أكد تقرير اقتصادي صدر في الكويت أمس ان التطورات الأخيرة التي شهدتها أسعار النفط وان كانت لا ترقى الى مستوى الصدمة التي سببها ارتفاع الاسعار عام 1973 إلا ان توزيع المسئولية بين المنتجين والمستهلكين, كان من أبرز الايجابيات الناتجة عن تلك التطورات. جاء ذلك في تقرير (الشال) الاسبوعي الذي يصدره الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون, اشار فيه أيضاً الى التهديدات التي أطلقها الرئيس العراقي صدام حسين ساهمت في ان تكون النتائج التي شهدتها أسعار النفط قد جاءت في عكس ما كان يتوخاه المنتجون عندما قرروا رفع انتاجهم. واشار التقرير الى ان الوقت وتطورات الاحداث وخلافات أوبك السياسية واجتماع أوبك الوزاري في بدايات سبتمبر الجاري عمل على التقليل بشكل كبير من أهمية اجتماع قمة اوبك في كراكاس والتي قام الرئيس الفنزويلي بجهود حثيثة لضمان انعقادها. فالوقت وتتابع الأحداث في الدول الأوروبية المستهلكة للنفط والتي واجهت لأول مرة لوماً رئيسياً من قبل شعوبها لدور حكوماتها المتعاقبة في المستوى الذي بلغته أسعار النفط, قد خفف كثيراً من الشعور بالخوف أو بالذنب من قبل الكثير من الدول المنتجة للنفط. فاضرابات فرنسا ولاحقا بريطانيا والمانيا وغيرها والتي ساهمت في معرفة حقيقة تركيبة سعر النفط حتى وصوله للمستهلك النهائي والذي لايساهم فيه سعر الخام سوى بنحو 25%, أدت الى المطالب بتحمل الـ 75% الاخرى لمسئوليتها, واستجابت بعض الحكومات الأوروبية لتلك المطالب, ورفضتها حكومات اخرى بدعوى عدم قانونية أو حضارية الوسيلة التي تمت بها تلك المطالب, أو بدعوى أثرها العكسي على تحقيق أهداف سياساتها الاقتصادية أو اثرها البيئي السالب. أما في الولايات المتحدة والتي تبلغ فيها مساهمة الضرائب نحو 36% من سعر المنتج النهائي, فقد اتبعت أسلوباً آخر معظم اثره نفسي, اذ سمحت وفي أحوال السلم باستخدام احتياطيها النفطي الاستراتيجي البالغ نحو 571 مليون برميل بواقع 30 مليون برميل على مدى 30 يوماً. ورغم اعتقادنا بأن التطورات في اسعار النفط لاترقى الى مستوى الصدمة الثالثة وذلك بارتفاع أسعار عام 1973 (حرب أكتوبر) و1979 (الثورة الايرانية), إلا اننا نعتقد انها افرزت بعداً ايجابياً فيه توزيع للمسئولية بين المنتجين والمستهلكين مما يخلق أرضية لتوسعة قمة كراكاس لاحقا لتجمع المنتجين والمستهلكين الرئيسيين. وذلك ان حدث ربما ينجح في جلب المنتجين دولا ذات ثقل سياسي جيد من روسيا ثاني أكبر المصدرين والمكسيك وربما النرويج مما يقوي فريقهم ويجعل العلاقة بين الطرفين أكثر توازنا وتفهما للمسئولية تجاه حاجة كل طرف وتجاه الاقتصاد العالمي. وخلافا للتوقعات السائدة عند الدعوة لقمة أوبك منتصف الصيف الفائت والتي كانت تراهن على بدء الهبوط لأسعار النفط, تماسكت اسعار النفط وبلغت في بعض الاحوال مستويات زمن الاجتياح العراقي للكويت في عام 1990. وحدث ذلك بسبب مضاربات الأسواق المالية من جانب, وبسبب تهديد غير ذي معنى من قبل العراق للكويت ولكنه كان كافيا في الزمن القصير للتأثير على الاسعار بشكل معاكس لما توخته أوبك عند زيادة انتاجها. وبسبب شعور بعجز مصافي التكرير عن مواجهة متطلبات فصل الشتاء, وبسبب الشعور العام بوصول معظم دول أوبك الى طاقاتها الانتاجية القصوى. وعملت تلك الأسباب مجتمعة لبقاء السعر فوق الحد الاعلى المستهدف من اوبك خلافا لواقع وجود امدادات كافية من النفط الخام في الأسواق وبأن لا معنى لزيادة الانتاج لان عامل الزمن بين حدوث الزيادة وتخزينها وتكريرها لأي زيادة جديدة سيظل حكمه حكم الزيادات الأولى, ولأن قرارات الشراء والتخزين عند هذا المستوى من الاسعار ستظل مترددة. وتسبب هذا الوضع في شبه اتفاق في أوبك على ضرورة تخفيض الاسعار لمواجهة الضغط السياسي من جانب, وللحفاظ على الحد الادنى من تماسك أوبك حتى لاينفرد أصحاب الاحتياطيات الكبيرة بقرارهم من جانب آخر, ولأن ما تحقق فاق أماني دول أوبك المالية من جانب ثالث. ولاشك ان خلافات أوبك السياسية حدث من طموحات الرئيس الفنزويلي, فحماسه لزيارة العراق ودعوة الرئيس العراقي تركت أثاراً سلبية على حماس عضوين رئيسيين في أوبك هما السعودية والكويت, فالاحراج السياسي لزيارته للعراق فسر من جانب العضوين على انه موقف سياسي, وكان أحد إفرازاته تدني مستوى المشاركة الى ما دون القمة بكثير أو الى شىء أقرب الى الاجتماع الوزاري. ومع هذا التباين بالتمثيل تخفض مستوى التوقعات حول إفرازات المؤتمر من احتمال وضع تصور لعلاقة استراتيجية بين الدول المنتجة, وبينها من جانب وبين الدول المستهلكة, الى حدود الحوار في مثل هذه الامور والاهتمام بالاعلان عنها دون التنفيذ. الكويت ـ البيان