يتزايد تأثير الجفاف على الحياة الزراعية في سوريا في السنوات الثلاث الاخيرة بصورة مأساوية دفعت بالمسئولين عن السياسة الاقتصادية الى البحث عن الحلول السريعة التي يمكنها ان تخفف من التأثير الفادح, لموجة الجفاف على الفلاحين ومن النتائج السلبية المستقبلية قدر الامكان مع الاخذ بعين الاعتبار الحيتيات والامتدادات الناجمة عن المسألة المائية بصورة مباشرة وغير مباشرة خاصة وان المناخ اصبح يميل اكثر فاكثر باتجاه الجفاف مع ظاهرة الدفينة (البيت البلاستيكي) لاغلب اقطار المنطقة مما ادى الى تحول اراضي كثير من دول المنطقة باتجاه التصحر نتيجة تراجع نسبة الهطل المطري وارتفاع نسبة التبخر المائي الذي وصلت نسبته في سوريا حسب تقديرات وزارة الري الى اكثر من 2مليار م3 من المياه وهذه الكمية يمكن ان تروي 200 الف هتكار سنويا بالاضافة الى الفواقد المائية من شبكات الري وغيرها. ويأتي تزايد السكان ليشكل سببا آخر لازدياد الاحتياجات للمياه للاغراض المختلفة اذ ان الزيادة السكانية كانت في سوريا اكثر من 5 بالمئة ثم تدنت الى 4 بالمئة لتصل اخيرا الى 3.36 بالمئة وقد ادى ارتفاع عدد سكان سوريا من 500 الف نسمة في بداية هذا القرن الى حوالي 18 مليون نسمة في نهايته الى تزايد الطلب على المياه والحاجة اليها. وقد تكاملت عوامل المناخ وتزايد السكان المضطرد وتراجع نسب الهطولات المطرية في التأثير على واقع الحياة الزراعية والحيوانية فانتاج الحبوب الذي كان في عام 1994 حوالي 5580 الف طن اصبح في عام 1999 3600 الف طن حيث تراجعت حصة الفرد في الاعوام نفسها من 403 كجم في السنة الى 348 كجم. اما بالنسبة للحوم فد كان وسطي الانتاج في العام 1994/ 293 الف طن وفي عام 1999 اصبح 265 الف طن مما ادى الى تراجع حصة الفرد الواحد من 19 كجم في عام 1994 الى 16 كجم في العام 1999 وكذلك الامر بالنسبة للخضار التي تراجعت فيها حصة الفرد من 228 كجم الى 133 كجم في الاعوام السابقة نفسها. وينطبق الحال على الفاكهة ايضا وسائر المنتجات الحيوانية الاخرى من لبن وبيض. ان هذه الاحصاءات ان تكشف عن تدني نسبة حصة الفرد من هذه المواد على اساس المتطلبات الوسيطة لمنظمة الاغذية والزراعة حيث لم يتجاوز الانتاج الحيواني والنباتي نسبة 50 بالمئة في اغلب الحالات باستثناء الفاكهة فهي المادة الوحيدة التي تجاوزت فيها احتياجات الفرد الحصة المقررة من منظمة الاغذية والزراعة الدولية. واذا كان هذا الحال على ضوء الاحتياجات الراهنة فكيف سيكون المستقبل مع تزايد اعداد السكان وتزايد الاحتياجات المستقبلية بالنسبة للفرد الامر الذي يستدعي وجود سياسات اقتصادية علمية واستراتيجية تساعدنا على تجاوز مسألة تأمين الغذاء للسكان وهذا يتطلب تأمين المصادر المالية الضرورية من اجل الوصول إلى الهدف المنشود حاضرا ومستقبلا. الآثار الفعلية لنقص المياه على الحياة اقيمت معظم المشاريع الزراعية والصناعية دون تخطيط دقيق لها وقد اوقع ذلك في مجموعة من الاخطاء نتيجة غياب الاهتمام الكافي بمشروعات الري الكبرى ضمن ما يسمى الاطار العام لاستراتيجية وبرامج الامن الغذائى ومن المثير للانتباه تلك الاصوات الخافتة التي كانت تنطلق مؤكدة على خطورة دور المياه في حياتنا والآثار التي تترتب على نقصها وهدرها دون اي تفكير جدي ومسئول بالمستقبل. لكنه منذ سنوات قليلة بدأت هذه المسألة تطفو على السطح وبدأت معها الدراسات والجهود تبذل للحفاظ عليها وترشيد استهلاكها. تشير الدراسات العلمية إلى ان المواد المائية المتجددة في سوريا تقدر بحوالي 10 مليارات م3 سنويا بدون واردات نهري دجلة والفرات وقد تجاوزت الاحتياجات المائية للاغراض المختلفة عام 1995 (13) مليار م3 تستهلك الزراعة النصيب الاكبر منها 12 مليار م3 لري مساحة قدرها 152 مليون هكتار ويقدر الاحتياج المائى في هذا العام لتأمين مختلف الاستخدامات حوالي 17 مليار م3 علما ان الموارد القابلة للاستثمار فعليا لا تتجاوز 9 مليارات م3 وبالتالي فإن العجز المتوقع يقدر بحوالي 8 مليارات م3 وسوف يزداد هذا العجز في المستقبل مما سيؤدي إلى تزايد الآثار السلبية على الحياة الاجتماعية من خلال تدهور مساحات الاراضي الزراعية وزيادة التصحر وتناقص الانتاج الزراعي اضافة إلى ارتفاع كلفة المياه وزيادة المديونة بسبب تأمين الاحتياجات الغذائية للسكان الامر الذي يتطلب ايجاد ووضع سياسات استراتيجية تعمل على مواجهة هذا الواقع بخطط عملية وعلمية تأخذ في حساباتها كل هذه القضايا المطروحة. دمشق ـ يوسف البجيرمي