لعبت أوبك دوراً بارزاً منذ قيامها بقيادة وتوجيه اسعار النفط والغاز الطبيعي في أسواق الطاقة العالمية. وتتحدد قوة أوبك في مصدرين أساسيين الأول هو حجم كل من الانتاج الفعلي لأعضائها, والاحتياطيات المؤكدة لديهم بالنسبة للعالم. أما المصدر الثاني لقوتها فهو البعد السياسي والمتمثل في مدى القوة السياسية لكياناتها واستقرار تلك الكيانات وقدرتها على التنسيق والتعاون مع الدول الصناعية المستوردة الرئيسية لنفط أوبك. ومن هذا المنطلق نرى ان أسعار نفط أوبك لاتخضع لقواعد الدورات التجارية المعروفة ولا لقوانين العرض والطلب التي يقرها علم الاقتصاد بل ان لها قانونها المستقل كسلعة استراتيجية. لقد كان عرض النفط في الماضي أقل مرونة مما هو عليه اليوم. أما الان ومع الاكتشافات النفطية الضخمة والاحتياطيات المؤكدة وانخفاض تكاليف الاستكشاف والانتاج والتسويق فقد أصبح الانتاج ومن ثم العرض مرناً للغاية. ومن هذا المنطلق أصبح سوق النفط الحالي ولعشرات السنين المقبلة لايخشى من مرونة العرض من الناحية الفنية والتكنولوجية بقدر ما يخشاه من الناحية السياسية والاستراتيجية. وبالتالي أصبحت السوق من الناحية الاقتصادية البحتة هي سوق طلب (أي أنها سوق الدول المستوردة للنفط الخام) وليس المصدرة له فهي المتحكم الرئيسي بالطلب وهي المتحكم الرئيسي بالسوق. أما من الناحية السياسية والاستراتيجية والأمنية فالموضوع يأخذ أبعاداً اخرى أكثر تشعيباً وتفصيلا. غير انه ما يمكن ان يقال حول هذه النقطة ان هناك تبايناً واضحاً بين توجهات دول أوبك ومصالحها وعلاقاتها مع الدول الصناعية المستوردة للنفط. وبالتالي فان مواقفها تتباين باختلاف توجهاتها السياسية. والحقيقة ان المتتبع لسوق النفط منذ نشأة أوبك يرى الآتي: ـ الطفرة النفطية في 1973م بسبب حرب أكتوبر مع العدو الصهيوني وقرار حظر تصدير النفط الذي قفز بأسعار النفط من حوالي 3 دولارات للبرميل الواحد الى حوالي 13 دولاراً وبقيت الاسعار بعدها مستقرة عند ذلك السعر على الرغم من زيادة الانتاج والتصدير الى ما يقارب 70% وذلك حتى بداية 1979م. ـ مع مطلع 1979م جاءت الثورة الايرانية بقيادة آية الله الخميني (حدث سياسي وأمني استراتيجي) فقفزت أسعار النفط لتصل الى ما يقارب 36 دولاراً ثم الى حوالي 43 دولاراً للبرميل الواحد. وظلت متذبذبة ما بين 43 دولاراً و30 دولاراً حتى عام 1982م. ومن الاسباب الرئيسية التي حافظت على أسعار النفط مرتفعة الغزو السوفييتي لافغانستان. ويكمن المنطق الاقتصادي وراء ذلك في التغيرات التي تطرأ على العرض والطلب من واقع تلك الاحداث السياسية والأمنية. ـ بقيت الاسعار دون حاجز 30 دولاراً للبرميل وفوق حاجز 25 دولاراً حتى عام 1986م عندما فشلت جهود أوبك في تحديد حصص انتاجية والالتزام بها واستقالة وزير النفط السعودي محمد عبده يماني. فانتكست الاسعار الى حوالي 8 دولارات للبرميل الواحد. ـ ثم مالبثت ان ارتفعت الى حوالي 19 دولاراً وبقيت بعدها متذبذبة ما بين 11 الى 20 دولاراً للبرميل الواحد حتى اتت حرب الخليج الثانية (أزمة الخليج) التي رفعت برميل النفط الى حوالي 42 دولاراً فجأة وخلال فترة قصيرة جداً عام 1990م ثم انتكس بعدها ليصل الى حوالي 11 دولاراً للبرميل. ـ استمر برميل النفط متذبذباً منذ عام 1991م حتى عام 1998م ما بين 11 دولاراً الى 22 دولاراً ولم تتحرك أوبك إلا في عام 1999م عندما كسر سعر البرميل حاجز 10 دولارات هبوطاً ليصل الى حوالي 8 دولارات للبرميل الواحد. ـ أما اليوم فان سعر نفط أوبك وصل الى حوالي 34 دولاراً للبرميل وذلك على الرغم من الزيادات المتكررة في الانتاج المعلن وغير المعلن والرسمي وغير الرسمي. وبالتالي نجد ان دول المنظمة تسارع جاهدة الى رفع الانتاج وبعضها يطالب بالتدخل المباشر من قبل بعض الاعضاء لخفض الاسعار وذلك كله يعود لأسباب أمنية واستراتيجية وليست لأسباب اقتصادية. حيث ان المنطق الاقتصادي يرى ان الاسعار الحالية هي أسعار معقولة وان الاقتصاد الدولي بوضعه الراهن يستوعب هذا المستوى من الاسعار. غير ان المنطق الاقتصادي المحض لايكفي وحده لتبرير ما يحدث في أسواق النفط الخام العالمية. د. محمد ابراهيم الرميثي