يرى كثير من المحللين والمراقبين أن إجتماع قمة الاوبك اليوم هو اختبار حقيقي وصعب لزعماء المنظمة التي تنتج الدول الأعضاء فيها أكثر من 40% من الانتاج العالمي للبترول. هناك ضغوط كبيرة على الزعماء من اجل رفع انتاج الأوبك التي رفعت انتاجها ثلاث مرات خلال العام الجاري من أجل خفض الأسعار, استجابة لضغوط الدول الغربية المستهلكة للبترول دون جدوى. وفي الوقت الذي تتعرض فيه المنظمة لتلك الضغوط, يرى زعماء الدول الأعضاء فيها انهم فعلوا ما عليهم, بل أكثر منه من اجل اسكات الأصوات التي تلقي باللوم عليها في ارتفاع أسعار البترول وبالتالي رفع تكلفة الوقود والطاقة, ثم ارتفاع معدلات التضخم في الدول الصناعية الكبرى, ثم حدوث كساد في الاقتصاد العالمي وهلم جرا. فالدول الصناعية الغربية الغنية أيضا, تعلق كل همومها الاقتصادية من انخفاض في اسعار العملات الأوروبية ممثلة في اليورو (العملة الأوروبية الموحدة) وبطء النمو الأوروبي, والخطر المحدق بالدول الآسيوية التي تخرج لتوها من أزمتها المالية الاقتصادية لعام ,1997 لاعتمادها على البترول المستورد, وغيرها من الآلام الاقتصادية, على ارتفاع أسعار البترول الخام, والخام بصفة خاصة, وليس منتجات البترول التي تنتجها هذه الدول. حتى صندوق النقد الدولي, الذي توقع في بداية العام أن يكون اداء الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري على ما يرام وأن يصل متوسط النمو العالمي الى 3% سنوياً, لم يترك قضية سعر البترول الخام إلا واعتبرها من العناصر التي تجعله يخفض توقعاته بالنسبة للنمو العالمي, نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة المزعوم بالنسبة للدول الصناعية التي تمثل النصيب الأكبر من اجمالي الناتج المحلي العالمي. وعندما ثارت احتجاجات وتظاهرات في الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الوقود, المعروف بالطبع انه بسبب ارتفاع ضرائب الوقود التي تطلق عليها الدول الأوروبية اسماء مختلفة, سارعت هذه الدول بالصراخ والعويل تطلب من منظمة الأوبك رفع الانتاج من اجل خفض الاسعار, رغم ما سلف ذكره من ارتفاع الانتاج ثلاث مرات خلال العام الجاري. ولم تفكر تلك الدول في ان تعالج ارتفاع أسعار الوقود من خلال خفض الضرائب, اللهم إلا بعد ثورة عارمة كما فعلت فرنسا, بينما رفضت بريطانيا والمانيا اللجوء لهذا الحل, بل أول ما تبادر الى اذهان هذه الحكومات هو عزف اللحن القديم برفع انتاج البترول, ومرة اخرى من جانب الدول الأعضاء في الأوبك. لكن المعضلة الحقيقية هي ان ارتفاع انتاج دول الاوبك, كما اتضح من المرات الثلاث السابقة, واخرها يبدأ طرحه في الأسواق في مطلع الشهر المقبل, لم يخفض أسعار البترول الخام, بل على العكس ظل السعر في ارتفاع مستمر الى ان بلغ مستويات قياسية لم يسجلها من عشرة أعوام. فهل يعني ذلك ان ارتفاع اسعار البترول يرجع بالضرورة الى نقص الامدادات في السوق؟ وهل يتوجب على منظمة الاوبك ان تقع في ذات الخطأ الذي وقعت فيه عام 1998 عندما رفعت الانتاج فانخفض السعر الى عشرة دولارات للبرميل؟ وهل تعني العلاقة الاستراتيجية بين بعض الدول الكبرى, القوية, ودول اعضاء في الأوبك ان تتخلى الأخيرة عن مصالحها الوطنية والاقتصادية لقاء هذه العلاقات؟ ان ارتفاع عجز الميزانيات والأثر الاقتصادي على الأمد الطويل لأسعار البترول الخام, الذي تعتمد على صادراته غالبية الدول الاعضاء في الأوبك من المؤكد سوف يكون الهاجس الرئيسي لدى زعماء أوبك في اجتماعهم اليوم, رغم تأكيدات المسئولين على ان هذه القمة لن تبحث مسألة الانتاج, بل سيكون بحثها في اجتماع وزراء اوبك في نوفمبر المقبل. الحل الامريكي المؤقت أثارت جهود الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لخفض أسعار البترول ردود أفعال متضاربة من زعماء منظمة (اوبك) الذين يشعرون ان هناك ضغوطاً عليهم لرفع الانتاج خلال قمتهم اليوم, الأولى منذ 25 عاماً. وقال النيجيري ريلوانو لقمان سكرتير عام الاوبك ان الدول الاعضاء لن تسمح بزيادة الانتاج بما يزيد عن حاجة السوق, لأنهم عندما فعلوا ذلك من قبل, انخفضت الاسعار الى 10 دولارات للبرميل ولم يأسف احد لذلك. وتصر فنزويلا الرئيس الحالي للمنظمة على ان هناك وحدة في قرارات ومواقف الدول الاعضاء في الاوبك, وانه لن يتم اتخاذ قرارات خاصة بالانتاج خلال هذه القمة التي تستمر حتى غداً الخمس. وقالت الدول الاعضاء ان قضية الانتاج سوف تكون محل بحث في اجتماع الاوبك في فيينا في نوفمبر المقبل. لكن بعض المراقبين غير واثقين من ذلك. فقد فضل رئيس المنظمة علي رودريجيز الاسبوع الماضي عدم الافصاح عما اذا كان زعماء الاوبك سوف يتخذون أي قرارات خاصة بالانتاج. واعترف رودريجيز بأن الاوبك تجاوزت الحصص الانتاجية بما يصل الى مليون برميل يوميا. وكان تعليق رئيس فنزويلا هوجو شافيز على اجتماع قمة الاوبك ان يد الله تباركها وان زعماء الاوبك سوف يجتمعون لمواجهة الشروط الجائرة للتجارة في ظل عصر العولمة. وقالت شافيز بشأن شكاوى الدول المستهلكة للبترول من ارتفاع الاسعار انه يتوجب على هذه الدول ان تخفض ايضا اسعار السلع التي تبيعها للدول المنتجة للبترول, فلماذا لا تفعل ذلك؟ ان يخفضوا اسعار الحواسيب الآلية والادوية والسيارات والفوائد على الديون ايضا, في لهجة ساخرة من طلب الدول الغنية بخفض اسعار البترول برغم ما يمليه السوق. رفعت أوبك انتاج البترول هذا العام الى 2.3 ملايين برميل يوميا في محاولة لاستقرار الاسعار, لكنها لم تنجح رغم ذلك, فلاتزال امدادات البترول بالكاد تكفي حاجة السوق, ويرجع ذلك الى قوة الاقتصاد الامريكي والانتعاش الاقتصادي في آسيا, فالانتعاش الاقتصادي يعني ان هناك مزيدا من الانتاج ومزيدا من استهلاك الطاقة وبالتالي ارتفاع الطلب على البترول مصدر الطاقة الرئيسي لكل البلدان الصناعية والمحرك الذي يدفع عجلات انتاجها, وبالتالي ايضا ترتفع الاسعار مع ارتفاع الطلب, حسب قواعد السوق التي يطبقها, بل يفرضها الغرب على الجميع. كما تلقي الاوبك باللائمة على الدول الغربية في ارتفاع اسعار الوقود بسبب ارتفاع ضريبة الوقود بكل أنواعه, خاصة زيت التدفئة الذي يمثل أهمية كبيرة للولايات المتحدة واوروبا خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وكل شتاء. ويكفي ان نذكر ان ضريبة الوقود في معظم الدول الغربية باختلاف اسمائها, تارة ضريبة البيئة, وتارة اخرى ضريبة استهلاك الوقود تصل الى 60% من السعر الاجمالي لكل لتر من انواع الوقود, ناهيك عن الاختناقات وعنق الزجاجة في مراحل تكرير البترول والشحن, التي تساهم ايضا في رفع الاسعار. غير ان هناك اختلافات في الرأي