يجب على العمالة المهاجرة الى بريطانيا والتي تهدف الى مزايا اقتصادية ان تعيد التفكير قبل الهجرة, فقد اتفقت الحكومة والمعارضة منذ عدة اشهر على ادانة ما وصفوه بأنه تدفق هائل لمن يتخفون, وراء اللجوء السياسي وهم يسعون في الأساس لأهداف اقتصادية. وقال زعماء السياسة البريطانيون ان هؤلاء يسعون وراء تحقيق مكاسب مربحة من خلال قنوات سياسية, وهم في الأساس يريدون ممارسة نشاط اقتصادي. لكن أحد الوزراء قال خلال الشهر الجاري ان هناك فوائد اقتصادية تعود على البريطانيين المهاجرين على مدى التاريخ, وسوف تستمر هذه الفوائد مستقبلا. وبدأ تطبيق برنامج يستطيع في ظله المهاجرون دخول بريطانيا ويعلنون خطة اقتصادية ناجحة فقط كتأشيرة دخول وجواز مرور. وكان هؤلاء عليهم ان يكون بحوزتهم 200 الف جنيه استرليني (290 الف دولار) من قبل اذا أرادوا ممارسة عمل تجاري في بريطانيا. ومن اكبر المنتقدين لعملية الهجرة السياسية الى بريطانيا وكيلة وزارة الداخلية باربرا روك وهي تتعرض لانتقادات حادة, حيث وصفت المهاجرين الى بريطانيا بأنهم وبال عليها, لكنها الآن غيرت فكرها وتريد ان تنبه البلاد الى الفوائد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعود على بريطانيا من المهاجرين. وتوضح روك كيف تكون فائدة المهاجرين المستقبلية على أمل ان تفتح حوارا حول نوع المهاجرين الذي ينبغي لبريطانيا ان تسمح بوجودهم. وتصر باربرا روك على ان الجدل حول سياسة الهجرة وسياسة اللجوء السياسي قضيتان تختلفان تماما. وتقول ان صناعة تهريب المهاجرين المزدهرة التي تشمل مهاجرين تحت ستار اللجوء السياسي عند القبض عليهم سبب يدعو الى تغيير سياسة الدولة بشأن الهجرة اليها. منذ عام 1971 كانت بريطانيا تسمح فقط لرجال الأعمال الاغنياء واقارب المقيمين في بريطانيا بالفعل وعدد قليل من العاملين الذين لديهم تصاريح عمل مؤقتة وبعض العمالة الموسمية بالدخول الى البلاد من أجل الكسب المادي. وبالطبع هناك حرية حركة داخل بلدان الاتحاد الاوروبي الذين يصل عدد مواطنيها العاملين في بريطانيا الى نصف العمالة الاجنبية هناك. وتشجع الفرص القانونية للهجرة الى بريطانيا على زيادة عدد المهاجرين لاسباب سياسية واللجوء السياسي بشكل كبير. لكن برغم ان حديث باربرا روك عن الفصل بين سياسة اللجوء السياسي وهجرة العمالة الاقتصادية الى بريطانيا غير مقنع فإن توقيت اثارة قضية العمالة الاقتصادية جاء في موعده. فهناك نقص كبير في بريطانيا في العمالة الماهرة في الصناعات القائمة على التكنولوجيا الفائقة, وفي عدد من الخدمات ايضا. والعمالة الاجنبية تعوض هذا النقص, لكن هناك حاجة الى اعداد أكبر منها. وأعلنت الحكومة في وقت سابق من العام الجاري برنامجا لاستقدام العمالة الاجنبية خاصة في الصناعات التي تعاني نقصا شديدا فيها مثل تكنولوجيا المعلومات والهندسة والرعاية الصحية, ليحصلوا على تصاريح عمل بشكل أسرع ولفترات أطول (تطبق امريكا برنامجا مماثلا منذ سنوات طويلة). وقد يساعد تدفق العمالة في بعض الصناعات حيث تفتقر سوق العمل الى العاملين في تخصصاتها على تجنب تضخم الأجور. وبالاضافة