يمثل اليورو تجربة فريدة حيث انه عملية ورقية بلا حكومة وعدم وجود الحكومة هو احد اسباب انخفاض العملة الاوروبية الموحدة إلى مستوى قياسي غير معقول. وطالب اومانو برودي رئيس اللجنة الاوروبية, وهو بهذا المنصب يعد اقرب ما يكون إلى رئيس احدى الدول, لكن في هذه الحالة اوروبا قاطبة بالتدخل في سوق العملات لدعم وتعزيز اليورو. لكن الاسواق لم تتأثر بهذا النداء لان التجار يعلمون ان برودي ليس لديه السلطة الكافية, وليست هناك سلطة بهذه القوة لأي شخص آخر. هناك بنك مركزي لاوروبا, لكن اليورو له 11 حكومة وطنية تشارك في اتخاذ القرار. ولا تستطيع اي من هذه الحكومات وضع سياسة للمنطقة قاطبة بمفردها وتستطيع كل من هذه الحكومات ان تتنصل من مسئولية ما يحدث للعملة الاوروبية الموحدة. عندما فكروا في اطلاق اليورو, ظن المشجعون ان العملة ستكون قوية جداً. فلا تستطيع اية دولة مثل ايطاليا ان تترك عملتها تتهاوى. ولابد لها وللحكومات الاوروبية الاخرى ان تتبنى اجراءات اصلاحية حتى تظل على قدرة تنافسية عالية ولا مفر من التخلي عن صلابة لوائح سوق العمل وبرامج المعاشات الحكومية المكلفة. لكن يبدو ان العكس هو الذي يحدث. يتم خفض الضرائب حقيقة, لكن الاصلاحات الاخرى بطيئة اذا كان هناك اي نوع من الاصلاحات في الاساس. ولا تستطيع اسواق العملة ان تصوت على سياسة اي من الحكومات الاوروبية, لذلك فإن المخرج السهل والحل البسيط لن يتطلب عقاباً والاسلوب الاصعب لن يجلب اي ثواب. ولا غرو ان الحكومات التي تتعرض لضغوط تلجأ للاساليب السهلة, كما فعلت فرنسا لإسكات المتظاهرين الذين احتجوا على ارتفاع اسعار الوقود وطالبوا بخفض الضريبة عليه. ومن طرق مكافحة انخفاض سعر العملة التدخل في سوق العملات لكن هذا قد يكون اسلوباً جيداً عندما تنخفض العملة عن قيمتها الحقيقية كما يحدث الآن. لكن هذا التدخل لابد ان يكون على نطاق واسع حتى ينجح وان يجد تأييداً ودعماً دولياً وتعززه حكومات تضع سياسات جديدة وتستمر في تغيير هذه السياسات كلها إذا لزم الامر. وقد اعلن البنك المركزي الاوروبي انه اشترى ما يعادل 15.2 مليار دولار امريكي من اليورو, لكن هذا الاعلان لم يؤثر في الاتجاه الهبوطي للعملة الاوروبية الموحدة. وهناك وسيلة اخرى لمواجهة انخفاض العملة هي رفع اسعار الفائدة وهي طريقة حاولها رئيس البنك الاوروبي. لكن لسوء الحظ ان التدفقات المالية هي التي تسيطر الآن على الساحة الاستثمارية في العالم, وليس السندات. وتحتاج اوروبا إلى ايجاد طريقة لاقناع المستثمرين بشراء الاسهم والشركات. وارتفاع سعر الفائدة سوف يخفض النمو الاقتصادي دون رفع قيمة اليورو. لم يتوقع رئيس البنك الاوروبي ابداً ان تصل العملة الاوَروبية الموحدة إلى هذا الوضع, في الوقت الذي تعاني فيه الولايات المتحدة من عجز قياسي في الحساب الجاري وتسجل نمواً بنسبة 3.4% من اجمالي الناتج المحلي ويرتفع سعر الدولار في نفس الوقت ايضاً. وقال رئيس البنك الاوروبي في جلسة برلمانية ان هذا العجز لن يستمر على المدى الطويل. لكنه قال ان الامريكيين لا يجدون صعوبة في تمويل هذا العجز بفضل اوروبا. يتزايد هذا العجز في الحساب الجاري. بسبب ارتفاع اسعار البترول, التي قد تؤدى إلى بطء النمو الاقتصادي الغربي كلية وتجعل الاستثمار في الولايات المتحدة لا يبدو جذاباً. وفي النهاية سوف تثبت صحة تعليقات رئيس البنك الاوروبي فسعر الدولار المرتفع لا يعكس قيمته