لأول مرة منذ تأسيسها قبل 40 عاما تأخذ منظمة (الأوبك) زمام المبادرة وتستعيد قوتها وتماسكها في وجه التحديات التي تفرضها الدول المستهلكة والتكتلات النفطية الصناعية العملاقة في الغرب وتبدو (الأوبك) , الآن اكثر تماسكا من ذي قبل, لانها نجحت في تحقيق مصالح شعوبها من جهة واعادة الاستقرار الى السوق العالمية والاقتصاد العالمي من جهة اخرى. ولاشك ان سياسات أوبك ـ وقراراتها الحاسمة والتزام دولها بكافة القرارات الوزارية اثار ذعر الدول المستهلكة والشركات الاحتكارية, لانها ساهمت في القضاء على الفائض في المخزون النفطي العالمي خلال فترة قياسية الامر الذي اعاد للأسعار هيبتها من جديد. ربما لهذه الاسباب انطلقت الصيحات والتهديات من عواصم الغرب الصناعي ـ ومن واشنطن بالتحديد ـ باتخاذ اجراءات رادعة ضد (اوبك), في حين ان المنظمة النفطية لم تكن هي المسئولة عن ارتفاع الاسعار للنفط الخام او الوقود في الدول الغربية. وبينما تتجه منظمة (الأوبك) نحو عقد ثاني قمة في تاريخها بمدينة كاركاس الفنزويلية يوم 27 الجاري فإن امامها فرصة تاريخية ايضا للحفاظ على مصالح شعوبها التي تعرضت لتأثيرات سلبية خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب جشع الدول المستهلكة والشركات المتعددة الجنسية. فالعالم ـ كما تشير التوقعات ـ مازال بحاجة الى الوقود بكل انواعه وسيرتفع الطلب العالمي على النفط بنسبة 1.4% حتى العام 2010 بسبب النمو الاقتصادي العالمي والازدياد السكاني الملحوظ, وهذا يتطلب قدرا اكبر من العمل الجماعي داخل (أوبك) لتقى مظلة تحمي مصالح الدول والشعوب النامية. تقلبات سوق النفط يقول عبيد بن سيف الناصري وزير النفط والثروة المعدنية ان اسواق الطاقة شهدت خلال السنوات الاخيرة تقلبات كبيرة اثرت بشكل ملحوظ على اقتصادات الدول المنتجة وكذلك الدول المستهلكة بسبب اساسيات السوق من عرض وطلب على الطاقة او بسبب تعرض اسواق الطاقة من حيث تأثرها بالاحداث العالمية. فعلى سبيل المثال شهدت الأسواق النفطية العالمية خلال السنوات الماضية حالة عدم استقرار وتذبذب في الاسعار فاقت توقعات الكثير من المحللين والمختصين في هذا المجال, فالتحسن الذي طرأ في الاسعار عام 1997.96 سرعان ما تلاشى عام 1998 وبداية 1999, فبعد ان كان معدل سعر البرميل لنفط سلة (اوبك) يعادل 30.29 دولار عام ,96 و18.68 دولاراً عامي 97 تراجع ليصل 12.28 دولاراً في عام في عام 1998, اما في بداية عام 1999 فقد استمر التدهور في الاسعار بسبب وجود فائض نفطي يفوق حاجة السوق الفعلية وانخفض السعر الى مستوى لم يبلغه أكثر من عشر سنوات, وهو أقل من 10 دولارات للبرميل في فبراير 1999. ولم يكن هناك خيار آخر أمام دول (أوبك) سوى اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة لوقف تدهور الاسعار, ويقول الوزير الناصري: منذ اتفاق دول (أوبك) في مارس 1999 بخصوص تخفيض الانتاج بهدف تعزيز واستقرار اسعار النفط, أخذت اسعار النفط وبقية مصادر الطاقة بالتحسن وواصلت ذلك ليتجاوز سعر برميل سلة (الاوبك) الـ 22 دولارا خلال سبتمبر 1999. وهذا يؤكد ان (الاوبك) تدافع ليس عن مصالح دولها فقط وإنما عن مصالح المستهلكين وأثبتت تعاونها خلال الاشهر القليلة الماضية حينما استجابت للنداءات العالمية والخاصة بزيادة حصصها من الانتاج النفطي لتهيئة ارتفاع الاسعار التي تجاوزت الـ 35 دولارا للبرميل وعملت على ضخ 4.2 مليون برميل اضافي يوميا خلال العام 2000 وهو ما يقرب الى 10% من الانتاج المشترك. وعلى الرغم من ان دول (الاوبك) قررت في اجتماعها الوزاري الذي عقد في فيينا في سبتمبر الحالي زيادة انتاجها