ارتفعت اسعار البترول إلى مستويات قياسية لم تصل اليها من عشر سنوات بسبب نداءات من الرئيس العراقي صدام حسين للدول المنتجة للبترول بعدم الخضوع لطلبات الدول الغربية بزيادة الانتاج لخفض الاسعار. بلغ سعر البترول 10. 37 دولاراً للبرميل لاول مرة من اكثر من عقد من الزمان. لم يكن الرئيس العراقي صدام حسين حتى وقت قريب يعلق على اسعار البترول لكن تصريحاته الاخيرة سببت قلقاً وتوتراً في سوق البترول, الذي يخشى ان تستغل العراق موقفها كمصدر للبترول إلى الغرب بصفة عامة وبالنسبة للولايات المتحدة بصفة خاصة, كسلاح لاكتساب تنازلات سياسية. يقول خبراء البترول ان اي توقف في صادرات البترول العراقية في وقت تصل فيه كميات المخزون الاستراتيجي لدى الدول الغربية إلى اقل مستوياتها سوف يسبب بلبلة وقلقاً كبيراً في الاسواق وقد تضطر الولايات المتحدة إلى استغلال المخزون الاستراتيجي ومطالبة السعودية باستغلال كل طاقتها الانتاجية لزيادة الانتاج. وكان رد فعل سوق البترول في الفترة الاخيرة قوياً جداً لتقارير افادت بأن العراق قد يستغل انتاجه الذي يصل إلى ثمانية ملايين برميل يومياً لاهداف سياسية. وقد اثارت ايضا اتهامات العراق الاخيرة ضد الكويت بسرقة بترولها توتراً كبيراً في الاسواق العالمية. وقال احد خبراء البترول انه لابد من اخذ تصريحات الرئيس العراقي على محمل الجد عندما يعلق بنفسه على قضية ما ولا يتركها للوزراء مثلاً واتهم صدام حسين ايضاً الدول الغربية بانها تحكم قبضتها على الدول المنتجة للبترول من اجل مزيد من السيطرة عليها. وحذر الخبير البترولي من الافراط في الاعتماد على السعودية وحدها وقال انها لا تستطيع ان تفي بالطلب العالمي بمفردها رغم انها تستطيع زيادة انتاجها الحالي. وقد ارتفعت اسعار البترول إلى هذه المستويات القياسية رغم تأكيدات من السعودية بأنها لن تنتظر اجتماع الاوبك المقبل في نوفمبر لتضخ مزيداً من البترول في الاسواق اذا ظلت الاسعار بهذا الارتفاع الجنوني. تأثير ارتفاع اسعار البترول على آسيا تضاربت التقارير حول تأثير ارتفاع اسعار البترول على آسيا حيث قال بعض الخبراء ان الارتفاع في الاسعار بدأ يظهر تأثيره على الدول الآسيوية المستوردة للبترول. وفي الوقت نفسه توقع بنك التنمية الآسيوي ان تسجل الدول الآسيوية نمواً كبيراً خلال العام الحالي قد يصل إلى 9. 6% سنوياً مقارنة بالعام الماضي, برغم الارتفاع القياسي في اسعار البترول. يقول بعض الخبراء ان ارتفاع تكلفة الطاقة تثير مخاوف ان النمو الآسيوي قد يتباطأ في الوقت الذي تخرج فيه المنطقة بالكاد من آثار الازمة المالية الآسيوية لعام 1997 و1998. ويقول هذا الفريق ان البورصات الآسيوية انخفضت بشكل كبير خلال الايام القليلة الماضية لاسباب منها القلق بشأن ارتفاع اسعار البترول الذي سيؤثر سلبياً على ارباح الشركات ويعزز من احتمالات ارتفاع معدلات التضخم ويجبر البنوك المركزية الآسيوية على رفع اسعار الفائدة والحد من النمو. وقد يتبنى وزير المالية الياباني هذا الرأي حيث قال ان وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة السبع الدول الصناعية الكبرى سوف تبحث اثر ارتفاع اسعار البترول خلال اجتماعهم في براغ. وقال ديفيد فرنانديز الخبير الاقتصادي في جي.