تحولت قضية ارتفاع اسعار النفط الى مسألة انتخابية ساخنة في السباق الرئاسي في الولايات المتحدة. فلدينا (مقلوبة) هنا بسبب مستويات اسعار الخام الحالية حتى بات الامر يصور في بعض الدوائر وكأنه تهديد مباشر لاستقرار الاقتصاد الامريكي, ولمعدلات نموه المرتفعة التي تتحقق في الآونة الاخيرة. وكان لابد لذلك من ان ينعكس بطبيعة الحال على المعركة الانتخابية, فأسفر عن تبادل علني للقصف بين معسكري آل جور وجورج بوش, ومن ثم المزيد من تعبذة المشاعر حول مفاهيم مبسطة, قد يكون أكثرها رواجا الآن هو مسئولية دول اوبك عن ارتفاع الاسعار. وواقع الحال ان الاسعار لم ترتفع اصلا, اذ انها اقل الآن مما كانت عليه عام 1980 مثلا. بل اننا لو رصدنا معدلات ارتفاع اسعار السلع المصنعة مثل السيارات او الثلاجات منذ 1973 وحتى الآن, وطبقنا نفس هذه المعدلات ـ بلا زيادة او نقصان ـ على اسعار برميل النفط منذ نفس العام, لوصلنا الآن الى سعر يتجاوز الـ53 دولارا للبرميل الواحد, بافتراض تطبيق (معاملة عادلة) بين سعر السيارات والثلاجات من جهة, وسعر برميل النفط من جهة اخرى. رغم ذلك فإن السعر الآن هو 38 دولارا للبرميل, اي ان معدلات التضخم التي طبقتها الدول الصناعية على اسعار السلع المصنعة تزد كثيرا عن المعدلات التي طبقت على سعر البترول. ولكننا لم نسمع من الدول التي تستورد تلك السلع المصنعة ذلك الصراخ الذي نسمعه الآن من الدول المستوردة للنفط. وهو صراخ بالفعل, إلا انه تحول ـ في لغة الانتخابات ـ الى صدام بين سياستين. الاولى اقترحها آل جور ومفادها اخراج دفعات من الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي مقدار كل منها نحو 5 ملايين برميل وذلك بهدف زيادة العرض لمنع الاسعار من القفز مجددا الى اعلى. اما السياسة الثانية فقد اقترحها جورج بوش وهي تستند على امرين, الاول هو مقاومة اي استخدام للاحتياطي الاستراتيجي, باعتباره (بوليصة تأمين) ضد التهديدات والمفاجآت والحروب الاقليمية غير المتوقعة, والثاني هو وضع (سياسة طاقة) متماسكة للولايات المتحدة ترتكز على زيادة كميات النفط الخام الذي يستخرج في بلاد العالم المختلفة, ومنها الولايات المتحدة. وتحيط بالموقفين (حالة) من الاراء المتباينة, بعضها يطالب بمعاقبة دول اوبك تجاريا باعتبارها تشكل ما ينطبق عليه وصف (الكارتل) الذين يتحكم في الاسعار عن طريق تحكمه في الانتاج, وبعضها يطالب بتخفيف قيود حماية البيئة التي تطبقها الولايات المتحدة والتي تمنع شركات النفط من استخراج كميات مناسبة من احتياطي النفط الهائل في امريكا الشمالية والذي لايزال في اقبيته الصخرية تحت الارض. وعلى الرغم من ان المؤسسات الحكومة الامريكية المعنية بقضايا الطاقة مثل وزارة الطاقة او مجلس الامن القومي او وزارة الخزانة كانت تعارض من قبل اي استخدام (تكتيكي) للاحتياطي الاستراتيجي, إلا ان هذا الموقف تبدل الآن. فوزير المالية لورنس سمرز الذي وضع مذكرة بليغة قبل شهور قليلة يبرهن فيها ان الافراج عن اي قدر من الاحتياطي هو خطيئة لا تغتفر, وافق الآن على اقتراح آل جور. ووزير الطاقة بيل ريتشاردسون انضم بدوره الى قافلة الموافقين. اما حاكم تكساس جورج بوش فإنه يقف الآن وحيداً امام قرار يبدو انه قادم على اي حال, ان قرار استخدام قدر من الـ570 مليون برميل التي تخزنها الولايات المتحدة في كهوف ملحية بالقرب من ساحلها المطل على خليج مكسيكو. وبالامكان دائما معارضة بوش في هذه المسألة وتأييده في تلك, كما ان بالامكان الموافقة مع جور في امر, ومخالفته في آخر, ولكن المنطق وحده يبرهن على ان موقف حاكم ولاية تكساس هو الاقرب الى آليات عمل صناعة النفط وقوانين أسواقها المتقلبة. ذلك ان استهلاك الولايات المتحدة من النفط الخام يصل الى 20 مليون برميل يومياً تقريباً, واضافة (دفعات) كل منها 5 ملايين برميل ـ كما يقترح آل جور ـ يمكن ان تؤدي الى انخفاض محدود, اولاً, ومؤقت, ثانياً في اسعار البترول انه علاج بالمسكنات, اذ لن يفيد هذا الولايات المتحدة, ولكنه سيفيد بالتأكيد حملة جور الانتخابية. يُقال الان ان الرئيس بيل كلينتون تردد في اقتراح سيادة الامم المتحدة على المواقع المقدسة في القدس خوفاً من ان يؤثر ذلك سلباً على حملة هيلاري كلينتون في نيويورك التي يلعب فيها الصوت اليهودي دوراً حاسماً. وعلى نفس النحو ـ من حيث المغزى ـ فإن آل جور يذهب الى منحى قد لايكون مفيداً للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وذلك بسبب حسابات آنية ذات طابع مؤقت. وواقع الحال ان قيود حماية البيئة تصل في الولايات المتحدة في بعض الاحوال الى مستويات بالغة التعسف, بل وتدعو للسخرية احياناً.. من الضروري في اي مكان وفي اي وقت حماية البيئة التي نعيش فيها, إلا ان الافراط في ذلك يصبح درباً من دروب الدعوة الى العودة الى مجتمعات الغابة البدائية, لا سيارات, لاتكييف, لاهواتف.. انها كلها نتاج لمصانع تستهلك وقوداً يؤدي الى توسعة ثقب الاوزون. هناك خلاف لجعل اسعار النفط تنمو بمعدلات مقبولة ومعقولة, الاول هو التفاوض المباشر بين الدول الصناعية الاساسية وكبار مصدري البترول لوضع نسق معين يربط العرض بالطلب, ولمخاطبة مصادر الشكوى لدى الجانبين, كل من الآخر, والثاني هو زيادة كميات النفط المنتجة عالمياً وذلك بالتخلي عن البدع التي راجت خلال العقود الاخيرة, من نوع فرض العقوبات النفطية على كل من هب ودب من دول العالم, والمبالغات القانونية المضحكة احياناً في قيود حماية البيئة, مع التمسك ـ رغم ذلك ـ بحمايتها على نمو فعال لايضر بمعدلات النمو الاقتصادي العالمي. ولكن آل جور لم يتحدث عن اي من هذين الامرين. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز