في مواجهة مستوطنة (غوش قطيف) الاسرائيلية الممتدة على طول الساحل الفلسطيني من منطقة القرارة حتى رفح شيد الفلسطينيون واحدة من اضخم المطاحن في المنطقة بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء. ويقول الدكتور على عبدالحميد شعث رئيس مجلس ادارة شركة المطاحن الفلسطينية ان الشركة تنتج حاليا نحو 90 الف طن من الدقيق ومشتقاته وتغطي بذلك 70% من احتياجات السوق المحلية في قطاع غزة. وينظر الفلسطينيون بمزيد من الاعجاب إلى هذا المشروع الاستراتيجي لانه يوفر لهم احتياجاتهم الغذائية ويوفر فرص العمل ويحد من التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في منطقة القرارة. وخلال جولة في مصانع الشركة ابلغنا نبيل الزعيم مدير عام شركة المطاحن الفلسطينية ان المطاحن تدار اوتوماتيكيا عبر شبكة ضخمة للكمبيوتر على غرار المطاحن السويسرية والألمانية. وكان (الزعيم) يشير بيديه الى عبوات انتاجية من الدقيق ومشتقاته ويصل عددها الى اكثر من 20 صنفا ويقول ضاحكا (من كان يتصور اننا سنوفر كافة متطلبات الأسرة الفلسطينية من دقيق الخبز حتى الكيك والكنافة) . ويعتبر الدكتور على شعث ان المطاحن بمثابة مشروع استراتيجي للشعب الفلسطيني بقوله (نحن الان قادرين على توفير الخبز لمدة 6 اشهر في حال فرضت علينا اسرائىل حصارا اقتصاديا) قبل اقامة هذه المطاحن كان الفلسطينيون يعتمدون بالكامل على السوق الاسرائيلي لشراء احتياجاتهم من الخبز والطحين اما اليوم فإنهم ينتجون 70% من احتياجاتهم. ورغم ان واردات المطاحن الفلسطينية من القمح تمر عبر ميناء (اشدود) الاسرائىلي الا ان د. شعث الذي كان يحدثني خلال جولة وسط مستودعات التخزين في الشركة قال (لا توجد مشكلة اذا فرض علينا الحصار, فالطاقة التخزينية لدينا تصل الى 20 الف طن من القمح) . ويضيف المدير العام للشركة (المطاحن الفلسطينية قادرة على تغطية احتياجات قطاع غزة حتى لو اغلقت الحدود مع اسرائىل) . وقال (انظر هذه الصوامع الاربع الجديدة تستوعب كميات ضخمة من القمح والتخزين فيها يتم بطرق علمية حديثة) . في تلك الاثناء كان عدد من العمال الفلسطينيين منهمكين في تركيب الصوامع الجديدة التي تعاقدت عليها الشركة لمواجهة الطلب الكبير على منتجاتها في السوق المحلية. ويقول د. شعث (خطتنا لا تتوقف حول الطلب المتنامي وانما القدرة على مواجهة الازمات السياسية والطوارىء, فنحن نعيش ظروفا صعبة تفرضها علينا اسرائىل ويجب علينا تأمين المواد الخام والاحتفاظ بمخزون استراتيجي من القمح رغم ان التخزين مكلف جدا بالنسبة لنا) . منافسة اسرائىلية وسئل الزعيم عن مدى قدرة المطاحن الفلسطينية على مواجهة المنتجات الاسرائىلية المنافسة أجاب ضاحكا: (يجب ان نشكر السلطة الفلسطينية على قرارها الرائع بمنع ادخال الطحين (الدقيق) الاسرائيلي الى أسواق قطاع غزة. هذا القرار اتخذ منذ شهور قلائل حسبما قيل لأن اسرائيل خفضت اسعار منتجاتها من الدقيق وضخت كميات كبيرة الى الاسواق الفلسطينية في محاولة لتدمير شركة المطاحن الفلسطينية. في