كما كان متوقعا.. قام البنك المركزي الأوروبي برفع معدلات أسعار الفائدة مرة أخرى بعد آخر رفع له والذي جاء خلال شهر يونيو الماضي وأما على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي, فقد احتفظ بنك الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة بمعدلات أسعار الفائدة في إطار نسق متزن إلا أنه من المتوقع أن يقدم على رفع هذه الأسعار مرة أخرى في الثالث من أكتوبر المقبل. ومن الواضح أن كلا من البنكين يخشيان وطأة تسارع معدلات التضخم ولكن الجانبين (وخاصة أوروبا على وجه التحديد ) يخوضان غمار تجربة قد تتمخض في النهاية عن تكرار ما حدث في عقد السبعينيات الذي أعتبر ثاني أسواء عقد شهده الاقتصاد العالمي خلال القرن العشرين, فكما كان الحال في السبعينيات فإن السبب سيكون الفشل في مواكبة الزيادة الكبيرة في أسعار النفط والنابعة من الحظر الذي تفرضه أوبك على مخصصات الإنتاج وحصصها. والاختلاف بين النشاط المحموم للبنك المركزي الأوروبي وتعقل وتريث بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ربما قد يكون قد نبع في الأساس من اختلاف السياسات وقوة التفويض حيث تنص اتفاقية ماستريخت على أن ثبات سعر الفائدة والإبقاء عليه عند حد يتسم بالاتزان هو أحد الأهداف الرئيسية للوحدة النقدية الأوروبية في حين أن قانون هامفري-هاوكينز يضع النمو كقضية رئيسية ومحورية في المجتمع الأمريكي. وربما كان السبب الرئيسي في اختلاف موقفي الجانبين هو افتقار رئيس البنك المركزي الأوروبي القدرة على التظاهر بنفس القدر من الشجاعة والحنكة التي تظاهر بهما آلان جرنسبان رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة ضغوط التضخم المتزايدة والنابعة من نسبة البطالة داخل المجتمع الأمريكي والتي سجلت أربعة بالمائة حتى الآن وذلك في الوقت الذي يواجه فيه البنك المركزي الأوروبي معركة التضخم في القارة بشراسة حتى مع ارتفاع نسبة البطالة بين جنبات القارة إلى أكثر من تسعة بالمائة. وقد يكون من الممكن أن يسمح جرنسبان بزيادة معدلات البطالة في بلاده بنسبة نقطة مئوية واحدة - شريطة أن يكون ذلك خلال فترة ما بعد انتخابات نوفمبر المقبل - إلا أن هذه الزيادة ستشكل إرثا ثقيلا للرئيس الأمريكي القادم بوضعه أمام مجموعة بائسة من الخيارات اليائسة كتلك التي كانت متاحة أمام كل من الرئيسين الأمريكيين السابقين جيرالد فورد وجيمي كارتر منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمان. لكن موقف البنك المركزي الأوروبي قد يكون أكثر سوءا من موقف نظيره الأمريكي. فإن وصول نسبة البطالة في أوروبا إلى حد العشرة بالمائة ( أو تزيد ) قد يؤدي إلى حدوث نوع من البلبلة والاضطراب في النظام النقدي والاقتصادي والسياسي للقارة الأوروبية المتوحدة. وقد كانت تلك الاهتزازات العنيفة في أسعار النفط في أعوام 1973 و79-1980 هي التي شكلت جذور تلك الأزمة الاقتصادية الطاحنة في عقد السبعينيات حيث يتذكر المحافظون من رجال الاقتصاد هذا العقد على انه الفترة التي فتحت فيه البنوك المركزية والحكومات الباب أمام زيادة نسب التضخم برفضها رفع أسعار الفائدة وخفض عجز الميزانية. وربما يكون ذلك حقيقيا , إلا أن ما أغفلنا ذكره هو أن قيود الإنتاج التي كانت كفيلة لكبح جماح التضخم