الحقيقية وسوف ينخفض في يوم ما. لكن اليورو ليس امامه هذه البحبوحة من الوقت. فقد ادى انخفاضه بالفعل إلى زعزعة الآمال في ان تصوت الدنمارك على الانضمام إلى الاتحاد النقدي الاوروبي. وسوف يؤثر هذا التصويت سلبياً على اليورو ويعزز المعارضة البريطانية للانضمام. وفي ظل هذه الظروف قد يزداد الحنين إلى المارك والفرنك )الالماني والفرنسي( في الماضي, بسبب الكساد الاوروبي غير ان القواعد الاوروبية تمنع اي عضو في الاتحاد النقدي من الخروج منه. تستطيع حكومة قوية لمنطقة اليورو أن تحارب هذه الاتجاهات لكن هذه العملة لها 11 حكومة, وليس حكومة واحدة, مما يعنى أنه لا حكومة موحدة تدافع عن عملتها, اليورو في هذه الحالة. الاقتصاد الأمريكي واليورو يبدو أن اليورو سوف يستمر في الهبوط خلال الفترة القصيرة المقبلة, وقد يصل الى 80 سنتاً )80 دولاراً( أو أقل, برغم محاولات البنك الأوروبي لاقناع السوق بأن تؤيد سعره عن طريق التدخل في سوق العملات. وتعكس هذه التوقعات اعتقاداً متزايداً بأن اليورو أبعد ما يكون عن احتمالات الارتفاع والانتعاش. فاليورو هو ضحية الارتفاع المستمر في الدولار الأمريكي على مدى فترة طويلة منذ بداية الثمانينات. وتوقع بعض المحللين ان الدولار قد يصل الى المستويات المرتفعة القياسية التي بلغها أمام العملات الأوروبية خلال فترة الثمانينات, خاصة عام 1985 بما يعنى انخفاضاً لليورو ليصل الى أقل من 70 سنتاً )70.0 دولار(. وقال بول تشيرنكو خبير الاستراتيجيات الاقتصادية في بنك طوكيو متسوبيشى ليس هذا هو اليورو الذي بيعت منه كميات هائلة لم تحدث في التاريخ. وقال فريد برجستون رئيس معهد الاقتصاديات الدولية في واشنطن ان اليورو قد يصل الان الى 70 ـ 75 سنتاً. وقد يساهم تدخل البنك الأوروبي أو انخفاض كبير في الاقتصاد الأمريكي في انقاذ اليورو من الانخفاض, لكن غالبية المحللين لايرون إمكانية لحدوث ذلك على المدى القريب. فلايزال النمو في الاقتصاد الامريكي وتأثيره على العملة الأوربوية الموحدة مستمراً مع ارتفاع جاذبية الاستثمار في الأصول الامريكية, ويرتفع الطلب على الدولار بسبب ارتفاع النمو الاقتصادي الأمريكي, المتوقع ان يفوق 5% خلال العام الجاري, وتزايد معدل نمو الانتاجية والموجة الهائلة من شراء شركات أوروبية لأصول في شركات أمريكية. ويقول إفيناش بيرسود كبير خبراء الاستراتيجيات في بنك ستيت ستريت في لندن في اشارة الى أسواق العملة ليس هناك دليل على وجود تأثر بالمضاربة, فإن غالبية التدفقات المالية ذات طبيعة طويلة الاجل, وليس هناك اشارات على أن هذا الاتجاه سيتوقف على المدى القريب. وفي مقابل الانباء الايجابية في أمريكا, هناك كثير من الانباء السلبية تأتى من أوروبا. ويقول الخبراء والمحللون ان المسئولين الأوروبيين لم يظهروا بمظهر الذين يريدون انقاذ وتعزيز اليورو بشكل ايجابي وفعال. وقد زاد هذا الانطباع عندما لم يتخذ وزراء المالية الأوروبيون أي اجراءات اللهم من كلمات التأييد والاطراء على العملةالأوروبية الموحدة بعد ان تحدث المستشار الألماني جيرهارد شرويدر عن الفوائد الاقتصادية لانخفاض سعر اليورو. وربما يوضح المشهد السياسي أسباب عدم تدخل البنك الاوروبي في الأسواق لانقاذ اليورو واكتفى بالاعلان عن بيع ما قيمته 5.2 مليار يورو )13.2 مليار دولار أمريكي( من الفوائد على احتياطياته من العملة الأجنبية. هذا الاجراء هو بديل عن التدخل المباشر في