المختبر الكيميائي داخل اروقة الشركة كان الشاب احسان علي الفرا مسئول المختبر يجري فحوصا على عينات من القمح المستورد, ويمتلىء المختبر بالاجهزة المتطورة والمستوردة من سويسرا لاجراء فحوصات وتحاليل للقمح قبل طحنه وتوزيعه, يقول الكيميائي احسان: (في البداية كنا نستورد القمح بدون مواصفات وبدون استشارات, فالادارة السابقة للشركة كانت تفرض علينا أنواعا من القمح غير مطابقة للمواصفات, غير اننا أوقفنا عمليات الغش التجاري في شراء القمح مع وصول الادارة الجديدة) . وتعتمد المطاحن الفلسطينية على القمح الامريكي المعروف باسم (هارد رد رنتر) ويقول احسان انه العمود الفقري للمطاحن, ويتم الاستيراد من ألمانيا وتستخدم المطاحن القمح البلدي المنتج محليا, اذا توفر. محاربة الفساد وسألنا الدكتور علي شعث بوصفه رئيس مجلس ادارة شركة المطاحن الفلسطينية عن خطته لمحاربة الفساد الذي زرعته الادارة السابقة, أجاب: لقد وصلنا الى نقطة التعادل حاليا, فقد تكبدت الشركة في الفترة السابقة خسائر مالية كبيرة لاسباب تخص الادارة وسلع المواد الخام وتكلفة الانشاء وثمن المواد, وبعد اكتشاف الفساد من قبل الاجهزة الحكومية, تم تشكيل ادارة جديدة وضخ دماء شابة لأن هذا المشروع استراتيجي ويؤمن رغيف الخبز للمواطن الفلسطيني. وأضاف: (لقد بدأ مجلس الادارة الجديد بتصحيح المسار الذي كانت تسير فيه المطاحن نحو خسائر تراكمية الى أرباح, وقامت الادارة التنفيذية بالعمل منذ يوم 7 اكتوبر 1999 وهو يوم تسليم الصلاحيات لمجلس الادارة الجديد بالنظر في ملفات التشغيل والتسويق, وقامت كذلك بتخفيض تكلفة المواد الخام بنسبة 80% وحققنا تقدما في وقف الخسائر وتحسين الجودة) . ويقول نبيل الزعيم: لقد كانت تكاليف مجلس الادارة السابق نصف مليون دولار, أما المجلس الجديد فإنه يضم أعضاء من المتطوعين, وبالتالي نجحنا في الخروج من خسائر شهرية بقيمة 310 آلاف درهم شهريا. ويذكر المدير العام للشركة ان النمو بدأ في يونيو الماضي بعد عام كامل من الخسائر. ويقول د. شعث: (لقد تكبدت الشركة خسائر بقيمة 3 ملايين دولار خلال 9 أشهر فقط بسبب ممارسات سيئة للادارة السابقة. وكانت المطاحن الفلسطينية قد بدأت العمل فعليا في يونيو 1999 وانشئت بقروض من بنوك فلسطينية ومصرية واردنية, وبلغت نسبة الفائدة على القروض في البداية 13%, الا ان الادارة الجديدة خفضتها الى 7% ويعني هذا الخفض توفير مبلغ نصف مليون دولار كانت تدفع كفوائد لخدمة الديون, ويقول الزعيم: (لقد حررنا رغيف الخبر الفلسطيني من الاعباء ووفرناه لكل مواطن بأسعار رمزية) . وتباع كل عشرة أرغفة في غزة بـ (شيكل واحد) أي حوالي 25 سنتا من الدولار الأمريكي. ولا توجد أزمة خبز على الاطلاق في الاراضي الفلسطينية التي شهدت في السنوات القليلة الماضية افتتاح مئات من المخابز الآلية. غير ان الزعيم أشار الى ان مشكلة جديدة وهي ارتفاع أسعار القمح في البورصة العالمية, ومع ذلك فإنه بدأ متفائلا الى حد كبير بالمستقبل. القرارة (خانيونس) ـ من جمال المجايدة