المتزايد كان من شأنها رفع معدلات البطالة أيضا إلى معدلات هائلة. ففي الوقت الذي حرصت فيه مجموعة الأوبك على استخلاص زبد قمة الإنتاج الوطني في اقتصادات الدول القائمة على النفط كان من الضروري العمل على ترشيد البقية الباقية منه0 ولم يرق الترشيد البيروقراطي الحقيقي لأحد ومن ثم كانت الخيارات المتاحة, إما السماح بارتفاع التضخم في الأسعار حتى يبلغ طلب هؤلاء القادرين على مواكبة هذا التضخم من المستخدمين للنفط ومجموعة منتجاته الكبيرة الحد الذي يمكنهم عنده معادلة الإنتاج المقيد, وإما السماح لارتفاع معدلات البطالة إلى الحد الذي يتمكن عنده القوة العاملة شراء المعروض ويكون على البقية من غير العاملين الاكتفاء بالفتات المتبقي. وقد كان لزاما على الحكومات الغربية أن ترضى بتبني عدد من الخيارات التي تجمع ما بين الشرين - البطالة والتضخم ونتيجة لذلك انهارت معظم تلك الحكومات في مطلع العقد الثامن من هذا القرن. وخلال فترة الثمانينيات والتسعينيات - تقلصت وحدة مجموعة الدول المصدرة للبترول (أوبك) على مدار عقدين كاملين من الزمان فاتحة بذلك الطريق أمام زيادة إنتاج النفط في العالم ليصبح بذلك المجال مفتوحا أمام عدد من دول الغرب للاستفادة من تلك الفرصة وتحقيق ثروات كبيرة ما لبثت أن تحولت إلى ثروات هائلة. لكن العالم خلال العام الحالي شهد بعثا جديدا لمجموعة الأوبك حيث لملمت صفوفها وعملت على أن يكون لها كلمتها الموحدة من جديد لتفتح بذلك صفحة جديدة من تاريخها تحكم فيها قبضتها على حجم إنتاج النفط في العالم وتلوح بنسبة تضخم كبيرة في وجه الدول التي تعتمد اقتصاداتها على النفط في الأساس. وتبقى الذكرى أمام عدد من دول مجموعة أوبك هذه المرة خاصة المملكة العربية السعودية بأنه على الرغم من النمو الكبير للعائدات السريعة لفترة السبعينيات - إلا أن تاريخ العقود الثلاثة المنقضية لم يكن في صالح الدول المنتجة للنفط فقد حاولت الحد من قيود الإنتاج وأيضا زيادة الأسعار. في الوقت نفسه أدت زيادة أسعار النفط إلى إذكاء نيران التضخم ودفع القوى التضخمية في عدد من الدول الغربية حيث تحالفت هذه الزيادة مع عوامل أخرى عديدة تدفع في نفس الاتجاه حيث تراوحت هذه العوامل ما بين انخفاض أسعار صرف اليورو في أوروبا واختناق سوق العمل بالولايات المتحدة الأمر الذي حذا بالبنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة وقد لا يكون هناك مفر أمام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سوى تبني الخطوة ذاتها0 ولكن إذا ما نجحت محاولات السيطرة على معدلات التضخم فإن الجانب الآخر من الصورة قد لا يختلف كثيرا عما حدث خلال عقد السبعينيات من زيادة في معدلات البطالة والتي بدأت بشائرها الأولى في الظهور في أوروبا وهو الأمر الذي لا يمكن فيه التسامح سياسيا. وأخيرا فإنه إذا لم يقرر رجال الاقتصاد في العالم التأني والتؤدة والتراجع خطوة واحدة لإعطاء أنفسهم الفرصة للتفكير في العواقب التي يمكن أن يفرزها ترسيخ اقتصاد عالمي محكوم في جوهره بالنفط وكميات إنتاجه - قد تدخل تلك الأمم المستهلكة للنفط في دوامة تأخذها عدة خطوات إلى الوراء إلى فترة الانهيار الاقتصادي والسياسي التي شهدتها حقبة السبعينيات. بقلم روبرت ليفاين خبير اقتصادي ومسئول أمريكي سابق