بين زعماء أوبك المجتمعين اليوم بشأن قرار الرئيس بيل كلينتون بضخ مليون برميل يوميا في الاسواق على مدى 30 يوما من الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي بهدف خفض الاسعار. وأشادت فنزويلا بهذه الخطوة وقالت انها سوف تؤدي الى انخفاض حاد في اسعار البترول خلال الاسبوع الجاري. واتفق لقمان معها في ذلك وقال ان هذا القرار سوف يساهم في اعتدال سوق البترول. لكن السعودية, أقرب الحلفاء للولايات المتحدة بين الدول الاعضاء في أوبك انتقدت القرار وقالت انه مجرد حيلة انتخابية طلبها آل جور المرشح للرئاسة. وقال مسئولون امريكيون ان السعوديين أبلغوهم بمدى غضبهم من هذا القرار. وقال العراق, صاحب ثاني أكبر احتياطي بترول في العالم, ان قرار كلينتون لن يؤدي الا الى خلل في السوق التي أطلق عليها سوقا (جشعة) . لكن ما يتفق عليه الاعضاء في منظمة اوبك هو ان يلاحظ المستهلكون الضرائب الباهظة التي تفرضها الدول الغربية على الوقود الذي يستخدمونه. فقال لقمان اذا كانت الدول المستهلكة تريد خفض الاسعار لمستهلكيها, فإن الصواب ليس فقط ان تطلب منا خفض أسعار البترول الخام وهو ما نفعله بزيادة الانتاج حقيقة, بل تخفض ضرائب الوقود ايضا. وقال رودريجيز في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار البترول بنسبة 41% من حيث القيمة الحقيقية منذ عام ,1991 رفعت دول الاتحاد الاوروبي ضريبة الوقود بنسبة 350 %. غير ان زعماء الدول الصناعية الاغنى في العالم, الذين يجتمعون في براغ في نهاية الاسبوع الجاري, رفضوا اقتراح خفض الضرائب على الوقود وأصروا على ان الحل الامثل هو رفع انتاج البترول الخام المطروح في السوق. ويخشى زعماء الاوبك ان تؤدي زيادة الانتاج الى خفض الاسعار كما حدث في عام ,1998 عندما وصل سعر البرميل الى 10 دولارات وادى بفنزويلا ذات الـ 23 مليون نسمة الى كساد كبير لايزالون يحاولون الخروج منه حتى الآن. تنتج الأوبك أكثر من 40% من الانتاج العالمي للبترول وتحوز الدول الاعضاء فيها نحو 75% من الاحتياطي العالمي للبترول. عودة الى قرار كلينتون ادى قرار الرئيس الأمريكي بطرح مليون برميل من البترول يومياً على مدى ثلاثين يوماً الى انخفاض الأسعار من المستوى القياسي الذي بلغته في الأيام الماضية من عقد من الزمان بطور قياسي أيضا من الانخفاض خلال ثلاثة أيام. ورغم ان طرح 30 مليون برميل من البترول خلال 30 يوماً يمثل أقل من واردات الولايات المتحدة من الخام لمدة اربعة أيام فقط, قال المحللون ان هذا القرار يشير الى عزم الولايات المتحدة على أن تثبت للمستهلكين ان هناك ما يكفى من زيت التدفئة لفصل الشتاء المقبل. وقال محللون للبترول في مؤسسة (سالمون سميث بارنى) في ملبورن ان هذا يمثل انخفاضاً في المخزون الاستراتيجي لكنه من ناحية اخرى له أثر نفسي على السوق. ويرسل هذا القرار اشارة هامة مفادها ان الحكومة الامريكية تريد ان تتجنب الشعور لدى المستهلكين بأن هناك نقص في زيت التدفئة. انخفاض الاسعار انخفض سعر البترول تسليم نوفمبر بنسبة 6.5% أو بمقدار 82.1 دولار للبرميل ليصل الى 86.30 دولاراً وهو ادنى سعر له منذ منتصف اغسطس في بورصة نيويورك. وانخفض سعر البترول الخام بنسبة 6.15% منذ الاربعاء الماضي, وهو اكبر انخفاض له في ثلاثة ايام منذ منتصف يناير 1991 عندما