الى النقص الشديد في المهارات هناك حجة اخرى يتشدق بها من يؤيدون استقدام العمالة الاقتصادية وهي انها سوف تساعد على حل مشكلة عدم التوازن السكاني المتزايدة. فسوف يمثل المسنون في المستقبل ضغطا كبيرا على عدد العاملين القادرين على العمل ويشاركون في القوة الاقتصادية للبلاد. ورغم ان هذا الخلل السكاني اقل حدة في بريطانيا من دول اوروبية اخرى, فإنه يمثل مشكلة, لكن ديفيد كولمان الخبير في الدراسات السكانية بجامعة اكسفورد يقول ان هذا الاتجاه يكون بسبب تغيرات هيكلية وارتفاع العمر المتوقع للانسان, ولا يمكن مواجهة هذين العنصرين باستقدام المهاجرين الا اذا تمت الهجرة بشكل مكثف وعلى أساس ان يعيشوا في بريطانيا الى الأبد, ورغم ان الهجرة يمكن ان توفر حلا مؤقتا, فإن الحل الأمثل لمشكلة النقص في المهارات على المدى البعيد هو تحسن مستوى التدريب والفرص التعليمية في الوطن. والأكثر من ذلك ان تركيز الحكومة على استقدام نوع معين ومنتقى من المهاجرين من العمالة الماهرة يمكن ايجاد حل بديل برغم انه غير مفهوم على الصعيد السياسي. وتقول نايجل هاريس الاستاذة بجامعة لندن ان هناك حاجة الى عاملين غير مهرة لأداء الأعمال المتوسطة التي لا يرغب المواطنون في أدائها. كما ان العمالة المهاجرة غير الماهرة تشغل وظائف في مجالات اخرى, وبدونها لا تستطيع بعض الشركات ان تستمر. والانظمة الأخرى المعقدة لانتقاء المهاجرين في بلدان اخرى مثل استراليا وكندا لا تستبعد غير المهرة الذين يتقدمون للهجرة لهذه البلدان, وهناك دول اوروبية اخرى لا تنظر بعين الاعتبار الى المهاجرين من العمال غير المهرة الراغبين في الحصول على وظائف موسمية. ولابد من الأخذ في الاعتبار المزايا الاقتصادية لأسلوب تفكير اكثر ليبرالية بشأن الهجرة, لاسيما الفوائد التي يجلبها المهاجرون من خلال جهودهم ونشاطهم التجاري وافكارهم الجديدة. هذا درس تعلمته الولايات المتحدة منذ زمن طويل, لكن بريطانيا تستوعبه ببطء برغم النجاح الملحوظ والمشهود لجماعات مهاجرة مثل الآسيويين من اصل أوغندي الذين هاجروا الى بريطانيا في السبعينيات بعد ان طردهم الدكتاتور عيدي أمين. ومما يثير الفضول ان الحكومة تختار القاء الضوء علي فوائد الهجرة من الأساس. ويقول شاميت ساجار بجامعة لندن ان العداء العام للمهاجرين من كل الانواع والفئات, الذي يتضح من استطلاعات الرأي طوال 30 عاما, يبدو انه تراجع الى حد ما. ويقول ان هناك اشارات على ان الناس قد تستطيع التفكير في الهجرة من ناحية الفوائد الاقتصادية الآن, وليس من ناحية المشكلات الاجتماعية, لكن العمالة الجديدة لا تستطيع ان تعول على هذا التغير الفكري أو تقامر عليه. ومن سوء حظ باربرا روك ان هناك توقعات تفيد بأن السكان البيض سوف يصل عددهم الى أقل من 50% من اجمالي سكان البلاد بحلول عام 2100 مما قد يثير الحفيظة ضد الهجرة. وتبذل باربرا روك بالفعل جهودا مضنية لاقناع الناس بمزايا برامج الهجرة المطبقة في دول مثل كندا, وقد يجعل منهج الانتخابات المقبلة هذا الجدل العقلاني قصير العمر ينتهي الحديث بسرعة عن قضية الهجرة. عن مجلة الايكونوميست