اليومي بمعدل 800 الف برميل, الا ان الاسعار ظلت مرتفعة, ويفسر الخبراء ذلك بأن الدول المستهلكة تمر الآن بمرحلة تعويض النقص في المخزون الاستراتيجي التي تتزامن مع حلول فصل الشتاء مبكرا لهذا العام. بعض الخبراء بالغ في توقعاته حيث تخيل البعض وصول سعر البرميل الى 100 دولار, لكن هذه التوقعات هي مجرد خيال, لأن دول الاوبك لا تميل الى ارتفاع أسعار النفط بطريقة جنونية فهي مع السعر العادل الذي يحافظ على مصالح المنتجين والمستهلكين. يقول عبيد بن سيف الناصري ان التذبذب في اسواق الطاقة يضر بمصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء, لذا فإن احد أكبر مهام واهداف منظمة الاوبك هو محاولة المحافظة على استقرار أسواق النفط عند مستويات مقبولة, بحيث تضمن عائدات كافية للدول المنتجة وامدادات مستمرة للدول المستهلكة. وكان الوزير الناصري قد خاطب مؤتمرا نفطيا عقد في أبوظبي مؤخرا بقوله: ان السعر الذي يدور حول 22 دولارا للبرميل الواحد هو سعر معقول ويلبي حاجة المنتج والمستهلك في آن واحد, ويقول في الوقت نفسه: اذا أخذنا بعين الاعتبار عامل التضخم السنوي فإن أسعار النفط رغم تحسنها الحالي فإنها تعادل اسعار السبعينيات اي حوالي 4 دولارات للبرميل مما يجعل النفط من أرخص المواد الاولية رغم أهميته للاقتصاد العالمي. واقعية (أوبك) يقول تقرير لشركة (زادكو) النفطية بأبوظبي انه لكي نكون أكثر واقعية علينا العودة الى اجتماع وزراء الاوبك في فيينا في (21/6/2000) والذي نوقشت فيه أسعار النفط المرتفعة حيث وافقت المنظمة على زيادة الانتاج بواقع 708 آلاف برميل يوميا اعتبارا من أول يوليو الماضي, وهذا يشكل نسبة 1% فقط من معدل الطلب العالمي, وقد بدأت الحركة مباشرة بعد اجتماع شهر مارس حيث زاد الانتاج الى حوالي 7.1 مليون برميل يوميا. شعرت الأوبك حينها انها قدمت خدمة للعالم, ومع ذلك فقد ارتفعت الاسعار مباشرة عقب الاعلان, حيث أكد المحللون والتجار ان الزيادة ليست كافية لدرجة الايفاء بالطلب وارتفع مؤشر مكتب الموازنة في لندن (برنت كرود فيوتورز) 82 سنتا ليصل الى 15.30 دولارا للبرميل في اليوم التالي. من يتحكم بالأسعار؟ صحيح ان تسعير النفط يعتمد على عدة عوامل ولا يستطيع احد ان يتحكم فيه بشكل كامل, الا ان الالتزام الصارم باتفاق خفض الانتاج من قبل المنتجين من داخل وخارج منظمة الاوبك كان له الدور الاكبر في ارتفاع أسعار النفط الى 35 و36 دولارا للبرميل, الأمر الذي حدا بالدول المستهلكة وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية للتهديد باتخاذ اجراءات صارمة ضد منظمة (الأوبك) اذا لم تعمل على خفض الأسعار. والخبراء يعتبرون ان هذه التهديدات ظالمة لأن تسعير النفط من وجهة النظر الاحصائية يستغرق وقتا طويلا, حيث تلجأ جميع حكومات الدول المنتجة للنفط الى تعديل وسطي للسعر خلال فترة الـ 12 شهرا وتكون بالتالي ملتزمة بمتوسط تغيرات الاسعار السنوية, الشيء الذي يجعل هذه الاسعار اقل من تلك المعلنة المعرضة للانخفاض والارتفاع شهريا أو ربع سنوياً. الاتهامات الأمريكية ضد (أوبك) تعبر عن ضيق أفق وليست في محلها, وعلى ما يبدو أن مرشحي الرئاسة استغلوا مشكلة ارتفاع اسعار النفط لتحويلها الى قضية انتخابية. ثم هل يعقل ان يطالب بعض اعضاء الكونجرس الامريكي بسن قانون يسمح لوزارة العدل الأمريكية في التحقيق بشأن اوبك بدعوى انتهاكها للثقة. كبير الاقتصاديين في مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن (ليونيداس درولاش) يرد على الاتهامات الامريكية ويقول (ان السيطرة على اسعار النفط أشبه بمحاولة قيادة طائرة (جمبو) نفاثة