سوق العملة الذي لم يتوصل المسئولون الى اجماع بشأنه. وقد يعانى اليورو نكسة سياسية اخرى اذا لم يصوت الناخبون الدنماركيون لصالح الانضمام الى الاتحاد النقدي الأوروبي في أواخر الشهر الجاري. والمعتقد ان انخفاض سعر اليورو قد عزز موقف الرافضين للانضمام الى الاتحاد النقدي وحملتهم الرامية الى عدم تحقيقه. وقال فرنر بيكر الخبير الاقتصادي في دويتشه بنك في فرانكفورت ان الاخفاق في التصويت الدنماركي قد يدفع اليورو الى مزيد من الانخفاض. اليورو وسعر البترول كما ان الارتفاع الحالي في اسعار البترول قد وجه ضربة قاسمة لسعر اليورو. فالارتفاع في أسعار البترول تشكل تهديداً على احتمالات انتعاش العملة الأوروبية الموحدة لانه يزيد من الضغوط التضخمية ويقلل من احتمالات النمو الاقتصادي. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان ارتفاع اسعار البترول بمقدار 10 دولارات للبرميل يرفع معدل التضخم في أوروبا بنسبة 6.0% مقابل 4.0% في الولايات المتحدة. ويؤدى ارتفاع اسعار البترول الى زيادة الطلب على اليورو لان البترول مقيم بالدولار وغالبية الدول المنتجة والمصدرة للبترول تحتفظ بعائداتها في شكل اسهم دولارية, كما يقول جيلز كيتنج كبير خبراء الاقتصاد في بنك كريدى سويس فيرست بوسطن. وارتفاع اسعار البترول هو السبب الرئيسي في ظهور العجز في الحساب الجاري الأوروبي خلال العام الجاري, ويضيف كيتنج ان هذا العجز من أسباب انخفاض سعر اليورو أمام الدولار الأمريكي. هذه العوامل توضح وتفسر التغيرات في المواقف من اليورو خلال الاسابيع الماضية حيث يأس كثير من المستثمرين والمحللين من توقع حدوث ارتفاع في سعر اليورو طوال الفترة الماضية من العام الجاري. فقد تخلت جي. بي مورجان مثلا عن توقعاتها بانتعاش سعر اليورو الى دولار واحد خلال الشهر الجاري وتتوقع الان ان يظل اليورو اقل من 90.0 دولار لمدة عام آخر. كما تشير سوق اختيارات العملة الى مزيد من الانخفاض, فقد اهتم المستثمرون كثيرا خلال الشهر الماضي ببيع اليورو في الوقت الذي قرر فيه غالبيتهم قبل ذلك الشهر انهم قد يشترون اليورو مستقبلا. هذا التحول في المواقف يفيد بأن السوق ترى ان هناك مخاطر كبيرة تحيط باليورو واكثر من احتمالات ارتفاعه. لكن لا يزال هناك من يؤمنون باليورو ويقولون ان النمو الاقتصادي الأوروبي الى جانب الاصلاحات الهيكلية التي تجريها دول مثل المانيا وفرنسا من تخفيضات ضريبية سوف تعزز قيمة اليورو, حتى رغم ان مشاعر السوق لا تتحول او تتغير إلا بعد مرور فترة زمنية. اليورو اقل من قيمته الحقيقية قالت تقارير صحفية ان اليورو وصل الى مستوى أقل من قيمته الحقيقية بشكل خطير وقالت انهم راضون عن الانتعاش الاقتصادي الأوروبي المتزامن مع الاصلاحات الهيكلية, التي ينبغي ان تدفعه لأعلى, وعندما تأتي مرحلة الارتفاع سوف يكون سريعا وقويا. وقال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي في حديث لصحيفة ليز إيكو ان هناك احتمالاً لبحث سعر اليورو في اجتماع الدول الصناعية الكبرى. واضاف ان سعر اليورو لا يعكس الاساسيات الاقتصادية لأوروبا. وقال ان الموقف الأوروبي واضح وهو ان المستوى الحالي للعملة الأوروبية الموحدة اقل من قيمتها الحقيقية واعرب عن اعتقاده بأن اليورو سوف يغير الاتجاه الهبوطي وسوف يصعد بسرعة وقوة. وفي ظل هذا الاعتقاد يتوقع ان يحدث ذلك في وقت قريب. فهل يحدث ذلك بالفعل؟ اعداد اشرف رفيق