معرفة اللحظة المناسبة التي يمكن فيها طرح عرض او تقديم طلب للحصول على تنازل مهم تعتبر علامة فاصلة بين المفاوض المتمرس والآخر المبتدىء غير المؤهل واكتساب هذه المهارة أمر ليس باليسير, بل لابد له من تدريب وتعود ولكن النتيجة بعد ذلك تعني زيادة كبيرة في فرص نجاح المفاوض في تحقيق أهدافه. وأيا كان الأمر فلابد من تجنب التعجل والتمسك بالصبر فالعجلة غالبا ما ترتبط بالخسارة. وهو ما تؤكده الامثلة المطروحة هنا. يفضل المتسوقون عادة التسوق عندما تنحسر اسعار السلع والبضائع ويختارون اللحظة التي يكون فيها البائع جالسا لا يفعل شيئا انتظارا للمتسوقين الذين ان لم يأتوا بارت بضاعته وكسدت كذلك فإن الباعة حتى وان تعذر عليهم اختيار اللحظة المناسبة للبيع فإن التوقيت يساعدهم كثيرا في التعرف على مواعيد التسوق التي يفضلها المشترون. ان التوقيت يعني في جوهره )طرح الشيء المناسب في الوقت المناسب) وبعبارة اخرى هو (الاجراء الصحيح في الوقت الصحيح) ويمكن للتوقيت الجيد ان يفعل فعل السحر ويحيل اهداف الطرف الآخر الى اشياء يسهل اصطيادها الواحد تلو الآخر. إن المتسوق قد يجادل ويفاصل حول سعر بيع سلعة معينة وفي وقت يمكن للبائع ان يقدم تنازلا بسيطا دون ان يخسر شيئا. إن اللحظة التي ينبغي فيها على البائع تقديم ذلك التنازل تأتي عندما يشعر بأن المشتري لا يزال مترددا في دفع الثمن المحدد لتلك السلعة وان الشيء الوحيد الذي يزيل هذا التردد هو ذلك التنازل البسيط. متى تحين اذن تلك اللحظة؟ ان هذا هو ما نقصده بالتوقيت وعلى البائع ان يجد تلك اللحظة ولكن الأمر يتطلب حساسية وحدسا محددين لأن البائع اذا قدم ذلك التنازل في وقت غير مناسب (قبل ان يتلهف المشترى لسماع التنازل) فإن التوقيت سيفقد لحظتها فاعليته كسلاح تفاوض فعال. والآن كيف يمكن للمفاوض ان يستغل عنصر الوقت لخدمة اهدافه وكيف يستفيد منه؟ ان المتسوق المتعجل الذي لا يتوفر له الوقت الكافي لزيارة مختلف المحال التجارية للحصول على اسعار افضل قد يتجه مباشرة لاقرب محل تجاري ليشتري احتياجاته وهو ما قد يعزز من موقف صاحب المحل او البائع خاصة اذا ما اكتشف ان المشتري في عجلة من أمره. والشيء البديهي الذي يضعه المفاوضون الناجحون في اعتبارهم هو ان ذلك الطرف المتعجل والمتلهف للتوصل لاتفاق في موعد محدد يكون دائما في موقف ضعيف اذا كان الطرف الآخر مدركا لذلك ويستطيع ـ أو يرغب ـ في الاستفادة منه. لقد اشتهر اليابانيون بأنهم احسن من (تخصص) في فنون الصبر (وطول النفس) وتأكيدا لهذا القول نسوق حكاية ذلك المدير التنفيذي المبتدىء في فنون التفاوض والذي شد الرحال من احدى العواصم الأوروبية قاصدا اليابان في رحلة عمل تستغرق اسبوعا واحدا كان يتعين عليه خلاله عقد جولة مفاوضات حاسمة مع احدى المؤسسات اليابانية الكبيرة وقد كانت تلك أول مهمة رسمية توكل اليه وعند وصوله الى مطار طوكيو استقبله مسئول رفيع المستوى واصطحبه الى فندق فخم يطل على المحيط وطلب منه ان يخلد الى نوم عميق ليستريح من عناء الرحلة الطويلة والمرهقة وزاره ذلك المسئول صباح اليوم التالي واصطحبه في جولة سياحية ليشاهد المعابد القديمة والآثار اليابانية واستغرقت الجولة كل نهار ذلك اليوم وجاءه صباح اليوم الثالث مسئول رفيع آخر اصطحبه في رحلة بحرية زار خلالها مختلف المنتجعات التي تطل على المحيط واستغرقت الرحلة البحرية نهار اليوم الثالث ثم جاءه في صباح اليوم الرابع مسئول آخر فبادره بالسؤال التالي: (متى تبدأ المفاوضات يا هذا؟ (فرد عليه المسئول الياباني بقوله (لا يزال امامنا متسع من الوقت) وكلما طرح الزائر الأوروبي هذا السؤال على مضيفيه الذي احسنوا ضيافته واهدار وقته دون ان يعي تأتيه الاجابة نفسها: (لايزال امامنا متسع من الوقت) وهكذا انقضى الاسبوع بدون ان يتوصل لاي اتفاق حول العقد الذي كانت شركته تأمل في الحصول عليه وحاول الرجل في اليوم الأخير لزيارته التوصل لاي اتفاق وبأية وسيلة الا ان مضيفيه والذين كانوا يعلمون برنامج رحلته وموعد وصوله ومغادرته قبلها بأسابيع طويلة اصطحبوه بأدب جم حتى سلم الطائرة التي اعادته لبلاده وهو خالي الوفاض تماما. لقد كان يتعين على ذلك المفاوض المبتدىء لكي يستفيد من وقته ويوظفه لمصلحة الشركة ان يفعل احد الأمور التالية: ـ عدم الكشف عن تاريخ مغادرته. ـ شراء تذكرة سفر (مفتوحة) بدلا من تذكرة تحدد تاريخ مغادرته وبهذه الطريقة ما كان ليعرض نفسه لضغوط اضافية اذا استغرقت المفاوضات فترة اطول مما كان متوقعا. ـ الغاء حجز العودة لبلاده وتحديد تاريخ آخر للعودة بعد انتهاء المفاوضات بنجاح اذ كان يمكن للاتفاقية التي يتوصل اليها ان تكون عوضا عن النفقات الاضافية التي يتحملها وقد يشعر مضيفوه بالحياء لابقائه لفترة طويلة وقد يرغبون ايضا في تقديم تنازلات. إلا انه اختار الطريق الصعب طريق التوصل لاتفاق في آخر لحظة. ان اهمية عنصر التوقيت تتأكد بشكل خاص في المفاوضات التي تتصل بالأمور الصناعية حيث يكون له اثر بالغ على نتائج المفاوضات وهناك العديد من العوامل التي يمكن ان تؤثر بدرجة كبيرة على نتائج التفاوض حول شراء مصنع مثلا وهي: ـ عقود المشتريات التي لم يتم البحث فيها وقيمتها ومدتها. ـ العقود التي توشك على نهاية فترة سريانها. ـ الوضع المالي للمصنع وهيكلة الاداري ونزوع الادارة نحو تقديم اسعار خاصة وحجم الانتاج واداء العاملين في المصنع. ـ الفترة التي تجري خلالها المفاوضات وحرية السوق وحجم الطلبات. ـ ادراك ان كل الانشطة التجارية والصناعية تتعرض لفترات كساد وتذبذبات موسمية يتعين النظر فيها بعين الاعتبار. وينبغي ان يتم تحديد اللحظة التي تعقد فيها المفاوضات بدقة تامة لانها يمكن ان تشكل عنصرا حاسما في كسب المفاوضات وفيما يتصل بالمفاوضات التي يكون طرفاها بائع ومشتر فإن المشتري هو الطرف الذي يجدد عادة التاريخ الذي تنعقد فيه المفاوضات واذا نظرنا الى اي منتج يرتفع الاقبال عليه خلال فترة زمنية محددة مثل الملابس الشتوية مثلا فإننا نجد ان العديد من المتسوقين لا يقومون بشراء احتياجاتهم إلا في نهاية تلك الفترة اي نهاية الموسم عندما تعرض المحال التجارية خصومات كبيرة وتخفيضات قد تصل الى البيع بسعر التكلفة وذلك بهدف افساح المجال امام ملابس الفصل الجديد من الملابس وعليه اذا كانت السوق هادئة وحركة البيع بطيئة فإن هذا يمثل افضل وقت للتسوق او ما يعرف بـ(سوق المشترين) لأن اصحاب المحال التجارية والباعة يكونون دائما على استعداد لتقديم التنازلات والتفاوض للتخلص من السلع المكدسة. لنفترض ايضا ان شخصا ما كان يتفاوض للحصول على قرض شخصي ان أول شيء يجب على هذا الشخص القيام به هو دراسة السوق فإن رأى أن اسعار الفائدة على القروض الشخصية بدأت تتجه نحو الارتفاع فعليه عندها ان يتخذ قرارا سريعا (إلا اذا اخطره مصدر موثوق به بأن المصرف المركزي يخطط لخفض اسعار الفائدة في المستقبل القريب) وايضا اذا عرف احد البائعين ان شركة معينة تقوم في نهاية كل سنة مالية بالتخلص من السلع الفائضة التي تتكدس في مستودعاتها فإن ذلك هو افضل وقت له لاجراء مفاوضات مع تلك الشركة لشراء السلع التي ترغب في التخلص منها. ويمكن القول ان التوقيت الصحيح يعني القوة ولكن كم هو ذلك الوقت الذي يقضيه المفاوضون في الاعداد والتحضير للمفاوضات؟ وكم هو ذلك الوقت الذي تستغرقه المفاوضات ذاتها؟ من الواضح ان الانسان لا يحتاج لعدة اسابيع لكي يشتري ثلاجة مثلا ولكن بطبيعة الحال يختلف الامر تماما اذا تعلق بتركيب شبكة كمبيوتر جديدة بمكاتب احدى المؤسسات التجارية العملاقة. وبنفس القدر الذي يلزم فيه عدم الدعوة لاجتماع يكلف عشرة آلاف درهم لاتخاذ قرار لا يتجاوز عائده المالي اكثر من الف درهم فقط يجب ايضا عدم استنزاق اسبوع كامل في التفاوض حول استئجار منزل مثلا. والمقصود هنا هو ان الوقت والجهد اللذين يستثمران في أية مفاوضات يجب ان يتناسبا مع قيمة الموضوع محل النقاش وإن لم يحدث هذا فقد يشعر الإنسان بأن المفاوضات ما هي الا مضيعة للوقت وهو الشعور الذي يقود لتقديم تنازلات كبيرة لمجرد تعجيل الأمور والاسراع بإنهاء المفاوضات. أما فيما يتعلق بمعرفة طول الوقت الذي تستغرقه عمليات الاعداد والتحضير للمفاوضات التي يتم التفاوض حولها وتعقيدات الموضوع والاختلافات بين الاقتراحات والاقتراحات المضادة والاستراتيجيات والعناصر الأخرى المتصلة بالموضوع المحدد. ويرى بعض المفاوضين الماهرين والمتمرسين أن افضل وسيلة لتحديد طول الوقت الذي تستغرقه عمليات الاعداد والوقت الذي تحتاجه المفاوضات الفعلية هوتقدير طول وقت المفاوضات والمناقشات اولا وتخصيص نفس الوقت الذي تم تقديره لعمليات الاعداد والتحضير. ان اهم لحظة في اية مفاوضات هي تلك التي تلي نهاية المناقشات وهذه مسألة أكدت صدقها الحقيقة التي تقول ان المفاوضات تأتي الى نهاياتها عندما يتم التوصل لاتفاق ولكنها لا تعني احتفاظ المفاوض بطاقته الذهنية واقتراحاته ـ البطاقة الأخيرة ـ حتى تحين اللحظة التي يشعر فيها بقرب التوصل لاتفاق اي حين يقول لنفسه (انني اشتم ريح اتفاق ولاحتفظ بآخر بطاقاتي) . وقد تتوفر للمفاوض بعض البدائل والاختيارات التي لا يعلم الطرف الآخر عنها شيئا والتي قد تضعف موقفه التفاوضي فقد يقوم احد المفاوضين بالتفاوض مع جهة ما حول بيع احد المصانع وهو يعلم تمام العلم ان هناك جهة اخرى ترغب في شراء المصنع وتسعى جاهدة للتوصل لعقد اتفاق ان طرح مثل هذه المعلومة قبل نهاية المناقشات قد تساعد في التوصل لاتفاق سريع مع الجهة التي يجري التفاوض معها. ومن المهم للغاية ان يستغرق المفاوض أكبر قسط من الوقت في التفكير حول القرارات التي سيتخذها وألا يسمح للطرف الآخر بأن يدفع به دفعا نحو التوصل لاتفاق ويعتبر اتقان اساليب اطالة الوقت ورفض الموافقة على القرارات السريعة والظهور بمظهر الانسان المتردد في حد ذاته نوعا من التكتيكات الذكية تأتي بنتائج مبهرة. وهناك بعض الاشخاص الذين لا يستغرقون الوقت الكافي للتفكير في الاشياء وذلك لدوافع غريزية تجعلهم يرغبون في اظهار انفسهم بمظهر الاذكياء الحاذقين لما يمتلكون من قدرات غير عادية تجعلهم يقنعون الاطراف التي يتفاوضون معها بسهولة ويسر وأن باستطاعتهم عقد صفقات بملايين الدولارات خلال دقائق معدودة ان الاشخاص الذين يعقدون مثل هذه الصفقات الاسطورية معدودون للغاية وهم لا يستطعون عقد هذه الصفقات إلا لانهم يعرفون الاسواق جيدا واستعدوا تماما للمفاوضات التي تتضمن مثل هذه الارقام الخيالية. واخيرا لابد ان نتذكر دائما تلك الحكمة التي تقول: (إن الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) والأخرى التي لها مدلولات مادية وتجارية واضحة وهي: (الوقت يعني المال والمال يعني القوة) .