يبدو ان حكومات الاتحاد الأوروبي عازفة على ألا تحذو حذو فرنسا التي قدمت تخفيضات ضريبية عقب احتجاجات وتظاهرات سائقي الشاحنات ومصرين على ارتفاع اسعار الوقود, وذلك لاسباب سياسية وبيئية وخاصة بالميزانية. استمرت الاحتجاجات والتظاهرات في كل من بريطانيا وبلجيكا وهددت بالانتشار في بلدان اخرى, وتعهدت الحكومات بعدم الخضوع لهذه الضغوط من اجل تخفيض الضرائب على الوقود. عقب الاحداث التي أدت الى قرار فرنسا بخفض ضريبة الوقود وما حدث في بريطانيا وبلجيكا, قام سائقو الشاحنات والمزارعين في المانيا ايضا باغلاق الشوارع في مدن هيلدز هايم ويولزن فيما يبدو انتشاراً للعدوى من البلدان الأوروبية الاخرى؟ وتعهدت جماعات ضغط في مجال النقل ايضا بتكرار هذه الاحتجاجات حتى تخضع حكومة يسار الوسط لضغوط خفض ضريبة البيئة (الوقود). لكن هذه التحذيرات لم تجد الا اذانا صماء. وقال وزير مالية المانيا هانز ايتشل ان المانيا ملتزمة بالفعل بتخفيض الضرائب عامة بمقدار 45 مليار مارك الماني (23 مليار يورو او 20 مليار دولار) او بنسبة 1% من اجمالي الناتج المحلي بحلول العام المقبل. واضاف انه لن يكون هناك مزيد من التخفيضات وان المانيا لن تعود مرة اخرى الى مصيدة الديون. وكثير من الحكومات فيما سبق قد استقالت حتى لا تقدم تنازلات بسيطة قد يكون لها تأثير طفيف على مواقفها المالية. في ايطاليا احتل الصيادون الارصفة في الموانىء وهدد سائقو الشاحنات وسيارات الأجرة بتنظيم احتجاجات. والمتوقع ان تقدم حكومة يسار الوسط خفضا ضريبيا مؤقتا على اسعار الوقود التي تبلغ 50 ليرة للتر الواحد (0.022 دولار). واقترحت حكومة بلجيكا التي رفضت تطبيق اعفاءات ضريبية على الوقود, ان تقدم دعما مؤقتا على الاسعار. ووافقت حكومة ايرلندا على الحديث مع سائقي الشاحنات لكنها اشارت الى انها لن تبحث الغاء ضريبة الوقود او خفضها قبل ميزانيتها المقبلة في ديسمبر العام الجاري. ولايبدو ان هناك أية دولة اوروبية عازمة على ان تحذو حذو فرنسا, التي قدرت حكومتها الاشتراكية ان التنازلات الضريبية التي قدمتها لسائقي الشاحنات سوف تتكلف 3 مليارات فرانك (457 مليون يورو أو 397 مليون دولار). وقال وزير مالية فرنسا لوران فابيو ان هذا التخفيض الذي يتكلف 3 مليارات فرانك سوف يمنع اي خفض ضريبي آخر او خفض العجز في الميزانية, لكن الحكومة يمكن ان تتحمل ذلك. وهناك حكومات اخرى بين دول الاتحاد الأوروبي اقل اهتماما بقضية ضريبة الوقود فتخفيض الضريبة سوف يسبب عجزا في الميزانيات وصعوبات بالنسبة لبلد مثل البرتغال, حيث تدعم البلاد الوقود بالفعل لصالح المستهلكين وهكذا تتحمل بالفعل اكبر عبء من ارتفاع اسعار البترول العالمية. ويقدر المسئولون البرتغاليون تكلفة الحفاظ على انخفاض اسعار الوقود لديهم بنحو 549 مليون يورو او 476 مليون دولار, اي نحو 0.5% من اجمالي الناتج المحلي. وتقول كثير من حكومات دول الاتحاد الأوروبي انه لامجال لتطبيق تخفيضات ضريبة الوقود لانها تخفض بالفعل ضرائب الدخل وضرائب الشركات وتيسير الاجراءات واللوائح الضريبية في محاولة لجذب مزيد من الاستثمارات لحفز النمو الاقتصادي وقد تؤدي التنازلات الضريبية لصالح سائقي الشاحنات او المزارعين او المستهلكين عامة الى تصعيب الامور على الدول الاعضاء في منطقة اليورو (11 دولة) في تحقيق التزامها بوضع ميزانيات متوازنة على المدى المتوسط, دون التراجع في تخفيضات ضريبية اخرى لا علاقة لها بالوقود. وقال وزير مالية اسبانيا ان دول الاتحاد الأوروبي لاينبغي ان تنزلق في طريق