تباينت ردود الافعال حول قرار الرئيس الامريكي بيل كلينتون بطرح 30 مليون برميل نفط من المخزون الاستراتيجي الى الاسواق على مدى ثلاثين يوماً. فقد اعلنت الكويت عن (ترحيبها التام) أمس باستخدام الاحتياطات الاستراتيجية الامريكية للنفط اذا ادى هذا القرار الى تثبيت الاسعار. وقال وزير النفط الكويتي الشيخ سعود ناصر الصباح ان (استخدام الولايات المتحدة للاحتياطي الاستراتيجي هو قرار امريكي سيادي. واذا كان هذا القرار يؤدى الى تثبيت الاسعار فنحن نرحب به. ونأمل في ان تستقر الاسعار. واضاف الوزير الكويتي (نحن حاولنا قدر الامكان وطالبنا بكل ما في وسعنا بزيادة الانتاج وتخفيض الاسعار التي اصبحت تفوق كل ما كنا نتصوره) . وقد قررت منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) خلال اجتماعها الوزاري في فيينا في 10 سبتمبر زيادة انتاجها 800 الف برميل يوميا لوقف ارتفاع الاسعار. ورحبت رئاسة الحكومة البريطانية بقرار الرئيس الأمريكي في الوقت نفسه رفضت الحكومة الالمانية الدعوة التي اطلقها مسئولون من الاتحاد المسيحي الديمقراطي المعارض, لاستخدام الاحتياطي النفطي في البلاد على غرار الولايات المتحدة. وقال متحدث باسم وزارة الاقتصاد انه لا يمكن استخدام الاحتياطي النفطي سوى في حال نقص الامدادات, الامر غير الحاصل في الاسواق العالمية حاليا. وطبقا للامر السائد في دول الاتحاد الاوروبي, اضاف المتحدث ان الاحتياطي يكفي البلاد مدة 90 يوما اي ما يوازي حجمه 24.1 مليون طن من النفط الخام. وقال مسئول الكتلة البرلمانية في الاتحاد المسيحي الديمقراطي جونر اولدال للصحيفة (لقد رفعنا مذكرة قبل سنة تطالب السماح ببيع الاحتياطي النفطي لانه يتعين على الدولة عدم تخصيص قدرات مالية بهذا الحجم) . من جهته رأى رئيس اللجنة الاقتصادية البرلمانية ماتياس ويسمان (معارض) ان الاقتراح (يستحق الدرس) . واضاف ان اجراء كهذا لا يعتبر خطوة استراتيجية في حال تقدمت الدول الصناعية الكبرى سوية, وبالتالي سيكون من الممكن تجنب ردود فعل من (اوبك) . وفي المقابل, رفض مسئول فيا لحزب الليبرالي فكرة استخدام الاحتياطي الاستراتيجي معتبرا انه (اجاء شعوبي) . وقال تجار نفط ومحللون ان القرار يمثل هزة قوية على المدى القصير إلا انها كافية للسيطرة من جديد على اسعار النفط الجامحة. ويساعد سحب 30 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي على مدى 30 يوماً على خفض الاسعار من اعلى مستوياتها في عشرة أعوام التي سجلتها في الآونة الاخيرة بما يكفي لتشجيع شركات النفط على تعويض مخزونها المتناقص. وتوقع تجار ان ينخفض سعر النفط الخام بشدة عند استئناف التعاملات الالكترونية بعد ظهر اليوم مقارنة بسعر الاقفال أمس الأول 65.32 دولاراً للبرميل. ونزلت الاسعار بالفعل من مستوياتها القياسية في فترة ما بعد حرب الخليج والتي بلغت يوم الاربعاء الماضي 80.37 دولاراً للبرميل. وقالت سارة اميرسون من انيرجي سيكيوريتي اناليسيس في بوسطن (سيكون له تأثير كبير في خفض سعر الخام اذ يعني ان منتجا اخر يضخ مليون برميل يومياً) . وقال نعمان بركات من بنك ابن امرو (انه رقم كبير. أكبر من توقعات السوق ومن حيث الانتاج الاضافي الفعلي ربما يكون اكبر من الزيادتين الاخيرتين لأوبك مجتمعتين) . وشكك بعض المحللين فيما اذا كانت هذه الخطوة ستساعد على خفض اسعار زيت التدفئة في الولايات المتحدة هذا العام. كما حذروا