أثارت تقارير المؤسسات الدولية الاقتصادية التي وجهت انتقادات حادة لمؤشرات أداء الاقتصاد المصري قلقا بالغا في الأوساط الاقتصادية المصرية الرسمية وغير الرسمية, لاسيما وأن هذه التقارير التي شككت في فعالية معظم أدوات ومؤشرات الاقتصاد المصري جاءت في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تجاوز مشاكل اقتصادية خطيرة في مقدمتها نقص السيولة وتذبذب أسعار الصرف وعدم استقرارها منذ حوالي عام, بالإضافة إلي تعثر العملاء في سداد مديونياتهم المستحقة للبنوك, وهروب بعض رجال الأعمال بأموال طائلة علاوة على تراجع أداء البورصة وفشل كل المحاولات الرامية لتحريك السوق لتجاوز حالة الكساد التي سيطرت عليه منذ عدة أشهر. وكان تقرير مؤسسة ستاندارد أندبورز الذي كشف عن تراجع الاقتصاد المصري من درجة (الاستقرار) إلىدرجة )السلبية( أكثر التقارير التي أثارت جدلا وردود أفعال داخل الحكومة المصرية وفي مجتمع رجال الأعمال والبنوك والبورصة. حيث تضمن التقرير اتهامات حادة ومباشرة للاقتصاد المصري وأورد أنه يفتقد إلي مرونة السياسة المالية. يعاني من بطء الإصلاحات الهيكلية .. كما أبدت المؤسسة الأمريكية من خلال تقريرها السنوي تخوفها من زياد عجز الموازنة المصرية للعام المالي الحالي )200 ـ 2001( الأمر الذي قد يؤثر سلبا عن الاستثمارات الوافدة ويطيل أمد معاناة الاقتصاد المصري من مشاكل نقص السيولة والركود وتراجع حصيلة النقد الأجنبي. مخاوف من التقارير وأ بدى خبراء اقتصاد مخاوفهم حيال التقرير الذي منحته المؤسسة للاقتصاد المصري الذي يعني أن مصر تقع في آخر هذه القائمة. وأن الاقتصاد المصري بوضعه الراهن لدية القدرة الكافية علي سداد الأصل والفوائد ولكن إذا حدثت ظروف اقتصادية معاكسة أو تغيير في الظروف فإن ذلك يؤدي إلى قدرة ضعيفة على الوفاء بالالتزامات. كما أوضحوا أن التحليل المستقبلي للمؤسسة يشير إلي احتمالات انتقال مصر من درجة الاستثمار إلي المضاربة الأمر الذي يعني إحجام المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في مصر وبالتالي تراجع أداء سوق الإدارة المالية. تأثر الاستثمار الأجنبي ويؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن تقرير ستاندارد أنديورز أشاد فقط بالتزام الحكومة المصرية بالالتزام بالحد من عجز الموازنة العامة للدولة في حدود 1% من الناتج الإجمالي القومي فيما عدا ذلك فقد أبدى قلقة من انخفاض مستوى دخل الفرد في مصر, وارتفاع الديون الحكومية وانخفاض معدلات الادخار والاستثمار. وتركز إيرادات الصادرات في البترول والسياحة والتحويلات بالإضافة لضعف البنية الأساسية. وأشار إلى أن تقارير المؤسسات الدولية تؤثر علي تدفق الاستثمارات الأجنبي وعلي أداء سوق الأوراق المالية التي انخفضت بالفعل حوالي 12 بنطا عقب صدور تقرير ستاندارد أندبورز. متوقعا أن يمتد تأثر الاقتصاد المصري بما جاء في هذا التقرير وتقارير أخرى حتى نهاية العام الحالي. وشدد على أن الأمر يتطلب من الحكومة المصرية العمل بجدية لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية الفترة المقبلة واتخاذ إجراءات من شأنها ضبط أداء السياسات النقدية والسيطرة على المديونية وتغطية كوارد الدولة الحقيقية والحفاظ علي حصيلة النقد الأجنبي وتصدير المخزون