التخفيضات الضريبية على الوقود لانه من المهم الالتزام بهدف خفض اعتمادها على البترول على المدى البعيد. قضية خفض ضريبة الوقود قضية حساسة وشائكة بالنسبة لحكومات الاتحاد الأوروبي, خاصة في بلجيكا وفنلندا وفرنسا التي تجمع بين احزاب يسار الوسط والخضر في حكوماتها الائتلافية. وفي الوقت الذي لم تستشير فيه حكومة فرنسا حزب الخضر بشأن تقديم التخفيضات الضريبية لسائقي الشاحنات فإن الخضر في المانيا يمثلون قوة اكبر من ذلك. فقد كانوا وراء فرض ضريبة البيئة التي يتوقع ان تحقق 17 مليار مارك خلال العام الجاري. ويطالب الحزب المسيحي الديمقراطي والديمقراطي الحر في المانيا بتأجيل الزيادة في ضريبة البيئة المقرر فرضها من العام المقبل, ربما لكي يكسب ارضية سياسية وشعبية في ظل هذه الظروف. الوضع في بريطانيا يبدو ان التظاهرات والاحتجاجات على ضريبة الوقود في بريطانيا من النوع الذي يولد قوة ذاتية. وما يثير السخرية ان الذين يقومون بها هم ثلاث جماعات معروفة بالمحافظة الشديدة هم المزارعون وسائقو سيارات الاجرة وسائقو الشاحنات وقام مئات من سائقي سيارات الاجرة السوداء في مدينة ليفربول شمال غربي انجلترا بإطلاق النوافير والسير ببطء في احتجاج منظم. وفي ادنبرة تسبب احتجاج سائقي الشاحنات بشاحناتهم في امتداد ساعة الذروة في العاصمة الاسكتلندية الى ساعات طويلة وقالوا انهم سوف يعوقون المرور بشكل اكبر فيما بعد. لكن المشكلة التي نتجت عن هذه الاحتجاجات والتظاهرات تعتبر بسيطة مقارنة بالآثار العملية للاحتجاج عند خزانات توزيع الوقود في انحاء البلاد. فكان هناك اغلاق متعمد للشوارع في بعض الاحيان لمنع توزيع الوقود, لدرجة ان احد سائقي الشاحنات قام بعمل بلغ ذروة الاحتجاج, حيث افرغ حمولة سيارته من الوقود امام باب احد المخازن وهو مغلق. لكن في اماكن اخرى, توقف المزارعون وسائقو الشاحنات في صفوف طويلة على جانبي الطريق. وتوقف نحو 12 مركز توزيع وقود في بريطانيا (هي الاكبر من حيث الحجم) عن توزيع الوقود. وقالت شركات البترول في احاديثها الجانبية انها تتوقع ان ينضب معين كل محطات الوقود بنهاية الاسبوع وهو ما حدث بالفعل. لكن في كثير من الاحتجاجات كان المحتجون يسمحون لناقلات الوقود المتجهة إلى المستشفيات والمدارس بالتحرك بحرية. لكن الشركات والسائقين تضرروا ضرراً بالغاً. وقال تومي شيري مدير النقل في شركة فورسيث التي توزع الغذاء ومقرها ليفربول ان الشركة توقفت عن العمل تقريباً, واضاف انه يتفق مع المحتجين ويوافق على الاحتجاج, لكنه لا يعتقد انه سيؤدى لأية نتائج. وعند حديثه كانت مراكز توزيع الوقود مغلقة, وقال انهم يحاولون ايجاد بعض الترتيبات للحصول على الوقود, لكن الامل ضعيف. كانت الاحتجاجات سليمة إلى حد كبير برغم بعض المشاهد القاسية ولذلك كانت في حدود ما يسمح به القانون. وفي غالبية الاحيان عندما كانت الشرطة تطلب من المحتجين والمتظاهرين اخلاء الطرق, كانوا يخضعون للتعليمات. غير ان شركات البترول قالت لشركات النقل التي تخدمها ان توقف تسليم الوقود خوفاً من وقوع اية هجمات على السيارات اثناء النقل. وقالت شركة شل (فرع بريطانيا) ان هناك كثير من السوائل القابلة للانفجار تنقل عبر الناقلات, وانهم لا يستطيعون المخاطرة بنقلها في ظل تلك الظروف. لكن المحتجين قالوا ان كثيراً من سائقي ناقلات الوقود كانوا يرفضون تجاوز الخط الاحمر الذي يفرضه المحتجون لانهم يؤيدون احتجاجهم وحملتهم. لقد تبني المحتجون على ضريبة الوقود تكتيكات جماعات البيئة والجماعات المناهضة للرأسمالية, وتجنبوا