من ان النفط المعروض سيكون عرضة للتأثر حتى بتوقف محتمل للامدادات العراقية التي تمثل اربعة بالمئة من الامدادات العالمية لفترة وجيزة. والكمية الجديدة التي تطرح قبل الأول من نوفمبر كما اعلن وزير الطاقة الامريكي بيل ريتشاردسون تهدف الى اخراج أسواق النفط من الدائرة المفرغة التي ادت الى استمرار ارتفاع اسعار الخام دون توقف على مدار عام ونصف العام. وقالت وزارة الطاقة انها ستطلب من شركات النفط تقديم عطاءات لشراء النفط يوم الاثنين وتابعت ان بعض هذه الكميات يمكن ان تصبح في متناول الشركات بداية من التاسع من أكتوبر المقبل. وتطرح الامدادات الجديدة في نفس الوقت الذي تصل فيه الى الأسواق الزيادة المتفق عليها في انتاج اوبك في وقت سابق هذا الشهر وقدرها 800 الف برميل يوميا ومن شأن ذلك ان يوقف عمليات الشراء للمضاربة التي كانت سببا للارتفاع المستمر لأسعار النفط. وقال بركات (الحفل يمكن ان ينتهي بالنسبة لمن يحتفظون بمخزون كبير إلا اذا حدثت مفاجأة من صدام حسين) . وقال متشككون في جدوى القرار ان الانخفاض المحتمل في اسعار النفط قد يؤدي الى تردد الشركات في شراء الخام اذ انها لن ترغب في الشراء والاسعار آخذه في الهبوط. وقال اخرون ان طرح كميات من الاحتياطي الاستراتيجي لن يساعد كثيراً على تحسين مخزون وقود التدفئة اذ يقل نحو 25 مليون برميل أو نحو الثلث عن مستواه في العام الماضي. ومع ارتفاع اسعار زيت التدفئة والمنتجات الاخرى في الولايات المتحدة فان المصافي تنتج بأقصى طاقة لتحقيق مكاسب كبيرة مما لايترك مجالا لرفع الانتاج حتى وان كانت هناك كميات اضافية متاحة من الخام. ويجب نقل الخام وتكريره ثم توزيعه قبل ان يساعد في رفع مخزون زيت التدفئة. وأضاف البعض ان انخفاض الاسعار في الولايات المتحدة لن يساعد على وقف صادرات زيت التدفئة من الولايات المتحدة الى السوق الأوروبية التي تواجه نقصا. وقال معهد انيرجي سيكيوريتي اناليسيس (السحب من الاحتياطي النفطي سيخفض اسعار الخام وهو بدوره سيخفض سعر زيت التدفئة للمستهلك ولكن لن يكون له تأثير يذكر على الصفقات بين ميناءي نيويورك وروتردام وهذا هو جوهر المشكلة. قد تتفاقم المشكلة اذا ادى السحب من الاحتياطي الاستراتيجي الى انخفاض خام تكساس الوسيط أكثر من خام برنت) . فيما استقبل خبراء آخرون القرار بشىء من التفاؤل المشوب بالحذر وسط تضارب التوقعات لاثر هذا القرار على السوق. في الوقت الذي رأى فيه البعض ان هذا القرار سوف يهدىء من الاسعار في السوق العالمية للبترول حيث وصل سعر البترول امس الاول إلى 65.32 دولارا للبرميل بعد ارتفاع قياسي بلغ 80.37 دولاراً يوم الاربعاء الماضي, رأى البعض الآخر ان طرح هذه الكمية في الاسواق لن يكون له التأثير الكبير السريع في خفض الاسعار حيث ان الشركات لن تريد شراء البترول وتخزين في الوقت الحالي توقعاً لانخفاض الاسعار. لكن المؤكد ان تزامن تطبيق هذا القرار الامريكي مع تطبيق قرار الاوبك بزيادة الانتاج بمقدار 8000 برميل يومياً سوف يكون له اثر على اسعار البترول الجامحة وان لم يكن اثراً فورياً. لكن الامر لا يتعلق بالبترول الخام فقط, لأن مصافي زيت التدفئة الامريكية تعمل بكامل طاقتها حالياً من اجل توفير الكميات المطلوبة لاستقبال فصل الشتاء, وليس هناك مجال لرفع الانتاج, لذلك قد يظل سعر زيت التدفئة مرتفعاً. ومن ناحية اخرى فإن صادرات زيت التدفئة الامريكي إلى اوروبا لن تتوقف او تنخفض لان هناك نقصاً شديداً في اوروبا ايضا. ويعيد ارتفاع سعر البترول إلى الاذهان ذكريات سابقة قد يعتبرها الغرب أليمة. فهناك اربع دورات من ارتفاع الاسعار منذ السبعينات هي العام 1973/1974 والعام 1979/1980 والعام ,1990 ثم العام الجاري. وقد تسبب ارتفاع اسعار البترول في المناسبتين الاوليين في حدوث انخفاض في نمو الاقتصاد العالمي, فهل تكون هذه المرة مختلفة عن المرات السابقة؟ لقد ادى النمو الاقتصادي القوي إلى تزايد الاعتماد على البترول وارتفاع الطلب عليه. وتشكل اعراض موجات ارتفاع اسعار البترول ضغوط كبيرة على البورصات وبعض المنتجات وارتفاع الاسعار عموماً لكن ما يثير التفاؤل ان هناك اسباباً تدعو للاعتقاد بأن العواقب الاقتصادية لارتفاع اسعار البترول يحتمل ان تكون تحت السيطرة, على الاقل مقارنة بموجة الارتفاع في السبعينات. اولاً ان الاسعار الحقيقية للبترول لا تزال منخفضة. فقد كانت الاسعار في آواخر 1998 منخفضة من حيث القيمة الحقيقية اكثر من اي وقت خلال السبعينات. حتى الآن فإن السعر الحقيقي للبترول )بعد حساب التضخم( يعتبر اقل من ثلث السعر في ذروة الارتفاع عام 1979 ويزيد فقط بنسبة 50% مقارنة بأي وقت خلال العقد الماضي. ومن المعقول ان تعود اسعار البترول إلى مستويات الطبيعية. ثانياً ان الدول ذات الدخول المرتفعة لا تعتمد كثيراً على البترول بقدر ما كانت تعتمد عليه من ثلاثة عقود. فقد انخفضت واردات البترول بالنسبة لكل وحدة من اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول إلى النصف تقريباً وانخفض استخدام البترول لكل وحدة بمقدار 40%. ثالثاً الظروف الخاصة بالتضخم مختلفة تماماً عما كانت عليه من قبل. فهناك طاقةا نتاجية اكبر ومكثفة في كل من اوروبا واليابان هذه المرة. والاكثر من ذلك انه مع التزام البنوك المركزية باستقرار الاسعار لن يحدث ارتفاع هائل في تكلفة الاجور كما حدث من قبل. غير انه لا يمكن انكار اثر ارتفاع اسعار البترول على الاقتصاد )لمختلف الدول المستوردة له( حتى الآن ويقول صندوق النقد الدولي ان استمرار ارتفاع اسعار البترول بمقدار خمسة دولارات للبرميل فوق مستوى 25 دولاراً للبرميل سوف يرفع قيمة واردات البترول للدول ذات الدخل المرتفع بمقدار 40 مليار دولار او بنسبة 2.0% من اجمالي ناتجها المحلي. وفي كثير من الدول النامية سوف تتأثر الموازين التجارية ويرتفع عجزها بنسبة 5.0% من اجمالي الناتج المحلي. وسوف ينخفض معدل النمو في الدول ذات الدخول المرتفعة بنسبة 2.0% في العام التالي, فيما يزيد معدل التضخم السنوي بين 2.0 و4.0%. واذا ظلت الاسعار اعلى من المستوى المذكور سوف يكون تأثيرها اكبر من ذلك, لكن هذا الاحتمال ضعيف حتى الآن. وما يثير التفاؤل ايضا ان منظمة الاوبك تهدف إلى ان يتراوح سعر البرميل بين 22 و28 دولارا, ويتفق هذا الهدف مع القرارات الاخيرة برفع الانتاج, كما ان السعودية تستطيع رفع انتاجها بمقدار مليوني برميل يوميا اذا ارتفعت الأسعار أكثر من ذلك, رغم انها تواجه ايضا ضغوطا برفع انتاجها من اجل عدم انخفاض الاسعار بشكل لا يتفق ومصالح الاوبك. والمحصلة في كل هذه العناصر والآراء المختلفة ان القرار الأمريكي باستخدام 30 مليون طن من الاحتياطي الاستراتيجي سوف يكون له تأثيره على خفض الاسعار, واذا لم يكن هذا التأثير فوريا, لكن هناك عوامل اخرى مساعدة تشير الى احتمالات قوية لحدوث الاستقرار