السلعي الراكد البالغ نحو 5 مليارات جنيه وترشيد الاستيراد الذي تجاوز 17 مليار دولار. وكذلك تنشيط الاستثمار الأجنبي المباشر ليس فقط بمنح مزايا إضافية وإنما بإزالة المعوقات الإدارية. مشيرا إلي ضرورة إعلان الحكومة عن الضوابط الجديدة في الجهاز المصرفي لمنع تكرار نهب الأموال كما حدث في قضية نواب القروض للقضاء على الانحرافات وأيضا التصدي للانحرافات في البورصة. وحذر الدكتور رشاد عبده مدير بنك مصر أمريكا الدولي من تداعيات موقف المؤسسات المالية الدولية السلبي من الاقتصاد المصري على حصيلة الاستثمارات الوافدة والتي يجب تعظيمها. موضحا أن المستثمر الأجنبي يعتمد قبل اتخاذ قرار الاستثمار في مصر علي مراكز الأبحاث والمؤسسات المالية المعروفة للتأكد من استقرار الأوضاع داخل الاقتصاد المصري. مؤكداً أن الاقتصاد المصري في الآونة الأخيرة يعاني من أزمات عديدة أبرزها تراجع السيولة المحلية وإفلاس الشركات وضعف الائتمان في البنوك الناتج من أزمة السيولة فضلا عن الركود والكساد .. هي مشاكل معروفة حتى في الخارج ويجب أن نتعامل معها بالشفافية المطلوبة حتى لا نفقد ثقة الجميع وتهرب الاستثمارات مرة أخرى من مصر. وأضاف أن تقرير مؤسسة ستاندارد أندبورز هو الوحيد الذي انتقد أداء الاقتصاد المصري حيث سبق أن أصدرت الأمم المتحدة تقريرها للتنمية البشرية ووضعت مصر في المرتبة )119(, كما كشف تقرير آخر لوكالة طومسون فاينانشيال بنك ووتش الدولية عن ثغرات عديدة في مؤشرات الاقتصاد المصري المختلفة .. فيما أكد تقرير مؤسسة ميريل لينش تعرض الاقتصاد المصري لـ 3 صدمات متتالية أثرت إلى أدائه منها ترابح أسعار النفط مشيرا على أنه في مقابل أنتقادات تلك التقارير روجت الحكومة لتقارير أخرى مقدمتها تقرير مؤسسة دايو رصدت ايجابيات عديدة فى الاقتصاد المصرى كاستمرار نمو الناتج المحلى بنحو 3.4% وانخفاض نسبة التضخم الى حوالى 3%, والسيطر ة على عجز الموازنة في حدود 1%, وزيادة الاستثمارات الاجنبية المباشرة بنحو 400 مليون دولار, وتنفيذ برنامج ناجح للخصخصة. اعتراف رسمى وفي تعليقها الرسمى على تقرير مؤسسة استاندارد أند بوزر أكدت الحكومة المصرية على لسان وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور يوسف بطرس غالى أن جميع التحليلات والبيانات الواردة فى تقرير المؤسسة لم تكن مفاجأة, وأن الاقتصاد المصرى كغيره ألمت به بعض المؤشرات السلبية خلال الفترة الماضية التى استخلص منها التقرير نتائجه غير ان هذه المؤشرات والبيانات لم تعد قائمة منذ شهر مارس الماضى حيث نجحت الحكومة فى معالجة هذه الأمور وأعادت المؤشرات الى مسارها الايجابى. وأوضحت الحكومة أن تقرير مؤسسة ستانداندبورز صدر بناء على زيارات الخبراء المؤسسة تمت فى مارس وابريل الماضيين وبالتالى اعتمدت على بيانات صدرت فى يناير الماضى, ومن ثم لم تكن الحكومة قد اتخذت بعد سياسات التصحيح لبعض الأوضاع كمشكلة نقص السيولة, وبالتالى لم يراع التقرير الاجراءات التصحيحية فما قامت بها الحكومة وفى مقدمتها سداد المديونيات الحكومية. وفى معرض الرد على ماجاء فى تقارير المؤسسات المالية أوضح الدكتور محمود محيى الدين مستشار وزير الاقتصاد المصرى أن أى اقتصاد يعتمد على آليات السوق, وعلى وجود سياسات اقتصادية يكون للقطاع الخاص