بات التحرير المالي للاقتصاد من أهم الموضوعات التي يدور الحديث حولها في الآونة الأخيرة في اطار التنمية الاقتصادية. وينظر الى هذا التحرير المالي على مستوى الاقتصاد ككل (الميزان الرأسمالي), وكذلك على المستوى القطاعي (الخدمات المالية والمصرفية). ولكن الازمات المالية التي أصابت كلا من الدول المتقدمة والنامية تجعل صناع القرار يترددون عن المضي في تنفيذ خطط التحرير المالي كجزء من استراتيجيات التنمية لدولهم. وعلى أية حال, ينظر الى هذا التحرير على انه مطلب يجب تواجده في عصر العولمة لجذب الاستثمارات الاجنبية. بالاضافة الى ذلك, فان منظمة التجارة الدولية قد وضعت القاعدة الاساسية للتحرير على المستوى القطاعي من خلال الاتفاقية التي ابرمتها حول الخدمات المصرفية, وحيث ان دولة الامارات تعتبر دولة رائدة على المستوى الاقليمي من حيث قيامها بتطوير اقتصاد يعتمد على نظام السوق. فان قضية التحرير المالي تقع في صميم استراتيجيتها للتنمية الاقتصادية. وهذا ينبع من حقيقة ان الدولة قد بدأت في تنفيذ بعض الخطط الرامية الى الخصخصة وجذب المستثمرين الاجانب. ولكن هل يجب على الامارات ان تحرر الميزان الرأسمالي وقطاع خدماتها المالية كجزء من استراتيجيتها التنموية لعصر العولمة, أم انه يجب عليها الانتظار حتى تصبح الاجزاء الاخرى لهذه الاستراتيجية مكتملة التنفيذ؟ وهل يمكن للدول النامية ان تتحمل فتح اقتصاداتها لحركة الأموال الدولية والغاء القيود على أسعار الصرف بينما لم تقم العديد من الدول المتقدمة بتطبيق ذلك بشكل كامل حتى الان؟ سنحاول فيما يلي توضيح المنافع والمساوىء الاقتصادية للتحرير المالي. تحرير الميزان الرأسمالي هناك الكثير من المنافع الاقتصادية التي تعود على الاقتصاد نتيجة تحرير الميزان الرأسمالي, والتي تنشأ اساساً من حرية حركة رؤوس الأموال. عدم التوازن بين الادخار والاستثمار ان تدفقات رؤوس الاموال تسمح لدولة لديها فائض من المدخرات (مدخرة) في فترة معينة بأن تقوم بتحويل هذه المدخرات الى دولة اخرى بها فائض من الفرص الاستثمارية (منتجة), وستنتفع كلتا الدولتين من وراء هذا التحويل لأن معدل العائد على الاستثمار في الدولة المستلمة يفترض ان يكون أعلى من الدولة المرسلة, وترتبط هذه الآلية الى حد كبير بالتركيبة الديموغرافية لاقتصادات العالم. ذلك انه اذا كان العالم الصناعي يعتبر مدخرا (باعتبار أنهم لم يصلوا الى سن التقاعد بعد) واذا كانت الدولة النامية تمتلك فرصاً استثمارية (النمو في التصنيع ومتطلبات التحضير), فان العشرين عاماً المقبلة ستشهد تدفقات رأسمالية مكثفة من (الشمال) الى (الجنوب) . وسيؤدي ذلك الى اختلالات خطيرة في الميزان التجاري والميزان الرأسمالي, الأمر الذي ستكون له آثار كبيرة على الاقتصاد الكلي. تنويع المخاطر ان سهولة حركة رؤوس الأموال تؤدي الى تنويع أكبر للاستثمارات, ونتيجة لذلك تؤدي الى خفض مستوى المخاطر. وهذا بدوره يؤدي الى كفاءة أكبر في الانفاق العالمي الاستثماري. مكاسب من الاستثمار الاجنبي المباشر ان التدفقات الداخلة من الاستثمارات الاجنبية تكون دائماً مصحوبة بنقل التكنولوجيا على شكل معرفة فنية, وخبرة ادارية, ومعرفة الدخول الى الأسواق, وغيره. ولكن عملية نقل التكنولوجيا هذه يمكن ان تتم بدون مرونة حركة رأس المال لأن الموارد المالية اللازمة للاستثمار يمكن توفيرها أو الحصول عليها محلياً. الحرية الشخصية يوجد هناك جدل يتعلق بوجوب السماح للأفراد بأن يفعلوا ما يريدون بممتلكاتهم الخاصة, وهذا يشمل التخلص من معوقات حركة رؤوس الاموال من الدول الاخرى. ولكن يجب توخي الحذر هنا, فمن الناحية الاقتصادية فان فرض بعض القيود على تدفقات رأس المال الخاص, التي قد تعرض الاقتصاد المحلي لتحديات خطيرة, تعتبر سياسة حكيمة. انتهاج سياسة اقتصادية رشيدة يعتقد الكثير من الاقتصاديين بأن مرونة حركة رأس المال تؤدي الى جعل السياسات الاقتصادية التي تتخذها السلطات في أية دولة سياسات رشيدة. ذلك انه اذا ما حاولت السلطة ان تفعل شيئاً خاطئاً فان هذا سيهدد بهروب العملة الوطنية, الأمر الذي قد يدفع الحكومة الى العدول عن قرارها في تنفيذ الخيار الاقتصادي الخاطىء. ولكننا اذا ما نظرنا الى تجربة الازمة الآسيوية فإننا سنلاحظ بأن هذه الآلية المهمة في ترشيد السياسة الاقتصادية تعتبر آلية مشكوكاً في جدواها. تقليل آثار التغيرات الاقتصادية وترتبط هذه النقطة بجدلية ان الميزان الرأسمالي يمكنه التخفيف من الآثار السلبية للانتكاسات الاقتصادية على الطاقة الاستيعابية للاقتصاد. ويعود ذلك الى القدرة على الاستدانة لمنع الاستهلاك من الانخفاض الى مستويات متدنية يمكن ان يصل اليها في حالة عدم وجود حرية حركة رأس المال. ولكن التجارب الأخيرة تشير الى ان هذه الآلية تعمل بشكل أفضل في الدول الصناعية. أما في الدول النامية, فقد أثبت رأس المال الاجنبي بأنه أول الفارين من ساحة الاقتصاد عند حدوث الانتكاسات الاقتصادية حتى ولو كانت الدولة تتمتع بسمعة جيدة في الأسواق المالية. بل على النقيض من ذلك. فقد اتضح بأن الميزان الرأسمالي قد ادى في كثير من الحالات الى تعظيم آثار التغيرات الخارجية بدلاً من تخفيف نتائجها السلبية. تحرير الخدمات المالية بينما تؤتي عملية تحرير الخدمات المالية ببعض المنافع الاقتصادية المحددة, فانها تتسبب أيضا في بعض المخاطر الاقتصادية. المنافع أولاً, يقوم المستثمرون الاجانب بجلب الخبرات والمعرفة المهنية المطلوبة عندما يشرعون في تأسيس مؤسساتهم المصرفية والمالية, وتشير التجارب العملية الى وجود دلائل قوية على ان المصارف الاجنبية تستجلب معها خبرة فنية متفوقة الى النظام المالي المحلي. ثانياً, ان تحرير الخدمات المالية سيدعم المنافسة وسيؤدي الى كفاءة عملية أكبر, ونوعية أفضل من الخدمات, وسيخفض من تكلفة الاقتراض على المستهلكين. وأخيراً يساعد تحرير الخدمات المالية على دمج الاقتصاد المحلي مع النظام الاقتصادي العالمي, وخصوصا في ضوء اتفاقية منظمة التجارة الدولية المتعلقة بالخدمات المصرفية.