اساليب وطرق جماعات الضغط التقليدية (مثل النقابات العمالية) لانهم شعروا ان فيها مضيعة للوقت. هل اثر زيادة انتاج البترول بدأت المملكة العربية السعودية في عرض مزيد من الخام تسليم اكتوبر بناء على قرار رفع الانتاج, لكن هناك كثير من المحللين والشركات يشعرون بالقلق من ان يصل الانتاج إلى طاقته القصوى او بالقرب منها على مستوى السعودية والعالم, الا اذا قررت الولايات المتحدة استخدام بعض من مخزونها الاستراتيجي خلال الايام القليلة المقبلة. وتزايد الشعور بقيود الوصول إلى حدود الطاقة الانتاجية هو احد اسباب ارتفاع اسعار البترول واستمراره في الارتفاع حتى بعد قرار اوبك برفع الانتاج, الذي يعني زيادة الانتاج هذا العام بمقدار 4 ملايين برميل اجمالاً. وقال احد كبار المسئولين في اوبك ماذا نستطيع ان تفعل المنظمة اكثر من ذلك, الامر يخرج عن سيطرة المنظمة اذا لم يكن هناك طاقة انتاجية فائضة لانتاج البترول. وقال هذا المسئول وغيره من الذين حضروا اجتماع الاوبك ان السعودية لديها فائض طاقة انتاجية قدره نصف مليون برميل, حتى بعد الزيادات الاخيرة في الانتاج. يستهلك العالم 76 مليون برميل بترول يومياً. وقد تؤدي اي كارثة غير متوقعة مثل حدوث عاصفة في بحر الشمال او اي كارثة اخرى في احد مرافق الانتاج الكبيرة خلال الاشهر المقبلة الى انخفاض الامدادات الدولية حتى ولو كان بشكل مؤقت, اذا لم تستطع السعودية تعويض هذا النقص على الفور. يسود هذا الشعور لان الدول المنتجة الاخرى تنتج اما بكامل طاقتها او ما يقرب منها, والمخزون البترولي في العالم عند ادنى مستوياته منذ اكثرمن 20 عاماً. صحة البيانات ولا يمكن الاعتماد على ارقام الطاقة الانتاجية في مجال البترول بشكل مطمئن, مثل بيانات صناعة البترول الاخرى المعروفة بعدم دقتها. لكنه لا يوجد ادنى شك هذه المرة بشأن اقتراب الانتاج او وصوله من حدود الطاقة الانتاجية القصوى. ويقول لورانس جولدشتاين رئيس احد مؤسسات ابحاث الطاقة في نيويورك انه لا توجد اية طاقة انتاجية فائضة خارج السعودية ويضيف انه لن يندهش اذا قررت الولايات المتحدة اطلاق بعضا من مخزونها الاستراتيجي إلى السوق حالياً. وقال انه يعتقد ان السعودية قد ترحب في قرارة نفسها لان هذا سوف يرفع الضغط عنها. وتنص التشريعات الحالية في الولايات المتحدة على ان الحكومة تستطيع التصرف في 30 مليون برميل من البترول على مدى ستين يوماً. هذه الكمية سوف تعطي السعودية الفرصة لزيادة الطاقة الانتاجية. وقد اثبتت السعودية ان لديها القدرة على تفنيد ودرء الشكوك عن طريق زيادة انتاجها بسرعة وبشكل كبير. فقد استطاعت ان تعوض الكمية التي كان ينتجها العراق والكويت خلال حرب الخليج. وكانت السعودية في ذاك الوقت تنتج قدراً اقل من انتاجها الحالي بنسبة 40% وكان لديها فائض قدرة انتاجية كبير. وكان وزير البترول السعودي قد قال في فيينا ان بلاده تستطيع انتاج 5.10 ملايين برميل يومياً, لكن هذه الكمية تحتاج إلى ثلاثة اشهر لانتاجها ووصول الانتاج إلى هذا المستوى. ولم يوضح انتاج بلاده بعد الزيادات التي اقرتها اوبك او حجم الطاقة الانتاجية المدخرة على المدى القصير. ويقول مسئولون في اوبك اعتادوا على معرفة مقدرة السعودية ان المملكة سوف تنتج 2.9 ملايين برميل يومياً. وقد تزيد انتاجها اكثر من ذلك الشهر المقبل حتى تنفذ وعدها بخفض الاسعار إلى مستوى 25 دولارا للبرميل, اذا ظلت اسعار البترول مرتفعة واذا قررت الولايات المتحدة عدم الافراج عن شىء من المخزون الاستراتيجي. إعداد: أشرف رفيق