دور أساسى فيها يجب ان يرتفع أداؤه وينخفض حسب متغيرات السوق, وان وجود عقبات تعترض الاقتصاد المصرى يعد أمرا طبيعيا لأى اقتصاد ناشئ. البورصة ورغم عدم تأثر الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة والوافدة لمصر بما ورد فى التقارير الا ان البورصة المصرية شهدت مع صدورها تراجع بنحو 5 نقاط قبل أن ترتفع في اليومين التاليين بنحو 12 نقطة خاصة مع صدور تقرير مؤسسة ميريل لينش الدولية, وكذلك الاعلان عن بيع الحصص المتبقية فى 36 شرقاً تابعة لقطاع الأعمال العام. وحسبما ورد فى بيان صادر عن هيئة سوق المال المصرية فإن اجمالى كمية الاسهم المتداولة في البورصة الشهر الماضى بلغت 9.49 مليون سهم منها 1.13% للأجانب بصفة بائع مقابل 27% كمشتر. وأشار الى ان اجمالى قيمة الأسهم المتداولة بلغت 4.2 مليار جنيه استحوذ الأجانب منها على 2.36% بواقع 9.12% بصفة بائع مقارنة بنحو 3.23% كمشتر. وأوضح البيان أن عدد الصفقات المنفذة خلال الشهر الماضى تجاوز 76 ألف صفقة بيع وشراء نفذ المستثمرون الأجانب منها 3.9% بصفة بائع وحوالى 10% بصفة مشتر. ولاحظ بيان هيئة سوق المال المصرفي أن تعاملات الأجانب غلب عليها الطابع الشرائي كما نبه متعاملون فى البورصة الى ان صعود حجم تعاملات الأجانب الشرائية رد فعل لتراجع الأسعار بشكل واضح. رفض مصرفى ومن جهتها رفضت البنوك المصرية الانتقادات التى وجهها تقرير )استاندارد أند بورز( للسياسات النقدية مؤكدة سلامة تلك السياسات واستجابتها لحالة السوق وآليات العرض والطلب الأمر الذى انعكس على استقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه. ونفى البنك المركزى من جانبه وجود اتجاه لخفض قيمة الجنيه واصفا مايحدث فى سوق الدولار بانه رد فعل طبيعى لحالة السوق. كما أكدت البنوك انخفاض الطلب لديها على الدولار الى النصف تقريبا. وان أى تحريك يطرأ على سعر الصرف بين العملتين يبقى فى الحدود والآمنة. ودافع البنك المركزى المصرى عن سياساته النقدية خاصة فيما يتعلق بأسعار الصرف والفائدة ووصف هذه السياسات بانها مرنة وسليمة وتتتفق مع آ ليات السوق. وتوقع خبراء مصرفيون أن يؤدى استمرار التحسن الذى طرأ مؤخرا على معظم مؤشرات الاداء الاقتصادى إلى ارتفاع عائدات البترول والسياحة وتزايد معدلات تحويل العاملين بالخارج الى نتائج ايجابية بشأن وضع احتياطى العملات الاجنبية لدى البنك المركزى كما حدث فى السنوات السابقة ليعيد وضع الاحتياطى الى الفائض فوق حدود الأمان بعد أن لجأ الى السحب منه لمواجهة الطلب على الدولار خلال الأشهر الماضية. ولتطويق أثار تقارير المؤسسات الدولية الاقتصادية على الاقتصاد المصرى قررت الحكومة ايفاد وزراء المجموعة الاقتصادية الى مواقع أسواق المالى الدولية لعرض أوضاع الاقتصاد المصرى وتصحيح بعض مايرد فى هذه التقارير وتوضيح الاجراءات التى تتخذها الحكومة لمعالجة بعض السلبيات التى تطرأ بين الحين والآخر حسب متغيرات السوق حيث تقرر أن يزور وزير المالية الدكتور مدحت حسانين بوسطن ونيويورك وواشنطن بينما يتوجه الدكتور يوسف بطرس غالى وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية والدكتور مختار خطاب وزير قطاع الأعمال العام الى أسواق المال في فرانكفورت ولندن وباريس وبروكسل. القاهرة ـ يوسف شاكر