انخفضت الاسعار بنسبة 30% لدى قصف الحلفاء للعراق اثر احتلالها الكويت. وارتفع سعر البترول الخام إلى رقم قياسي بلغ 15.41 دولاراً للبرميل في منتصف اكتوبر 1990 بعد شهرين من غزو العراق للكويت. ولا يزال سعر البترول مرتفعاً بنسبة 23% خلال العام الجاري. وقد ارتفع السعر إلى 80.37 دولاراً للبرميل الاسبوع الماضي وهو ما لم يسجل منذ اكتوبر 1990 حتى عقب اعلان منظمة الاوبك انها سترفع الانتاج اعتباراً من اكتوبر المقبل, لثالث مرة هذا العام. مصافي البترول سجلت الاسعار في الولايات المتحدة, اكبر مستهلك للبترول المستورد, ارتفاعاً قياسياً. والارتفاع في اسعار منتجات البترول من وقود وزيت تدفئة وغيرها ترفع ايضا اسعار البترول الخام حيث تتسابق مصافي البترول على تأمين امداداتها من الخام للوفاء بالطلب المرتفع. وقال رورديجويز (رئيس اوبك) ان ارتفاع الاسعار (للخام) ترجع بالدرجة الاولى إلى ضعف قدرة التكرير الامريكية, وليس لنقص امدادات البترول في الاسواق. واضاف انه لا توجد مشكلة في امدادات البترول الخام في السوق, فهناك كميات كافية من البترول لكن ليس هناك طاقة تكرير كافية لاستيعابه. وانخفض سعر زيت التدفئة تسليم اكتوبر في الولايات المتحدة بمقدار 48.2 سنت او بنسبة 6.2% ليصل إلى 93 سنتاً للجالون نتيجة لقرار الرئيس الامريكي باستخدام المخزون الاستراتيجي. لكن السعر لا يزال مرتفعاً بنسبة 35% خلال العام الجاري مقارنة بالعام الماضي. كما انخفض ايضا سعر كيروسين التدفئة في اليابان حيث بلغ سعر الكيروسين تسليم نوفمير 60.32 يناً ياباني للكيلو لتر, اي بنسبة 7.2% او بمقدار 900 ين ياباني. الا ان السعر يرتفع بنسبة 42% خلال العام الجاري. شتاء دافىء هذا العام قال وزير الطاقة الامريكي بيل ريتشاردسون ان بلاده سوف تطرح 30 مليون برميل على مدى 30 يوماً (بمعدل مليون برميل يومياً) في السوق من المخزون الاستراتيجي للتأكد والاطمئنان ان تقضي كل العائلات الامريكية شتاء دافئاً هذا العام ولا تجد صعوبة في الحصول على زيت التدفئة. وقال ان الشركات التي تحصل على البترول سوف تعيده مع مكافأة ايضا, لذلك فإن خطة طرح هذا الخام سوف تفيد الامن القومي. يذكر ان المخزون الذي يبلغ 571 مليون برميل يكفي الاستهلاك الامريكي لمدة 38 يوماً. وترفض شركات البترول طرح الاحتياطي الاستراتيجي في السوق. وقال معهد البترول الامريكي في بيان الاسبوع الماضي ان الاحتياطي الاستراتيجي الذي اقره الكونجرس يهدف إلى مواجهة الحالات الطارئة من انقطاع الامدادات وليس الهدف منه استخدامه او استغلاله لخفض الاسعار ولا ينبغي ذلك بأي حال من الاحوال. تعمل المصافي الامريكية بنسبة 95% من طاقتها الانتاجية الاجمالية وليس امامها الا فرصة ضئيلة جداً لزيادة الانتاج. وسوف يصل الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي إلى مصافي البترول قبل وصول بترول الزيادة الانتاجية التي اقرتها منظمة الاوبك اعتباراً من اول اكتوبر بمقدار 800 الف برميل يومياً او بنسبة 4% من اجمالي الانتاج العالمي للبترول. وسوف تستغرق هذه الامدادات من زيادة انتاج الاوبك اربعة اسابيع قبل ان تصل بحراً إلى الولايات المتحدة. وقال محلل في سالمون سميث بارني ان هذا البترول (الامريكي) يقبع على ابواب مصافي البترول الامريكية وهو بترول عالي الجودة.