام حسين يحظى بكراهية عميقة في صفوف شرائح واسعة من الامريكيين, فلا بأس من ربط اقتراح نفطي حول منطقة في آلاسكا باسمه. ولكن بوش استخدم وسيلة اقناع اخرى ـ أكثر صلة بالحياة اليومية للأمريكيين ـ حين قال ان الحكومة تحصل من شركات النفط على حقوق امتياز تؤخذ منها مقابل حقها في التنقيب والانتاج, وانه ينوي توجيه حقوق الامتياز هذه الى برنامج فيدرالي يسمى (دعم نفقات الطاقة في المنازل ذات الدخل المنخفض) . واوضح ان ذلك قد يضيف نحو المليار دولار لهذا البرنامج بالاضافة الى 155 مليون دولار كان ينوي اصلاً توجيهها لذلك الصندوق الاتحادي. ولمخاطبة الامريكيين الذين يطالبون بالبحث عن مصادر طاقة بديلة قال بوش (فضلاً عن هذا فسوف نأخذ 2.1 مليار دولار من خصومات العقود التي ستمنح للشركات بعد فتح تلك المنطقة لها كي نخصصها لأبحاث الطاقة البديلة) . وواقع الحال ان اقتراح جورج بوش يبدو مقنعا ولكن فقط لمن هم خارج الولايات المتحدة. لاسباب كون الاقتراح اقتراحاً مقنعا فإنه يرجع الى ان الولايات المتحدة تواجه بالفعل ازمة طاقة صامتة, لا تتعلق فحسب بالفلوس, ولكنها تتعلق اساسا بأوضاع امنها القومي. ذلك ان الواردات الامريكية من الخام قد تصل في شهر اكتوبر الحالي الى 11 مليون برميل يوميا. ويعني ذلك ان ما تدفعه مقابل فاتورتها النفطية هذه يتجاوز 120 مليار دولار كل عام بحساب ان سعر البرميل الآن هو نحو 30 دولاراً. وليس في هذا العالم كرماء كثيرون الى حد دفع 120 مليار دولار دون البحث عن سبل لتوفيرها. اما اذا كانت هذه السبل تقع تحت قدمي من يدفع طن الفلوس هذا, فلابد انه سيشعر بالغضب ـ على الاقل ـ اذا ما منعه احد من طرق تلك السبل. وبوسع الولايات المتحدة ان تخفف من هذا الوزن الثقيل لفاتورتها النفطية ان هي حفرت ـ في ارضها ـ واستخرجت ـ من ارضها ـ مالديها بالفعل من نفط وغاز. فضلا عن هذا فإن تكنولوجيا استخراج النفط قد تطورت كثيرا بالفعل. ولا يعني ذلك ان استخراج النفط من آركاتيكا لن يخلف إلا (أثار اقدام) الفنيين الذين استخرجوه بعد ان يرحلوا, انه يترك قدرا من التلوث, ولكنه قدر يمكن معالجته بعد ذلك, ثم انه لا يعادل الفوائد المتحققة من استخراج هذه الثروات الضرورية للمساعدة على تعميق وتوسعة القفزة الكبيرة التي يحققها الاقتصاد الامريكي في هذه المرحلة. فضلا عن هذا فإن ارتهان الولايات المتحدة لخارطة مصادر النفط العالمية لا يصب في قناة مصلحتها الاستراتيجية. ان ذلك يدعوها للزج بنفسها في قضايا قد تكون بالغة التفاهة, ولكن لمجرد انها تتعلق بالطاقة, فإنها تصبح من اولويات السياسة الخارجية الامريكية.. ان المرء لو نظر من زاوية النظر نفسها التي رأى منها جورج بوش الامر لوجد نقاطا منطقية كثيرة في اقتراحه. ولكن المشكلة التي اغفلها المرشح الجمهوري تتلخص في ان آل جور ردد كثيرا من قبل ان (جورج بوش هو رجل شركات النفط العملاقة) . الارقام تقول ان هذه الشركات دعمت ايضا الحملة الرئاسية الديمقراطية, اي ان آل جور ليس بريئا تماما ما يتهم به خصمه. ولكن المحصلة النهائية ان تصورا محددا علق في قاع رأس الناخب الامريكي, ذلك هو ان جورج بوش (يمثل) شركات النفط الكبرى. وحين يأتي بوش ـ على هذه الخلفية ـ ليطرح اقتراحا قد يكون قابلا للنقاش من الزاوية الموضوعية المجردة, فإنه يبدو وكأنه يعزز ما ردده جور من اتهامات, حتى ليبدو وكأنه المرشح الديمقراطي سيخرج على الناخبين الذين انصتوا تواً لاقتراحات بوش قائلا (الم اقل لكم؟) .. الم اقل لكم انه مرشح شركات النفط؟ الم يقل لكم انه لا يحفل بالبيئة او بالتلوث.. بالاشجار والطيور والجداول والحقول؟) .. الى ما ذلك من عبارات.. ثم ان الانتخابات في الولايات المتحدة ليست دائما محفلا لأي حديث موضوعي عاقل.. المرشحون يلتقطون اطراف الكلمات فحسب, ويقدمون وعوداً بالجملة فحسب, ويهاجمون ما يقوله الخصوم بصرف النظر عن وجاهته او عن صلته بأية مصلحة قومية. فلماذا يصر المرشح الجمهوري على ان يطأ ارضا زرعها خصمه بالالغام ـ اي ارض (عمالة) بوش لشركات النفط ـ بأن يقدم اقتراحا مفصلا يتعلق بآلاسكا؟ الم يكن من الافضل صياغة ذلك في عبارات عامة من قبيل تطوير الموارد الذاتية للولايات المتحدة من الطاقة.. مثلا؟ فضلا عن هذا كله فإن اقتراح بوش ـ الذي يقبل النقاش في سياقات اقتصادية واستراتيجية ـ لا يمكن ان (يعوم) خلال حملة انتخابية في الولايات المتحدة. ذلك ان (لوبي) الحفاظ على البيئة قد تمكن من خلق (ثقافة) كاملة سمتها الاساسية تنقسم الى قسمين؟ الأول هو المبالغة المفرطة, والثاني هو ذلك النمط الأبله من الرومانسية الذي نجده لدى بعض فرق المتعصبين لحماية البيئة. من الضروري ـ اولاً ـ حماية البيئة بكل السبل التي بوسعنا ان نحميها بها, شرط الا يعني ذلك العودة بالانسان إلى العصر الحجري. السيارات تلوث البيئة, وافضل طرق للتخلص من هذا التلوث هو التخلص من تلك السيارات نفسها. وكذا محطات توليد الكهرباء, والمصانع, وكل شيء ربما, ان ما يحدث في الولايات المتحدة هو ـ باختصار ـ محاولة لعرقلة التطور بدعوى حماية البيئة. ولننصت إلى الاعتراضات التي واجهت جورج بوش في اقتراحاته كي نحكم بانفسنا. اول من تصدى للرد على المرشح الجمهوري كان دانييل وايس المدير السياسي لاحدى مكونات لوبي البيئة, وهو مكون يدعى (نادي سييرا) فقد قال وايس (ان أقل قدر من الحفر والتنقيب في آركاتيكا سيؤدي إلى الاضرار بعجائب الطبيعة هناك بواسطة المخلفات النفطية.. ان الطيور المهاجرة لن تتردد على تلك المنطقة حين تملأها معدات الحفر) . المسألة اذن هي الطيور المهاجرة.. والحيوانات البرية, والاشجار, وجداول المياه بخريرها العذب.. وقائمة من المفردات المشابهة. ان كل ذلك شىء رائع, ولكن الانسان تعلم منذ البداية ان يتفاعل مع الطبيعة وان يستخرج منها الخيرات. انه مخلوق اسمى, ويعني ذلك ان احتياجاته تسبق احتياجات الطيور المهاجرة والوحول البرية, والا تحتم علينا الا نصطاد سمكة واحدة لان ذلك يخل بالتوازن البيئي للمحيطات. يطمح الانسان إلى الخروج من ضغط الحياة اليومية, ويقوده طموحه هذا ـ كحلم داخلي دائم ـ إلى اسباغ رومانسية ذاتية على كل ما هو مختلف عن (ضغط الحياة اليومية) هذا, بل انه يقوده احياناً إلى معاداة التقدم. فقد غنى احدهم ذات يوم (محلاها عيشة الفلاح) , ولكنه رفض مع ذلك ان يعيش مثله, وكان بوسعه ان يعيش كالفلاحين, فلن يمنعه احد, ولكنه آثر غير ذلك. هناك نقطة ما تحافظ على تقدم الانسان ـ تقنياً وحضارياً ـ وتحافظ على البيئة في الوقت ذاته, وهو بالضبط ما كان جورج بوش ـ سىء الحظ ربما ـ يحاول شرحه. الا ان المنطق لابد ان يضيع في لحظة لا تقترح اية مقارعة بالمنطق. ولنعد إلى ما فعله آل جور باقتراح جورج بوش فهذا الاقرب إلى سياق مابدأنا به. في البداية قال جور ما كان متوقعاً ان يقول.. ذلك هو ان بوش رجل شركات النفط. ثم تقدم من ذلك إلى محاولة اثبات ان سياسة بوش (سيئة لاستراتيجيتنا في مجال الطاقة, وسيئة لجمهورنا في حماية البيئة, فمنطقة آركاتيكا هي منطقة بالغة الحساسية, وهي هشة من الوجهة البيئية. ثم ان مقترحات حاكم ولاية تكساس لن تخفض اسعار الطاقة في اللحظة الراهنة. ان ملايين الامريكيين يتطلعون للشتاء بقلق, فاسعار زيوت التدفئة مرتفعة, وفيما اقترحت أنا اخراج قدر من الاحتياطي الاستراتيجي للتخفيف عن هذه العائلات, فإن السيد جورج بوش عارض الاقتراح ليقدم لنا برنامجاً ليس من شأنه خفض الاعباء التي تنتظر العائلات الامريكية هذا الشتاء. لقد وجه لي نقداً حاراً, وبوسعي ان اتحمل أنا هذه الحرارة, بدلاً من ان يفتقدها المواطن الامريكي في الشتاء البارد المقبل) . وهو بطبيعة الحال كلام انتخابي من الطراز الاول, لا علاقة له باستراتيجية طاقة, او بمستقبل امدادات, او بهذه القضايا التي تعني المصالح بعيدة المدى للولايات المتحدة. مقابل ذلك اقترح جورج منح 6000 دولار لكل اسرة تشتري سيارة من السيارات ذات الاستهلاك المحدود من الوقود, وبعض الاعفاءات الضريبية لهذه العائلات ان هي اشترت اجهزة منزلية محدودة في استهلاكها للطاقة! كان هذا ما اقترحه حرفياً نائب الرئيس. اما الجزء ذو المعنى في اقتراحات جور فإنه جاء بعد ذلك, حيث اشار نائب الرئيس إلى ضرورة زيادة الاستثمارات في انشاء خطوط (خفيفة) للنقل بالسكك الحديدية, ولتصميم (باصات) اقل تلويثاً للبيئة ولاقامة شبكة من خطوط نقل الركاب بالقطارات ذات السرعة العالية (على الطراز الفرنسي ربما). ثم اردف جور هذا الحديث المثير للاهتمام باضافة مثيرة للاهتمام هي الاخرى, فقد تعهد بزيادة الاستثمار في برنامج اختراعات الشركات الصغيرة وبرنامج تطوير التقنية المتقدمة وذلك بهدف انتاج تكنولوجيا حديثة صديقة للبيئة. ثم انه اقترح مضاعفة الاعفاءات الضريبية لمن يولدون الكهرباء عن طريق طاقة الرياح. ان هذه المبارزات بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري لن تسفر عن بلورة استراتيجية عملية للطاقة في الولايات المتحدة, بل انها لا تفيد المحاولات اللاحقة لبلورة مثل هذه الاستراتيجية التي لا توضع اصلاً في سياق معركة انتخابية. انها توضع عادة في مناخ جاد يخلو من المزايدات. وليس هذا بمناخ معركة انتخابية. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز