يشكل النجاح الكلمة السحرية والهدف الرائع الذي يسعى البشر جميعاً لتحقيقه ولكن كيف يمكن ان يتحقق هذا النجاح المنشود وما هي الأساليب التي يتعين اتباعها لبلورة الطموح الانساني في الوصول الى أعلى قمة الهرم؟ ان الاجابة على هذا السؤال تنطلق من حقيقة أساسية لاجدال عليها وهي ان الانسان في سعيه نحو النجاح يجب ان يدرك اهمية دور الاخرين في تحقيق هذا النجاح على الرغم من انه ينطلق من منطلقات ذاتية وشخصية ومن رغبة خاصة في الوصول الى الهدف المنشود مهما كانت طبيعة ذلك الهدف الذي يختلف من انسان لاخر اي بعبارة اخرى استحالة تحقيق النجاح بدون العمل مع الاخرين ذلك نظراً لأن الانسان الفرد لا يستطيع الوصول الى ذلك الهدف الرائع إلا بالاستعانة بجهود الاخرين مهما توفرت له الامكانات الجسدية والذهنية فالطالب لاينجح بفعل جهوده الفردية فقط بل تتضافر عدة عوامل اخرى لتحقيق النجاح الذي ينشده ومنها الاساتذة والمعلمون والآباء والأمهات. كما ان الموظفين لايعتمدون في نجاحهم على مجهوداتهم وقدراتهم الخاصة فحسب بل لابد لهم من الاعتماد على الموظفين الآخرين أيضاً وبالقدر نفسه فان المؤسسات الناجحة ما كانت لتحقق نجاحها إلا بتوظيف طاقات وجهود العاملين فيها الذين قامت بتحديد مهام كل منهم بالطريقة التي تجعل منه عضواً فاعلاً في ماكينة عملاقة قوامها الموظفون الآخرون الذين يعتمد كل منهم على الآخر في اداء مهماته وواجباته وذلك باتباع أساليب التفويض والتكليف المتبادل بينهم والتي تشكل القاعدة الأساسية التي يعتمد عليها نجاح تلك المؤسسات. على الرغم من أهمية تفويض وتكليف الموظفين باداء بعض المهمات إلا أننا نسمع دائماً عبارات مثل (لن أشعر بالارتياح إلا اذا تابعت المهمة بنفسي) أو (إذا اردت ان تنجز شيئاً بشكل جيد فقم بانجازه بنفسك) ويبرز هنا سؤال مهم أيهما أفضل: قيام الانسان بانجاز مهمة بمفرده وهو ما يؤدى غالباً الى ان يدمن هذا الانسان العمل بالدرجة التي لاتتوفر له معه فسحة من الوقت للتمتع بالحياة أم التأكد من ان المهمة قد انجزت؟ أي بمعنى تكليف وتفويض انسان آخر بانجازها؟ واذا لم يكن الانسان مقتنعاً بفكرة قيام شخص آخر بانجاز المهمة (ربما بشكل أفضل) فيطرح على نفسه هذا السؤال (من الذي كان يقوم بانجاز هذه المهمة قبل ظهوري على المسرح؟) والاجابة واضحة شخص آخر بالطبع. ومع هذا فان البعض يسوق أسباباً متعددة (هي أعذار في واقع الأمر) تدفعه الى عدم طرح هذا السؤال المهم أو إن فعل فإنه لايرغب حتى في الاجابة عليه والأمر سيان ان هنالك أسباباً كثيرة تقف وراء احجام الناس عن تكليف أشخاص آخرين بانجاز بعض المهمات وعلى الرغم من اعتقاد بعض الموظفين بأنهم يؤدون المهام بشكل مثالي إلا ان هذا لايمنع من انتهاز الفرصة وتكليف بعض الزملاء الذين قد يكونون أقل كفاءة ومهارة منهم باداء بعض الأعمال وهذا هو بالتحديد ما فعله رجل الأعمال الأمريكي الراحل ديل كارنيجي الذي نقش العبارة التالية على شاهد قبره (هنا يرقد رجل عرف جيداً كيف يوظف الناس لآداء أعمال كان يدرك أنهم سيؤدونها بطريقة أفضل منه) هل كان كارنيجى يفتقر الى الكفاءة والمقدرة والمهارة؟ بالطبع لا فقد ظل الرجل يعتبر ولفترة طويلة واحداً من أكبر اثرياء الولايات المتحدة وعندما باع مؤسسة يو اس استيل أوائل هذا القرن بمبلغ 350 مليون دولار اعتبرت تلك الصفقة أكبر صفقة تجارية في ذلك الوقت. واذا كان كارنيجى قد أمر بنقش تلك العبارة التي تخلد التفويض والتكليف على شاهد قبره فإنه كان بالتأكيد مقتنعاً بأهميتها في نجاحه ان المسألة لاتستعصى على الفهم فقد بدأ مؤسسو الشركات العملاقة والناجحة انجاز الاعمال بأنفسهم ولكنهم لجأوا سريعاً للاستعانة بجهود أشخاص آخرين قاموا بتوظيفهم حتى وجدوا انفسهم وهم يديرون امبراطوريات اقتصادية وتجارية تستوعب الألوف من البشر. والواقع ان المعادلة بسيطة للغاية فالأشخاص الذين لايستعينون بجهود الآخرين يكونون قد حكموا على أنفسهم بالجمود والتحجر نظراً لمحدودية عدد ساعات العمل التي تتوفر لهم كل أسبوع أما أولئك الذين يعتمدون في أعمالهم أسلوب التكليف والتفويض ويعترفون بأهمية الاستعانة بالاخرين فيصادفون الكثير من النجاح ويجدون انفسهم في نهاية المطاف وقد تحولوا الى مشرفين يقضون معظم وقتهم في الاشراف على من يقومون بانجاز الأعمال نيابة عنهم وهذا أمر صحيح وتؤكده الحقيقة القائلة ان المديرين التنفيذيين الناجحين يقضون زكثر من 40% من وقتهم في الاشراف على العاملين وتحفيزهم ولكن لماذا يحجم البعض عن الاستعانة بجهود الاخرين؟ ان مسببات ودوافع هذا الاحجام تكاد لا تحصى إلا انها تعود وبشكل اساسي الى المخاوف التي قد تنجم عن الحالات الذهنية التالية: ـ ضعف الخبرة العملية في الوظيفة الحالية أو في التعامل مع زملاء العمل. ـ عدم وجود رؤية متكاملة أو اهتمام بالمؤسسة. ـ الاحساس بعدم الآمان الوظيفي والخوف من فقدان بعض السلطات نتيجة لتحويل جزء منها الى الآخرين. ـ الميل نحو الكمال على نحو مبالغ فيه. ـ الرغبة في الاحساس بضخامة الواجبات والمهمات. ـ عدم وجود أهداف وطموحات ذاتية تحفز على البحث عن المسئوليات التي تشكل تحدياً شخصياً. وعلى الرغم من صعوبة إدراك هذه المخاوف إلا أنه نادراً ما يتم الاعتراف بجودها أما الشىء المؤكد فهو الأعذار العديدة التي نسوقها كل يوم والتي تبرر رفض الاستعانة بالآخرين أو النزعة لتكليف الآخرين باداء جزء يسير من الاعمال والمهمات ولننظر جميعاً في هذه الأعذار في محاولة لتحديد تلك التي تقدمها دائماً. ـ (أعتقد انه يمكنني الاستعانة أكثر بجهود زملائي اذا كانوا أكثر نضجاً وخبرة إلا أنني أفضل ألا أخاطر في الوقت الراهن) . ـ (ان شرح المهمة وما يجب عمله يستغرق نفس الوقت الذي يستغرقه انجاز المهمة ما الفائدة اذن؟) . ـ (انني أكلف الآخرين بانجاز جزء من المهمة فقط. وبهذه الطريقة اعرف ما سيحدث بالضبط واستطيع اكتشاف أي اخطاء قبل وقوعها) . ـ (انني أفضل تكليف شخصين باداء المهمة نفسها انه لشىء مدهش ان ترى كيف قام كل منهما باداء المهمة وبهذا الأسلوب أكون قد استخدمت سياسية (فرق تسد) ) . ـ (أنا استعين بالآخرين انني أقوم بانجاز كل الأعمال سواء كانت صعبة أم لا) . ـ (إنني لا استطيع تكليف الآخرين لماذا أكلف أحد الموظفين بانجاز مهمة جديدة وأنا أعلم بأنه سيطالب بترقيته الى منصب أعلى تتضمن صلاحياته المهمة الجديدة شكراً.. ليس أنا بأية حال) . ـ انني لا أجد أي سبب منطقى يجعلنى أضيف لمسئوليات موظف يتلقى أوامره منى أنا شخصياً ولن يكون مسئولاً عن أي شىء اذا حدثت مشكلة ما لاحقا) . ـ انني لا استعين بالاخرين لأنني أملك طاقة هائلة. انني أحب ان أكون مشغولاً دائماً. انني أحب ضغوط العمل ان هذا هو أسلوبي في العمل. ـ اذا استعنت بأحد الموظفين وحدثت مشكلة فسوف اضطر عندها لشرح الأمر لرؤسائي المباشرين وسأكون عندها قد الحقت الضرر بموظف مسكين وهذا شىء غير لائق ولايعجبنى. ـ ما جدوى وجودى اذا كلفت الآخرين باداء واجباتى. ـ انني لا أرغب في منح الموظفين سلطات وصلاحيات كبيرة هل تعلم بما سيحدث؟ انهم سيعتقدون بأنه لايمكن الاستغناء عنهم. ـ يجب ان أعترف بأنني أعشق الكمال انني أريد انجاز المهام على طريقتي الخاصة. ـ لماذا أخاطر وأكلف الآخرين وأنا أعرب جيداً انه يمكنني انجاز المهمة بنفسي؟ ـ انني لا استطيع تكليف زملائي ورئيسي المباشر يعرف أسلوبي ويتابع ما أقوم بانجازه. ـ انني أتردد كثيراً في تكليف الموظفين الآخرين لأن رئيسي المباشر يتجاوزني دائماً اذا اراد بعض المعلومات عن مهمة قيد الانجاز انه يذهب مباشرة ويسألهم انه الخوف بعينة. ـ (إنني أسعى للحصول على تقدير الآخرين واذا قمت بتكليف موظف آخر فمن سيحصل على هذا التقدير؟) . ـ (أمامي مهمة أرغب في تكليف أحد الموظفين بانجازها اعتقدت ان (س) هو افضل موظف لادائها ولكن (ج) كان يأمل في اضافتها لمسئولياته وواجباته وقد قضى فترة أطول في المؤسسة ومن هنا فقد كنت اتخوف من أن يفسر (ج) الأمر بطريقة مغايرة وقد يطلب نقله من القسم) . ـ (إنني لا احبذ فكرة تكليف زملائي بأداء بعض الاعمال انهم ثرثارون وكثيرو الشكوى ويصيحون في وجهي دائما: لماذا أنا.. لماذا أنا بالذات؟) . وقد يتساءل البعض عن أهمية الاستعانة بجهود الآخرين وتكليفهم بأداء بعض الاعمال والمهام والواقع ان هناك اسبابا قوية تؤكد اهمية هذه العملية وهي: ـ توفير وقت أكبر لانجاز المهام. ـ تطوير المهارات وتوسيع مجال النشاط وتعزيز كفاءة الموظفين. ـ تحفيز العاملين بتكليفهم باداء مهام تثير فيهم روح التحدي والتصدي للمشكلات. ـ التعرف على الموظفين الذين يستحقون الترقي. ـ زيادة الانتاجية. ـ انجاز الاعمال بطريقة افضل واسرع. ـ اتاحة الفرصة للموظفين لانجاز الاعمال الروتينية والتأكد من سلاسة وسهولة سير العمل. ـ اشاعة الاحساس بالانتماء للمؤسسة. وعلى الرغم من أهمية عملية تكليف الآخرين بأداء بعض المهامات أو اجزاء منها إلا ان هناك بعض المسائل التي لا يجوز تكليف موظفين آخرين بأدائها ويتعين ان يقوم المسئول المباشر بانجازها شخصيا وهي: ـ الموضوعات التي تتسم بدرجة عالية من السرية. ـ اجراءات التأديب والانضباط الوظيفي. ـ الموضوعات التي يعتقد بأن الموظف المكلف بانجازها سيعيدها مرة اخرى ويكلفنا بتحمل مشكلاتها. ـ الموضوعات ذات الحساسية البالغة والتي يحتمل ان تعود ادراجها مرة اخرى دون اتخاذ أي ا جراء حولها. وقد لا يزال البعض يشك في جدوى الاستعانة بجهود الآخرين وتكليف الموظفين بأداء بعض المهام ويطرح ذلك السؤال الصعب (استعين أولا استعين؟ تلك هي المشكلة) ونقول لهؤلاء ان الوقت ثمين وقصير وهو عنصر لا يتجدد ولاتتم الاستفادة القصوى منه إلا عبر زيادة الاستعانة بالآخرين في هذا الدرب الطويل نحو قمم النجاح. ولكي تصبح عمليات التكليف والتفويض والاستعانة بالآخرين مثمرة ومفيدة ننصح باتباع القانون الذي وضعته الخبيرة استيفاني وينستون والذي يقول (إن افضل أسلوب هو إحالة المهمة لذلك الموظف الذي يشغل ادنى درجة في السلم الوظيفي والذي لايزال يمتلك المؤهلات التي تمكنه من انجازها (وإن لن يكن هناك موظف ينطبق عليه هذا الشرط فقم على الفور بتوظيف أحد الاشخاص). وإذا كنت من هؤلاء المديرين التنفيذيين الذين يستثمرون نصف وقتهم أو ثلثه فقط في اداد اعمال تتطلب مستوى عاليا من الاداء فإنك ستعجل باشهار المؤسسة افلاسها وتهدر وقتك وجهدك وطاقاتك بدون اي طائل وعليك ان تبدأ على الفور في الاستعانة بالآخرين واسناد بعض المهمات والأعمال للموظفين حتى تتمكن من (زيادة الوقت الذي تقتضيه في انجاز تلك الاعمل التي تتناسب مع مستوى ادائك وقدراتك وحتى يستمتع الموظفون بالعمل معك ويشعروا بأهميتهم وبأنهم لاعبون اساسيون ولاغنى عنهم لتحقيق اي نجاح. كما يجب الا تنسى انك حين تساعد الآخرين على النجاح فإنك تقدم خدمة جليلة لنفسك ايضا إن هذا في واقع الامر هو السبيل الوحيد لتحقيق النجاحات المهمة والمستمرة.