بي مورجان في سنغافورة ان الطلب العالمي تأثر بوضوح بسبب ارتفاع اسعار البترول, مما اثار قلقاً لدى الدول النامية والصناعية الصاعدة في آسيا لاسباب اهمها ان ورادات الولايات المتحدة واوروبا واليابان من دول آسيا سوف تنخفض او تبطىء. لكنه قال ان هذا غير محتمل الحدوث في الوقت الحالي, لكنه بالنسبة لمنطقة تعتمد بهذا الشكل على الصادرات, فإن هناك خطرا كبيراً يحدق بالدول الآسيوية من جراء ارتفاع اسعار البترول. وغالبية النمو في الطلب على البترول, والذي رفع اسعاره إلى مستويات قياسية لم تتحقق من عشر سنوات, باستثناء التوترات في منطقة الخليج, هو الطلب الاسيوي عليه, لان آسيا تضطر لاستيراد معظم حاجتها من البترول. وقد ساهم التحول السريع إلى الصناعة والتصنيع في آسيا في ارتفاع نصيبها من الاستهلاك العالمي للبترول ليصل إلى 17% مقابل 11% عام 1990. ويقول بيل بيلشر كبير خبراء الاقتصاد في مكتب ميريل لينش في سنغافورة انه اذا وصل متوسط اسعار البترول إلى 33 دولاراً للبرميل العام المقبل فقد يخفض النمو السنوي لبعض الدول الآسيوية بنسبة 1 ـ 5. 1%, وبنسبة 5. 0% بالنسبة للمنطقة الآسيوية بالكامل. لكنه يقول ان أثر ارتفاع الأسعار على آسيا لن يكون متساويا لأن دولا مثل اندونيسيا وماليزيا وبروناي تصدر البترول فقط لذلك سوف تستمر في النمو الاقتصادي المتوقع. والصين بصفة خاصة منعزلة عن هذه المشكلة لأنها تعتمد كثيرا على انتاجها المحلي من الفحم, رغم ارتفاع طلبها على البترول بشكل سريع. كما انه من غير المتوقع ان تعاني اليابان من ارتفاع اسعار البترول بسبب قوة عملتها, كما ان اليابان خفضت اعتمادها على البترول بنسبة تصل الى 50% منذ السبعينيات من خلال ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الاستغلال في الوقود واستخدام مصادر بديلة للطاقة مثل الطاقة النووية. وقال بيلشر ان الدول الآسيوية الاخرى التي تعتمد على واردات البترول سوف تخسر كثيرا. ومن هذه الدول الفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند وتايوان وسنغافورة والهند ومنطقة هونج كونج الصينية. وقد اضطرت الفلبين وتايلاند وكوريا الجنوبية الى رفع أسعار السولار وانواع أخرى من الوقود بنسبة 50% خلال الاشهر الأخيرة لتعويض ارتفاع تكلفة استيراد البترول. وقد سبب ذلك متاعب سياسية واحتجاجات شعبية. توقعات أخرى توقع بنك التنمية الآسيوية ان يرتفع معدل النمو الاقتصادي الآسيوية بشكل كبير الى متوسط 9. 6% خلال العام الجاري مقابل 1.6% العام الماضي, مع استمرار الانتعاش الحالي. وكان توقع البنك السابق القائم على ان اسعار البترول تتراوح حول 30 دولارا للبرميل, يقول ان النمو سيكون 2.6% خلال العام الجاري, وصدر ذلك التوقع في ابريل الماضي. ويقول البنك ان تسارع الانتعاش الاقتصادي يعكس الارتفاع في توقعاته خاصة بالنسبة للصين, ورفع توقعاته بالنسبة لها الى 5.7% مقابل 5.6%, ويعتمد ذلك على سرعة نمو الصادرات وارتفاع الطلب الاستهلاكي في المنطقة مع عودة الثقة اليها عقب التعافي من الأزمة المالية. لكن البنك الذي تشمل توقعاته كلاً من منطقة آسيا والباسيفيكي باستثناء اليابان واستراليا ونوزيلندا حذر من ان كثيرا من البلدان الآسيوية سوف تخسر على المدى المتوسط الا اذا اعتمدت على الاقتصاد الجديد القائم على تكنولوجيا المعلومات. وتشير الارقام الى ان بضع دول في جنوب شرق آسيا تتقدم بصعوبة. وأشارت الارقام الى ان نسبة الحواسيب الآلية في ماليزيا الى اجمالي السكان تصل الى ثمن نظيرتها في سنغافورة ولا تزيد على ثلث النسبة في هونج كونج, كما ان تايلاند مثلا كانت تسجل نموا سريعا فيما سبق وتتخلف في هذا الجانب, وينطبق ذلك على نسبة انتشار الانترنت والهواتف المتحركة. وقال التقرير ان غالبية الدول النامية في آسيا سوف تكون من الخاسرين الا اذا تبنت زيادة الاستثمارات والاتصالات والتعليم والابحاث من خلال سياسات تدعم هذه المجالات عن طريق تطوير تكنولوجيا المعلومات لديها. ويقول البنك ان هناك بعض المخاطر تحدق بتوقعاته المتفائلة على المدى القصير, وتشمل الارتفاع في أسعار البترول واحتمالات هدوء سرعة النمو الاقتصادي الامريكي فجأة وبطء الانتعاش في الاقتصاد الاوروبي والياباني واحتمالات هروب رأس المال بسبب ارتفاع اسعار الفائدة في امكان اخرى من العالم وعدم اكتمال الاصلاحات الهيكلية في آسيا. ويرى البنك انه حتى الآن عوض النمو الكبير في الصادرات عنصر ارتفاع أسعار البترول, لكن آسيا معرضة لخطر ارتفاع تكلفة الوقود والطاقة بدرجة أكبر من مناطق اخرى لأنها تعتمد بشكل كبير على الصناعات التحويلية وبسبب أثر ارتفاع البترول على الطلب على المنتجات الآسيوية. لكن هناك توقعات تفيد بأن هونج كونج سوف تسجل أسرع معدل نمو اقتصادي في آسيا خلال العام الجاري, حيث يتوقع ان يصل هذا المعدل الى 5. 8%, وتليها كوريا الجنوبية بنسبة 3. 8%, ثم سنغافورة بنسبة 8%. النمور الآسيوية السابقة لقد أكدت النمور الآسيوية السابقة على قدرتها على النمو السريع, وقادت الهند هذا الاتجاه. ومن المتوقع ان تسجل الهند معدل نمو 7% خلال العام الجاري. ويقول مسئول بالبنك ان الهند عليها ان تخفض عجز القطاع العام حتى تخفض تكلفة رأس المال. وتوقع البنك تراكم احتياطيات من النقد الاجنبي بمعدل أبطأ خلال العام الجاري والمقبل, مع ان هناك ارتفاع في الطلب المحلي وتوقف في أثر الازمة المالية السابقة. وتوقع البنك ايضا انخفاضا كبيرا في فائض مدفوعات الحساب الجاري مع وصول كوريا الجنوبية الى نقطة التوازن العام المقبل. خبراء اقتصاديون مستقلون ولا يتوقع كثير من خبراء الاقتصاد ان يبطىء معدل النمو الاقتصادي الآسيوي باستثناء اليابان خلال العام الجاري والعام المقبل في اطار دورة قصيرة بدأت بالخروج من الأزمة المالية لعامي 1997 و1998 بسبب ارتفاع اسعار البترول. ويقول كثير من الخبراء اذا استمر سعر البترول عند مستوى 35 دولار للبرميل, فسوف يعدلون هذه التوقعات. مثلا يقول شين جونثر رئيس قسم الابحاث في مؤسسة واربورج ديلون ريد في بانكوك انه اذا استمر مستوى سعر البترول عند 3 دولارات للبرميل طوال العام المقبل سوف يضطر الى خفض توقعاته للنمو بالنسبة لتايلاند من 3.3% الى 9.2%. غير ان كثير من خبراء الاقتصاد يقولون انهم يبنون تفاؤلهم بالنسبة للنمو الاقتصادي الاسيوي على اساس سوق الصفقات الآجلة للبترول التي تشير الى وصول سعر البرميل الى 26 دولاراً العام المقبل, وبذلك