في الاسعار على المدى المتوسط. وأجمع خبراء ومحللون نفطيون على ان قرار الولايات المتحدة بسحب 30 مليون برميل خلال شهر اكتوبر من احتياطيها الاستراتيجي البالغ 571 مليونا وضخه في الاسواق لن يؤتي ثماره اذا ما استمرت المضاربات التي تشهدها الاسواق حاليا. وأكد هؤلاء ان الوضع الراهن في أسواق النفط مايزال حرجا ومعقدا للغاية بسبب المستوى الضئيل الذي آلت اليه الاحتياطيات والمضاربات المستثمرة التي تميز السوق حاليا. وقال توم بينتز المحلل بمؤسسة (بي.ان.بي باريباس) ان اطلاق جزء من الاحتياطي يعد أمرا طيبا تحتاجه الاسواق منذ فترة مشيرا في الوقت ذاته الى ان تلك الكمية لن تصل فعليا الى السوق قبل شهر نوفمبر المقبل. واستطرد بينتز اذا لم يكن هذا العام هو موسم الانتخابات الرئاسية فإنني لا اعتقد اننا كنا سنرى هذا النفط (أي الكمية التي سيتم سحبها من المخزون) وأكاد اجزم ان الدافع سياسي وراء هذا القرار. ومن ناحيته قال إي.دي ماران المحلل بمؤسسة (ايه.جي ادواردز) انه بالرغم من كون الكمية التي تم سحبها تزيد على توقعات الاسواق الا انه من غير المتوقع ان تؤثر بشكل مباشر على امدادات وقود التدفئة حيث ان المصافي الامريكية تعمل بكامل طاقتها حاليا. وأضاف ان الوصول الى هدف تخفيض اسعار الخامات سيزيد من المنتجات المكررة في اوروبا وهو ما سيتيح بشكل غير مباشر وجود كميات من زيت التدفئة المتاح للتصدير الى الاسواق الامريكية. وأكد ماران ان الحصول على أسعار منخفضة للنفط الخام سيساعد في تحسين الاوضاع بالنسبة لوقود التدفئة على المدى البعيد. ومن المعروف ان صناعات النفط والغاز الامريكية منحت 5.21 مليون دولار لفرسي الرهان في الانتخابات الرئاسية واستأثر الجمهوري جورج بوش بنصيب الاسد منها حيث حصل على 7.16 مليون دولار بنسبة 78% من الاجمالي وذلك بخلاف 8.3 ملايين دولار لبوش و269 الفا لجور حصلا عليها من مؤسسة عاملة في قطاع الطاقة. وقلص التدخل المفاجىء من الحكومة الامريكية بالضخ الى الاسواق من الاحتياطي الاستراتيجي احتمالات لجوء الاوبك الى زيادة انتاجها من جديد لخفض اسعا رالنفط التي وصلت الى أعلى مستوياتها منذ عشر سنوات. وكانت المنظمة التي تتحكم في 40% من امدادات النفط العالمية قد زادت سقف انتاجها بواقع 800 الف برميل يوميا في اجتماعها الوزاري الذي عقد في العاشر من الشهر الجاري على ان تبدأ تلك الزيادة من اول اكتوبر المقبل. كما وصف راديو فرنسا الدولي امس بأنه قرار استراتيجي على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. وأوضح الراديو ان البعد الاستراتيجي الاقتصادي للقرار ينبع من كونه ادى الى انخفاض سعر برميل البترول بنحو خمسة دولارات اما عن البعد الاستراتيجي السياسي للقرار فيرجع الى اتخاذه في خضم الحملة الانتخابية الامريكية. فقد وصف المرشح الجمهوري جورج بوش القرار بأنه مناورة سياسية معربا عن اعتقاده بأن الاحتياطي الاستراتيجي للنفط الامريكي هو بمثابة بوليصة تأمين يتم السحب منها في حالة وجود انخفاض مفاجىء للمخزون من الطاقة أو في حالة الحرب مثلما حدث خلال حرب الخليج. غير ان منافسه الديمقراطي في الانتخابات آل جور اتهم جورج بوش بأنه يهاجم قرار الرئيس كلينتون دفاعا عن مصالح كبرى شركات البترول فقط. وأكد وزير الطاقة الامريكي ان القرار لم يكن بغرض خفض سعر البترول وإنما لتلافي حدوث أزمة في تموين المستهلكين بحاجتهم من النفط ومشتقاته.