عبر المحيط دون أي معدات, انك تنظر من النافذة وتأمل في الهبوط ان بوسعك ان تفعل ذلك ولكن المسألة تكون خطيرة للغاية) . ان دول الاوبك التي تمتلك 75% من احتياطيات النفط المعروفة في العالم وتسيطر على 60% من امدادات النفط في العالم تقف الى جانب استقرار السوق العالمية ويهمنا بالدرجة الأولى الوصول الى أسعار متوازنة خوفاً من الوصول الى مرحلة الركود الاقتصادي العالمي, إلا ان دول الأوبك لاتسيطر على سيكولوجية أسواق السلع العالمية, وقد تعثرت قرارات الأوبك مرات عديدة لان الأسواق لم تكن راغبة في ان تحذو حذوها, وقد حدث ذلك مؤخراً بعد قرار أوبك في شهر يونيو 2000 بزيادة الانتاج فخلافاً لقوانين الامداد والطلب فان زيادة الانتاج سببت بالفعل زيادة اسعار النفط الخام لان السوق توقعت من النفط أكثر مما حصلت عليه, وعلى الرغم من قرار أوبك الأخير بزيادة الانتاج بمعدل 800 ألف برميل اضافي إلا ان الأسعار آخذة في التصاعد الأمر الذي يعني ان المنظمة النفطية تبذل جهوداً استثنائية لوقف ارتفاع الاسعار. انعكاسات ايجابية يتوقع الخبراء ان تحقق دول اوبك بوجه عام ايرادات عالية بسبب ارتفاع أسعار النفط, ويعتقد الدكتور محمد العسومي رئيس البحوث الاقتصادية بمصرف الامارات الصناعي بأن دول مجلس التعاون الخليجي الاعضاء في (أوبك) حققت نسب نمو جيدة في عام 1999 وتجاوزت بعض الصعوبات التي نجمت عن انخفاض اسعار النفط عام ,1998 فقد ادى ارتفاع متوسط سعر برميل النفط بنسبة 42% في العام الماضي مقارنة بعام 1998 الى زيادة الايرادات النفطية لدول مجلس التعاون, حيث ادى اتفاق منظمة (أوبك) الخاص بتخفيض الانتاج الى اعادة التوازن لسوق النفط العالمية وارتفاع الاسعار. ويقول مصرف الامارات الصناعي في دراسة حديثه له ان دول مجلس التعاون وضعت موازناتها السنوية لعام 1999 على أساس معدل يبلغ سعر 10 دولارات للبرميل, ونظراً لكون الموازنات السنوية لدول المجلس مازالت تعتمد وبنسبة الثلثين في ايراداتها العامة على العائدات النفطية فان ارتفاع الاسعار عن التوقعات الواردة في الموازنات السنوية والتي اعتمدت في بداية ,1999 ساهم في خفض العجز المعلن في هذه الموازنات. وحسب الدراسة فان موازنات العام الجاري ارتفعت بنسبة 12% لتصل الى 84 مليار دولار مقابل 75 مليار دولار في عام 1999 حيث وضعت كافة دول مجلس التعاون موازناتها السنوية لعام 2000 على أساس متوسط سعر يبلغ 15 دولاراً للبرميل. وعلى هذا الأساس توقعت ان ينخفض العجز الاجمالي لدول المجلس في موازنات عام 2000 بنسبة 20% ليبلغ 16 مليار دولار مقابل 20 مليار دولار عام 1999 ولكن بعد ارتفاع اسعار النفط الى 34 دولاراً للبرميل ستغير الكثير من الأمور بسبب الارتفاع الكبير المتوقع في ايرادات دول مجلس التعاون الخليجي. ويتوقع الدكتور هنري عزام المدير في مجموعة (ميدل ايست كابيتال) ان ترتفع ايرادات دول مجلس التعاون من النفط الى 125 مليارا في العام 2000 بسبب ارتفاع الاسعار مقابل 81 مليار دولار عام 1999 و60 مليارا عام ,1998 وهذا يعني ارتفاعا كبيرا في الايرادات العامة في الموازنات السنوية لدول المجلس والقضاء على العجز نهائياً وتحقيق نمو اقتصادي مرتفع بنسبة لاتقل عن 20% ولذلك يتوقع الخبراء ان يكون مجمل هذه التطورات انعكاسات ايجابية على الاوضاع الاقتصادية بدول مجلس التعاون في العام الجاري والعام 2001 لان ارتفاع أسعار النفط وزيادة الانفاق الحكومي سيؤديان الى تنشيط القطاعات الاقتصادية غير النفطية وإتاحة الفرصة أمام تنفيذ مشاريع تنموية بهدف تنويع القاعدة الانتاجية لتنويع مصادر الدخل القومي. ابوظبي ـ د. جمال المجايدة