شهدت الاشهر الماضية ومنذ ولوجنا منهل القرن الجديد استمراراً وبوتيرة اعلى ـ لمسلسل الصراع بين الدول النامية والدول الصناعية ـ حيث بات يتضح بشكل جلي حجم الظلم ومرارته, اللذين تشعر بهما الدول النامية وقسوة ''الفخ'' الذي نصبته الدول المتقدمة لها, وتمثل ذلك جليا في فشل مؤتمرات ترويج للعولمة ''السلبية'' المكرسة لخدمة الاقوياء وفتح اسواق الفقراء اكثر مما هي عليه سياتل ودافوس, واخيرا مؤتمر ''الاونكتاد'' المنعقد في بانكوك عاصمة تايلاند اولى الدول التي عانت الازمة الطاحنة في جنوب شرق آسيا عام 1997 وتحولت من نمر ناهض بازغ الى نمر من ''ورق'' يرقد تحت الاقدام دون حراك. ويقول احد الاقتصاديين الخليجيين ان جولتي (اورجواي 1994 و(سياتل 1999) ابرزتا ان الدول الصناعية الكبرى وشركاتها متعددة الجنسية قد عقدت العزم على تنفيذ عملية اجتياح ساحق لمختلف الحواجز التي تقف في وجه التجارة الدولية وحركات رؤوس الاموال. وجاء قيام منظمة التجارة العالمية WTO تأكيدا لهذا الاتجاه فليس بمقدور الدول الصغيرة والفقيرة ان تمتنع عن الدخول في عضوية المنظمة, فهذه الدول لايجرؤ معظمها اصلا على اتخاذ قرارات لاتوافق عليها الولايات المتحدة خاصة انها مدمنة للمعونات الاجنبية او هي بحاجة الى مظلة امريكية عسكرية تحميها من دولة مجاورة او غير مجاورة, تستخدمها الولايات المتحدة, ايضا للقيام بهذا الدور!! واذا كان من المستاغ وفقا لآدم سميث في (ثروات الامم) ان حرة التجارة التي تعمل عليها منظمة التجارة WTO توسع السوق امام الجميع وبالتالي زيادة التجارة الدولية والاسهام في رخاء العالم ورفع مستوى العالم ككل وبالتالي استفادة الاغنياء والفقراء معا من ذلك, فان الحقيقة تؤكد ان زيادة حجم التجارة الدولية ليس مرادفا لحرية التجارة و كما انها قد تلبي حاجة بعض الفقراء في جهاز كمبيوتر مثلا, فانها تضر بهم ضررا شنيعا مؤسفا فيما هو اكثر اهمية مثل التعليم والسكن والصحة وهي امور تحتاج الى اقتصاد قوي لا يعاني ضغوطا خارجية او انهيارات داخلية وهو ما يعني ان الثمار الناضجة في اعلى الشجرة ينالها الاقوياء الاغنياء فقط او تسقط في حجورهم بينما يبقى الفقراء على الارض ينتظرون الفتات الملقى اليهم, تحت خدعة (حرية التجارة) الذي تستخدمه الدول المتقدمة وقتما يتفق مع مصالحها فقط وتضرب به عرض الحائط اذا تعارض معها, حيث تلجأ تلك الدول المتقدمة الى غلق مداخل اسواقها باساليب واشكال مبتكرة مثل: مكافحة الاغراق وقانون الاجراءات المضادة والتصاعد في الرسوم الاضافية والحواجز التجارية الاخرى التي فرضت على المنتجات ذات الاهمية القصوى للدول النامية مما يؤدي الى اجهاض اية فائدة ملموسة قد تعود على الدول النامية. وعلى سبيل المثال, فان تجارة المنسوجات التي تعد من الصناعات ذات القدرة التنافسية عالميا بالنسبة للدول النامية, قيل انها ستحقق ايرادات اضافية مع التحرير التدريجي لتجارتها عالميا بالنسبة للدول النامية يقدر بنحو 300 مليار دولار, ولكن بعد خمس سنوات من اتفاقية اورجواي ما زال معدل النمو في نصيبها سنويا لا يتجاوز 3.4% وهو المعدل السابق على الاتفاقية, في حين ان صادرات الدول صاحبة القيود زادت سنويا بمعدل 9%. وفي الوقت نفسه فان القيود على التكنولوجيا المتقدمة التي تعتبر العنصر الحاكم للنمو والتقدم ما زالت قائمة وهو ما تؤكده تقارير اليونسيكو وتحديدها للفجوة القائمة عالميا باعتبارها فجوة معرفية وليست فجوة موارد وهو ما يعززه امتلاك الدول المتقدمة نحو 97% من براءات الاختراع العالمية, مما يعكس حجم الفجوة المتزايد بين المتقدمة والنامية, في ظل انخفاض حجم معونات التنمية المتقدمة من الدول الصناعية الكبرى الى الدول النامية ومما يعني تراخي الشعور بالمسئولية الدولية عن الاقتصاد العالمي, ويفسر وقوع دول بازغة من العالم الثالث في اسر ازمات خانقة طاحنة فتت اوصال بعضها كما تحدث مع النمور الاسيوية خاصة اندونيسيا والمكسيك والبرازيل. واذا كنا سعدنا في العالم النامي ان تفشل مؤتمرات سياتل ودافوس حتى لا تنجح الدول المتقدمة في تحقيق اغراضها كاملة, فان الذي يجب الانتباه اليه ان هذا الفشل لا يعود الى ضغوط او قوة موقف الدول النامية في وجه المتقدمة بل يعود الفشل في معظمه الى (الشجار) الذي نشب بين الكبار (امريكا واوروبا واليابان) حول توزيع (الكعكة) واقتسامها وهؤلاء الكبار كما هو معروف لايستمر خلافهم طويلا, فسرعان ما يتفقوا ويوحدوا الصفوف في وجه العالم النامي الذي يكون قد شرب (المقلب) ووقع في الفخ..!! ومن هنا ليس امام العالم النامي سوى الاخذ بزمام المبادأة واعمال التطوير الذاتي وتوحيد الكلمة وقيام التكتلات فيما بين دوله واستثمار كل الامكانات المتاحة وهي كثيرة ومتوافرة والافادة من الثورة المعلوماتية والتكنولوجية قدر المستطاع وتنشيط التبادل التجاري بين تلك الدول, ومطالبة الدول المتقدمة بعدم ممارسة الاضطهاد الاقتصادي ضدها وفتح الاسواق حقيقة وتخفيف الديون وتقديم المساعدات مع توافر الالتزام والارادة السياسية لمواجهة المشكلة على جميع مستوياتها داخليا وخارجيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفق استراتيجيات وخطط وبرامج قابلة للتنفيذ فورا. حسين محمد