لا يكون عاملا يهدد النمو في آسيا. ويقول كثير من خبراء الاقتصاد ان النمو الاقتصادي الاسيوي خلال النصف الأول من العام الجاري اثبت بما يثير الدهشة انه قوي واضطر هؤلاء الخبراء الي رفع توقعاتهم للنمو على مدار العام بدلا من خفضها بسبب الارتفاع في اسعار البترول. مثلا افادت سنغافورة ان مبيعات التجزئة ارتفعت بنسبة 28% خلال يوليو العام الجاري مقابل نفس الشهر العام الماضي, في الوقت الذي ارتفعت فيه الصادرات غير البترولية بنسبة 3. 27% في اغسطس. وقالت تايلاند في ذات الوقت ان معدل النمو الاقتصادي لديها خلال الربع الثاني من العام بلغ 6.6%. وقال تيم كوندون كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة بيرنج ان اكبر مفاجأة كانت استمرار النمو الاقتصادي الاسيوي المدفوع بارتفاع الصادرات. وقد رفع خلال الاشهر الماضية توقعاته للنمو الاسيوي, خاصة بالنسبة لكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونج وماليزيا والصين. ويقول كوندون ان اسعار البترول الان تصل الى اقل من مستوياتها في اواخر السبعينات على اساس معدل التضخم. ويقدر ان اسعار البترول لابد ان تصل الى 70 دولار للبرميل ليكون تأثيرها على النمو الاسيوي بنفس مستواها في السبعينات. ويقول ماكيكو اداتش المحلل في معهد داي اتش كانجيو للأبحاث ان المعهد عدل توقعاته بالنسبة لنمو اقتصاد اليابان خلال العام المنتهي في 31 مارس 2001 ليصل الى 1. 2% مقابل 2. 1% سابقا, بناء على الارتفاع الاكبر والسريع غير المتوقع في رأس مال الشركات في اليابان وارتفاع معدل نمو الصادرات الذي كان اكبر من المتوقع. وقال سونج قوشينج الخبير الاقتصادي بجامعة بكين انه لايزال يصر على توقعاته بأن تحقق الصين معدل نمو اقتصادي بنسبة 8% خلال العامين الجاري والمقبل, وارجع ذلك الى ارتفاع في الطلب المحلي. ويقول ديفيد لي الخبير الاقتصادي في شركة انترست للأوراق المالية في تايبية )تايوان( أن الارتفاع في اسعار البترول لن يجعله يغير توقعاته السابقة بأن يسجل معدل النمو الاقتصادي في تايوان 6.6% خلال العام الجاري كما توقع سابقا, لأن شركة تشاينيز بتروليوم المملوكة للحكومة بنسبة 100% التي تسيطر على سوق البترول في تايوان ليس من المحتمل ان تجعل المستهلكين يتحملون كامل الارتفاع في تكلفة البترول وارتفاع اسعاره. وتقول مؤسسة ايديا جلوبال للاستشارات ان سنغافورة تستهلك ما يعادل 60 الف برميل من البترول يوميا وليس هذا استهلاكاً يجعل ارتفاع الاسعار العالمية للبترول يؤثر على اقتصادياتها. ويقول الخبير الاقتصادي بالمؤسسة بول شايميك, ليس هذا بالقدر الكبير المهم )من استهلاك البترول(. ويقدر انه اذا استمر متوسط سعر البترول 30 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري بأكمله فسوف تخفض المؤسسة 4. 0% فقط من توقعاتها لمعدل النمو الاقتصادي لسنغافورة الذي قدرته بنحو 9.9% خلال العام الجاري. ويقول بيجان اجفيل كبير خبراء الاقتصاد في بنك تشيز مانهاتن اسيا انه يرفع توقعاته للنمو الاقتصادي في سنغافورة وهونج كونج واليابان والصين وماليزيا لان الارتفاع في البورصات في هذه الدول والمناطق يفوق من حيث اثره الاقتصادي ارتفاع اسعار البترول. اعداد: أشرف رفيق